أورد الله تعالى
في القرآن الكريم
عدّة آيات دعا
فيها نبيَّه
محمّدًا صلى الله
عليه وآله وسلم
إلى الاستغفار من
ذنبه، قال تعالى:
﴿وَاسْتَغْفِرْ
لِذَنبِكَ﴾1.
﴿فَسَبِّحْ
بِحَمْدِ رَبِّكَ
وَاسْتَغْفِرْهُ
إِنَّهُ كَانَ
تَوَّابًا﴾2.
﴿إِنَّا
فَتَحْنَا لَكَ
فَتْحًا
مُّبِينًا *
لِيَغْفِرَ لَكَ
اللَّهُ مَا
تَقَدَّمَ مِن
ذَنبِكَ وَمَا
تَأَخَّرَ﴾3.
فكيف نفسِّر هذه الآيات، مع قطعنا بعصمة النبيّ محمّد صلى الله عليه وآله وسلم بالدليل العقليّ المتقدِّم، والذي لا بدّ أن يُفسَّر النصّ في ضوئه، لكون العقل القطعيّ هو الذي أوصلنا من خلال حكمة الله تعالى إلى النصّ القرآنيّ، وبالتالي لا يمكن أن يعارض هذا النصّ، فإذا كان ظاهره معارضًا له فلا بدَّ أن نؤوّله بما يوائم ذلك الدليل العقليّ القطعيّ، وحال هذه الآيات هو حال تلك الآيات التي عرضنا في الكتاب السابق "يسألونك عن الله"، والتي تفيد بأنّ لله تعالى يَدَيْن، بقوله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾4، وبأنّ له وجهًا، بقوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾5، وبأنّ له عينًا، بقوله تعالى: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾6، وبأنّ له ساقًا، بقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ﴾7، فقد عرضنا في ذلك الكتاب تأويلاً لهذه الآيات بما يتواءم مع الدليل العقليّ المفيد بأنّ الله تعالى غنيّ، وبالتالي فهو غير مركّب، لأنّ المركّب محتاج إلى أجزائه، وبالتالي فهو ليس له جسم، لأنّ الجسم مركّب، وعليه فلا بدّ من تأويل تلك الآيات بما ينسجم مع الدليل العقليّ، بأن نقول: يُراد من اليدين يد الثواب ويد العقاب، أو يد القوّة ويد النعمة، ويُراد من الوجه الذات، ومن العين الرعاية، ومن الساق الشدّة، كما تقدّم ذلك في كتابنا الآنف الذكر، وعليه، فكيف نفسِّر آيات ذنب النبيّ محمّد صلى الله عليه وآله وسلم؟ جواب عام نلاحظ أنّ العديد من الآيات القرآنيّة جرى فيها الخطاب إلى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، لكنّها في الواقع ليست موجَّهة إليه صلى الله عليه وآله وسلم، بل كانت من باب المَثَل القائل: "إيّاك أعني، واسمعي يا جارة"، وذلك مثل قوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا﴾8، مع أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم نشأ يتيمًا بلا والدين. بناءً عليه، يمكن حمل الآيات الداعية إلى الاستغفار ونحوه بأنّها موجَّهة، من الظاهر، إلى الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، إلاّ أنّها في الحقيقة موجَّهة إلى سائر المسلمين. جواب خاص إنَّ معنى الذنب في اللغة "الجُرم"9، وهو من المفاهيم النسبية التي يَختلف انطباقها بحسب حال الإنسان وموقعه وبيئته، حاله في ذلك حال معنى العيب، فإنه أيضًا من المفاهيم النسبية، إذ نلاحظ أنّ بعض تصرفات الإنسان البدويّ في بيئته ليست عيبً، بينما التصرّف نفسه يُحكم عليه بالعيب في البيئة الحضرية، وكذلك نُلاحظ أنّ أكْلَ شابٍّ عاديٍّ في شارع عام ربّما لا يُعتبر عيب، ولكن لو أنّ عالم دين ذا مكانة فعل ذلك فقد يُلام، ويُعتبر ذلك منه عيب، بل قد يراه البعض مُسقطاً للمروءة. واللافت في نظرة الناس إلى نسبيَّة الذنب أنهم قد يعتبرون الفعل نفسه حسنًا من ناحية، وذنبًا من ناحية أُخرى، وقد يكون منشأ هذا الأمر مقام الإنسان وشأنيَّته، فلو أنّ شاباً متدينًا ليس له تميّز في موقعه وشأنه الاجتماعيّ، طلب من أحد الأشخاص البعيدين عن أجواء التدين والأخلاق مساعدةً لأجل نشاط إسلاميّ، فقام ذلك الشخص ووبَّخه، وطرده، رافضًا إعطاءه أيَّ مساعدة، فما هو موقفنا من عمل هذا الشاب؟ من الطبيعي أن نثني على عمله، ونعتبره حسنً، وإن لم تحصل النتيجة المطلوبة.
ولكن لو أنَّ
مرجعًا دينيًا،
أو قائدًا كبيرًا،
قام بهذا الطلب،
وطرده ذلك الرجل،
فهنا قد نُعاتب
المرجع أو القائد:
بأنّ هذا العمل
غير لائق ومناسب
لمقامه وشأنه،
فلا نعدُّ ما صدر
عنه حسناً
باعتبار شأنيَّته
وموقعه، فهذا
الفعل هو حسن
باعتبار، وهو ليس
كذلك باعتبار آخر.
ولتقريب الفكرة أكثر، أُعطي مثالاً يتعلق بالحكم على الشيء تارة بلغة العقل وأُخرى بلغة القلب.
فقد ورد في الأدب
العالمي قصص حبٍّ
وعشقٍ خرجت عن
مألوف الناس،
كعشق روميو
لجوليت في الأدب
الإنكليزي، وشيرهاد لشيرين
في الأدب الفارسي،
وقيس لليلى في
الأدب العربي
الذي ورد فيه أنَّ
قيسًا كان يتبدّل
حاله بين العقل
والجنون بسبب
لقائه ليلى.
وبغضّ النظر عن واقعية تلك القصة، واعتمادًا على المعروف منه، فلو أنَّ قيسًا كان يجلس مع ليلى، فهو يعتبر أنّ جلوسه معها يُمثِّل قمة السعادة، وغاية الكمال المنشود، فلو أنه أثناء جلوسه مع معشوقته اضطرَّ إلى تركها نصف ساعة ليُعطي الدواء لأُمِّه المريضة، ثم عاد إليه، فما هو الحكم المناسب لذهابه إلى والدته لأجل مداواتها؟ فمن الواضح أنّ هذا العمل، بلغة العقل والمجتمع، هو حسن، بل من أوجب الواجبات، وأفضل ما يقوم به الإنسان في حياته من أعمال.
ولكن إذا أردنا
الحديث عن موقف
قيس حينما يرجع
إلى ليلى -وهي
عارفة بما قام به-
وقد تركها نصف
ساعة، فهل يعود
بشكل طبيعي بدون
اعتذار؟ أو أنه
يعتذر إليها
لغيابه عنها نصف
ساعة، على رغم
ضرورة ما قام به؟
الجواب بلغة
القلب: أنه يعتذر
إليه، على قاعدة
أنّ للعقل لغة،
وللقلب لُغة
أُخرى، ففعله
بلغة العقل حسنٌ،
وبلغة القلب
بحاجة إلى اعتذار.
وهكذا هو حال الأنبياء عليه السلام، في كثير من حالاتهم التي يعتبرون فيها أنّ خلوتهم مع الله تعالى، وقيامهم بين يديه - عزَّ وجل - تُمثِّل لهم قمة الكمال الإمكانيّ، والعبوديّة الإنسانيّة، لذا فهم حينما ينصرفون من بين يدي الله تعالى لأجل القيام بأمور لا تخلو من حُسْن، فإنَّهم يرجعون إلى الله تعالى في خلوتهم معه، معتبرين ما صدر عنهم بأنه ذنب، وعليهم أن يستغفروا الله بسببه. وهذا من مصداق القول المعروف: "حسنات الأبرار سيِّئات المقرّبين"10. والخلاصة: أوّلاً: إنّ الذنب لا يعني -دائمًا- الإثم باعتباره معصية لأوامر الله الإلزامية. ثانياً: إنّ الذنب قد يُطلق على أمر حسن بذاته، لكنّه ليس كذلك باعتبار مقام بعض الناس وأولويّاتهم. ثالثاً: إنّ الذنب قد يُطلق على أمرٍ ليس فيه قبح ذاتي، إلاّ أنّه يُعدّ جرمًا لبعض الاعتبارات دون بعضها الآخر. الذنب في آية الفتح إنَّ ما تقدَّم يصحّ جوابًا على الآية الأولى والثانية المتقدِّمتين في طيَّات السؤال السابق، أمّا آية الفتح، وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا * لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾11، فإنّ لها تفسيرًا خاصًّ، هو أنّ المراد من الذنب منها هو التبعة السيّئة التي كانت لدعوته صلى الله عليه وآله وسلم عند المشركين، فقد تأذَّى المشركون كثيراً من دعوة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، التي اعتبروها مقوِّضة لأركان تراثهم، وما يعتبرونه دِيناً لهم، وبالتالي لعزّتهم وكرامتهم أمام سائر العرب وغيرهم. لذا كانوا يعتبرون ما قام به النبِّي صلى الله عليه وآله وسلم من الدعوة إلى الإسلام، ومناهضة عبادتهم للأوثان ذنبًا كبيرًا، أرادوا أن يؤكِّدوا نظرة الناس إليه كذَنْب، ويروِّجوا ذلك في أوسع بقعة يتمكنون منها. ولأجل ذلك شنّوا هجومًا على النبي صلى الله عليه وآله وسلم منذ بداية الإعلان عن دعوته، من خلال الدعاية المُشوِّهة لصورته ودينه الذي كان صلى الله عليه وآله وسلم يدعوهم إليه، فنعتوه بالساحر والمجنون والشاعر المختلق للقرآن، بل ورد أنهم كانوا في مواسم الإقبال على مكة يجعلون بعض رجالهم قرب النَّبي صلى الله عليه وآله وسلم، ليشوِّشوا عليه، ويشوِّهوا صورته بنعته بتلك الصفات السلبية. وقد أثَّرت هذه الدعاية بشكل كبير في العرب، فحالت بين عقولهم، وتأثُّرها بالمنطق النبويّ، وبين قلوبهم، وتوجُّهها نحو رسالته الإلهية.
نعم لقد اختلق
أهل قريش قضية
كاذبة حول شخصية
النَّبي صلى الله
عليه وآله وسلم
ودعوته،
وعمَّموها على
البلدان، وسيطروا
بها على عقول
كثير من العرب
وقلوبهم، فأصبحت
عقولهم وقلوبهم
مُغلقة أمام دعوة
الإسلام.
لقد كان عمل أهل قريش يُركّز على إدراك الإنسان، لأنّ من يستطيع السيطرة عليه يُمكنه تسيير الإنسان بالوجهة التي يريد، إذ أنّ سلوك الإنسان تابع لإدراكه وعلمه، وليس لواقعيّة الشيء، فالإنسان الذي تقترب منه أفعى سامّة، وهو لا يعلم بوجودها، فإنّه لا يتحرك من مكانه، ولا يهرب منها، فإذا علم بها، فإنه يتحرك هاربًا، وهذا يدلُّ على أنّ الذي يحرِّك الإنسان، ويؤثِّر في سلوكه، هو إدراكه، وليس وجود الشيء الواقعيّ. وهكذا نلاحظ أنّ نظرة الإنسان إلى الإنسان الآخر، وسلوكه معه، لا يكونان بحسب ما هو عليه الآخر من واقع، بل بحسب إدراك الإنسان الذي قد يكون وهمًا لا حقيقة. بل إنّ الإنسان قد لا يتفاعل مع قيمة عالية لعدم إدراكه لها، فقد يطوف المؤمن حول الكعبة الشريفة وكتفه إلى جنب كتف إمام الزمان وصاحب العصر عجل الله تعالى فرجه الشريف، لكنه لا يتأثّر بذلك بسبب عدم معرفته به، في حين أنّه لو عرفه ستكون حالته مما يصعب توصيفها. وقد يعتقد الإنسان بمقام إنسان آخر، فيقدِّره، ويحترمه، ويجلّه، مع أنّه قد يكون واهمًا في اعتقاده. إذًا ما يحرِّك الإنسان ويؤثِّر في سلوكه هو إدراكه، وليس الواقع المجرَّد عن ذلك الإدراك.
وهذا يسري على
حال الفرد
والمجتمع، فإنّ
من يريد أن
يغيِّر مجتمعًا
ما عليه أن يسيطر
على إدراك أبنائه
ليحصل التغيير،
فيمكن للإنسان أن
يحوِّل أسطورة
وهمية إلى حقيقة
في أذهان الناس،
ويتمكّن من جعلهم
يعتبرونها قضية
حقَّة، يرتِّبون
عليها الآثار
والنتائج،كما هو
الحال في اختراع
اليهود قصة
"الهولوكست"
(المحرقة
اليهودية)، التي
استطاعوا أن
يزرعوها كحقيقة
في أذهان الكثير
من الناس في
العالم، كقضية
تعبِّر عن قمة
المظلوميّة للشعب
اليهودي، حتى
أثَّر ذلك في
الحكومات التي
تدَّعي حُرِّية
التعبير والفكر
في العالم الغربي،
فإذا بها تحكم
بالسجن والملاحقة
على مُفكِّرين
كبار، لأنهم
شكَّكوا في قصة
"الهولوكوست".
وكذلك قصة "الماسادا" التي تحكي عن قتل 900 يهودي لم يُسلِّموا أنفسهم للرومان في ملحمة بطوليّة مزعومة، فإنّ المحققين يؤكِّدون أنَّها لا أثر لها في التاريخ، سوى ما رُويَ عن مجموعة من المشاغبين اليهود، انتحروا أثناء حصارهم من قبَل الرومان.ومع ذلك جعل اليهود "الماسادا" رمزًا للتضحية، حتى إنّ الجنديّ الإسرائيليّ يذهب إلى نُصب "الماسادا" حينما يريد أن يقسم يمين الولاء للكيان الصهيونيّ. وهكذا حال الكثير من القضايا المُخترَعة التي يُحوِّلها الإعلام من خلال معركة الإدراك والوعي إلى ما يعتقده الآخرون حقائق. كما تفعل اليوم أمريكا في حربها الناعمة ضدّ الإسلام وقيمه. وبالعودة إلى أهل قريش الكافرين، فقد مارسوا لعبة الإدراك بذكاء وشيطنة، حتى استطاعوا أن يؤثِّروا في عقول العرب وقلوبهم بشكل كبير، بحيث إنَّ الدعاية المنتشرة المشوِّهة لصورة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ودينه أضحت قابلة للاستمرار بشكل مركّز في المستقبل. فعقول العرب وقلوبهم كانت مُغلقة بشكل مُحكم، قابل للاستمرار والبقاء، بحيث كان ذلك مانعًا من دخولهم إلى دين الله تعالى.وبعبارة أُخرى كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم في نظرهم مُذنبًا ذنبًا كبيرًا، كما تقدَّم في ما قام به من الدعوة، وسيستمرُّ ذنبه في المستقبل طالما هو سائر في دعوته. من هنا كان هذا الإغلاق للعقول والقلوب مانعًا من دخول الناس في دين الله أفواجًا، فكان فتح مكّة هو فتح لعقول الناس وقلوبهم، وهو محوٌ للدعاية السابقة المشوَّهة لصورة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، كما كان دافعًا لتلك الدعاية اللاحقة، بهذا المعنى، غفر الله للنبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم ذنبه المتقدِّم والمتأخِّر معًا.
* كتاب
يسألونك عن الأنبياء،
سماحة الشيخ أكرم بركات.
1- سورة
غافر، الآية 55..
2- سورة النصر، الآية 3. 3- سورة الفتح، الآيتان 1-2. 4- سورة المائدة، الآية 64. 5- سورة القصص، الآية 88. 6- سورة طه، الآية 39. 7- سورة القلم، الآية 42. 8- سورة الإسراء، الآية 23. 9- ابن فارس،أحمد، معجم مقاييس اللغة، تحقيق عبد السلام هارون، (لا.ط)، قم مكتب الإعلام الإسلامي، 1404 هـ،ج 22 ص 349- الجوهري، الصحاح تحقيق أحمد عبد الغفور عطار، ط4، بيروت، دار العلم للملايين،، 1407 ه، ج1، ص 129. 10- الحرّ العاملي، محمد بن الحسن، الجواهر السنية،(لا،ط)، النجف، مطبعة النعمان، 1964م. ص83. 11- سورة الفتح، الآيتان 1-2. | |
إظهار الرسائل ذات التسميات دراسات والمقالات. إظهار كافة الرسائل
إظهار الرسائل ذات التسميات دراسات والمقالات. إظهار كافة الرسائل
الجمعة، 1 يناير 2016
ما سرّ دعوة الله نبيّه محمّدًا للاستغفار من ذنبه؟
بواسطة:أدمن
2:12 م
الإساءات الماديّة إلى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم
بواسطة:أدمن
2:11 م
الإساءات الماديّة إلى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم
يقول الله تعالى في محكم كتابه: ﴿وَإِن كَادُواْ لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأَرْضِ لِيُخْرِجوكَ مِنْهَا وَإِذًا لاَّ يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾1. الإساءات الماديّة 1- قتل المسلمين لمّا عجزت قريش عن مواجهة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، ولم تستطع التخلّص منه بسبب حماية أبي طالب عليه السلام له، ولم تستطع الحدّ من عدد المسلمين، عمدت إلى التصفية الجسديّة واستئصالهم ليكونوا عبرةً لغيرهم، فكان أوّل شهيد وشهيدة في الإسلام ياسر وسميّة والدا عمّار الصحابيّ الجليل رضي الله عنهم، ولكنّ الثبات على المبدأ والاستعداد للتضحية في سبيله، أظهر قوّة الإسلام في نفوس المسلمين ممّا جعل المتردّدين يقبلون أكثر نحو هذا الدين الجديد. 2- الإخراج من مكّة والحصار في شعب أبي طالب عليه السلام قال تعالى: ﴿وَإِن كَادُواْ لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأَرْضِ لِيُخْرِجوكَ مِنْهَا وَإِذًا لاَّ يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾2، فإنّهم عمدوا إلى إخراجه صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين من مكّة، ولكن ما لبثوا حتّى قتلوا ببدر3، فإنّ من يلجأ إلى الله في الشدائد لا بدّ أن يأتيه بالفرج. 3- محاولة القتل قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾4، وذلك عندما شعرت قريش بحجم الخطر فيما لو التحق النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بأصحابه، خاصّة بعدما قدَّرت أنّ المدنيّين سيحمونه وينصرونه بعدما بايعوه، فاتخذت قراراً حاسماً بالتخلُّص من النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم قبل فوات الأوان، واستطاعت أن تنتزع قراراً بمشاركة كلِّ قبائل قريش في عمليّة الاغتيال، من أجل أن يتفرّق دمه في القبائل كلّها؛ فلا يعود بإمكان بني هاشم أن يثأروا لدمه، ولكنّ الله تعالى أخبر رسوله صلى الله عليه وآله وسلم بهذه المؤامرة، وأمره بالخروج ليلاً من مكّة وأن يجعل عليّاً عليه السلام مكانه ليبيت على فراشه من أجل التمويه والإيهام، وليردّ كيدهم عليهم، فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى غار ثور وبات عليّ عليه السلام على فراشه تلك الليلة. وعندما اقتحم المشركون دار النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وجدوا أنفسهم أمام عليّ عليه السلام، ونظراً للتضحية الكبرى الّتي قدّمها الإمام عليّ عليه السلام، أنزل الله تعالى بحقّه قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ وَاللّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾5. 4- الحرب ضد بعد هجرة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة، أقام نواة دولة، ممّا جعل أمر الإسلام ينتشر بين القبائل العربيّة، بعد أن كان محصوراً في قريش، بسبب التعتيم على الدعوى الحقّة، فرأى زعماء قريش أن لا مناص إلّا بقمع الإسلام بقوة السلاح والحرب، فصار الصراع عسكريّاً، ولكنّ الله أنزل نصره على نبيّه صلى الله عليه وآله وسلم، قال تعالى: ﴿أَلاَ تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّواْ بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُم بَدَؤُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤُمِنِينَ* قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ﴾6، فحثّ الله المؤمنين على قتال الّذين أخرجوهم والرسول صلى الله عليه وآله وسلم من بيوتهم، وأن لا يخشونهم، بل يخشون الله فإنّه سينصر النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم على أيديهم. وقال تعالى: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ * ثُمَّ أَنَزلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَعذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَذَلِكَ جَزَاء الْكَافِرِينَ﴾7، فنصرهم الله وأنزل سكينته على رسوله صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين، وأنزل الملائكة، فمن ينصر الحقّ ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ينصره الله ويعذّب الكافرين. وقال تعالى: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاء حَسَناً إِنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ ﴾8، فالله هو الّذي قتل وهو الّذي رمى، وهو الّذي أوهن كيد الكافرين. 5- محاولة الاغتيال من الأحداث المُهمَّة الّتي وقعت مع النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم خلال عودته من تبوك محاولة اغتياله، فقد ذكرت المصادر التاريخيّة أنّه حين وصل الجيش الإسلاميّ إلى العقبة بين المدينة والشام قال صلى الله عليه وآله وسلم: "من شاء منكم أن يأخذ بطن الوادي فإنّه أوسع لكم" فأخذ الناس بطن الوادي وسلك هو طريق العقبة، وكان يقود ناقته عمّار بن ياسر ويسوقها حذيفة بن اليمان، فرأى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في ضوء القمر فرساناً قد تلثّموا ولحقوا به من ورائه في حركةٍ مُريبة فغضب صلى الله عليه وآله وسلم وصاح بهم وأمر حذيفة أن يضرب وجوه رواحلهم؛ فتملّكهم الرعب وعرفوا بأنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم قد علم بما أضمرته نفوسهم بمؤامرتهم، فأسرعوا تاركين العقبة ليُخالِطوا الناس ولا تنكشف هويّتهم. وطلب حذيفة من الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أن يبعث إليهم من يقتلهم بعدما عرفهم من رواحلهم، ولكنّ رسول الرحمة عفا عنهم وأوكل أمرهم إلى الله تعالى9. هذا سرد مختصر لما تحمّله قلب نبيّنا أرواحنا فداه من أذى وإساءات، ولم نذكر مثلاً أذى اليهود واستهزاءهم بالنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم من التشكيك به ومحاولة تعجيزه، وتحريض المشركين عليه والتجسّس عليه لصالحهم، وإثارة الفتن بين المسلمين، وتآمرهم على حياة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم مراراً، ونقض العهود والمواثيق الّتي أبرموها معه صلى الله عليه وآله وسلم. ولو أردنا حصرها لاستوعبت مجلّدات، فإنّه حتّى آخر عمره الشريف شهد أقسى الإساءات، من عصيان أمره صلى الله عليه وآله وسلم بتجهيز جيش أسامة، والحيلولة دون كتابة الوصية، والتنازع عنده واتهامه في عقله، وغير ذلك. الخاتمة لقد كشف لنا التاريخ أنّ مخالفي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الّذين استهزأوا به وأساءوا إليه، ما كان لهم حجّة بل حجّتهم داحضة، وفي يومنا هذا واستمراراً لإساءات واستهزاء المشركين، يتابع الغربيون هذه المعركة. فقد عرفوا أنّ الإسلام يملك من قوّة الحجّة، بمعجزته الخالدة القرآن الكريم الّذي أعجز الناس على أن يأتوا بمثله ماضياً وحاضراً، وبرسوله الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم الّذي لا ينكر نوره وعظمته. فلم يبق لهم في مواجهة الإسلام ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم وكتابه، سوى السبّ والشتم والإساءة، برسوم وأفلام وغير ذلك، وما أساليبهم هذه إلّا لضعف حجّتهم ومنطقهم، فالضعيف هو من يلجأ إلى هذه الأساليب الّتي تؤكّد ضعف وضحالة مرتكزات حضارتهم الماديّة، وهذا أذان بسقوط حضارتهم، وقرب زوالهم وهلاكهم، فإنّه ما تجرّأ قوم على الله واستهزؤوا بأنبيائه عليهم السلام إلّا انتقم الله منهم. قال تعالى: ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِىءَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُواْ مِنْهُم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِؤُونَ﴾10. وقال تعالى: ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِىءَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ﴾11. وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا﴾12. وقال تعالى: ﴿سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُّسُلِنَا وَلاَ تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلاً﴾13. عسى أن يبصّرنا الله سبحانه وتعالى زوالهم وفناءهم بما آذوا رسوله صلى الله عليه وآله وسلم وأمّة رسوله، وبما تجرّؤوا على الله سبحانه وعلى نبيّه صلى الله عليه وآله وسلم.
* كتاب إلا رحمة للعالمين، إعداد ونشر جمعية المعارف الإسلامية الثقافية.
1- سورة الإسراء، الآية: 76. 2- سورة الإسراء، الآية: 76. 3- تفسير القمّي، ج2، ص24. 4- سورة الأنفال، الآية: 30. 5- سورة البقرة، الآية: 207. 6- سورة التوبة، الآية: 13. 7- سورة التوبة، الآيتان: 25 26. 8- سورة الأنفال، الآيتان: 17 18. 9- بحار الأنوار، العلامة المجلسي، ج21، ص247. 10- سورة الأنعام، الآية: 10. 11- سورة الرعد، الآية: 32. 12- سورة الكهف، الآية: 106. 13- سورة الإسراء، الآية: 77. | |
الخميس، 17 ديسمبر 2015
مجلس شهادة الإمام العسكريّ عليه السلام -2
بواسطة:أدمن
12:49 ص
شعبي:
على أبو محمّد يويلي تراكم الهم عقب ما كبد أبوه انمرد بالسم عليه المعتمد كل يوم يشتد يويلي وظلّ يجور على أبو محمّد سقاه السم لمن كبده تمرَّد ولا راقب الباري ولا تندم أبوذيّة: وحق العسكري ووالده وسمهم علامة بكل قلب يضوي وسمهم حيف اتجاسر الظالم وسمهم ابذاك السجن واندفنوا سويّه
لقد تعرّض هذا الإمام
العظيم لمحنٍ كثيرة:
1- السجن: وقد كان حاله فيه كحال جدّه الإمام الكاظم عليه السلام، فعن عليّ بن عبد الغفّار قال: دخل العبّاسيّون على صالح بن وصيف، ودخل صالح بن عليّ وغيره من المنحرفين عن هذه الناحية على صالح بن وصيف عندما حبس أبا محمّد عليه السلام، فقال لهم صالح: وما أصنع قد وكّلت به رجلين من أشرّ من قدرت عليه، فقد صارا من العبادة والصلاة والصيام إلى أمر عظيم، فقلت لهما: ما فيه؟ فقالا: ما تقول في رجل يصوم النهار ويقوم الليل كلّه، لا يتكلّم ولا يتشاغل وإذا نظرنا إليه ارتعدت فرائصنا ويداخلنا ما لا نملكه من أنفسنا، فلمّا سمعوا ذلك انصرفوا خائبين. وعن المحموديّ قال: رأيت خطّ أبي محمّد لمّا أخرج من حبس المعتمد: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُون﴾2. 2- محاولة القتل والاغتيال: وقد وقع ذلك في مواضع عديدة: منها: أنّه سلّم أبو محمّد عليه السلام إلى نحرير3 فكان يضيّق عليه ويؤذيه، قال: فقالت له امرأته: ويلك اتق الله، لا تدري من في منزلك؟! وعرَّفته صلاحه وقالت: إنّي أخاف عليك منه، فقال: لأرمينّه بين السباع، ثمّ فعل ذلك به، فرُئي عليه السلام قائماً يصلّي وهي حوله. ومنها: ما عن أحمد بن الحارث القزوينيّ قال: كنت مع أبي بسرّ من رأى، وكان أبي يتعاطى البيطرة في مربط أبي محمّد، قال: وكان عند المستعين بغل لم يُرَ مثله حسناً وكبراً، وكان يمنع ظهره واللجام والسرج، وقد كان جمع عليه الراضة4، فلم يمكن لهم حيلة في ركوبه، قال: فقال له بعض ندمائه: يا أمير المؤمنين، ألا تبعث إلى الحسن بن الرضا حتّى يجيء، فإمّا أن يركبه، وإمّا أن يقتله فتستريح منه، قال: فبعث إلى أبي محمّد ومضى معه أبي، فقال أبي: لمّا دخل أبو محمّد الدار كنت معه، فنظر أبو محمّد إلى البغل واقفاً في صحن الدار. فعدل إليه فوضع بيده على كفله، قال فنظرت إلى البغل وقد عرق حتّى سال العرق منه، ثمّ صار إلى المستعين، فسلّم عليه فرحّب به وقرب، فقال: يا أبا محمّد ألجم هذا البغل، فقال أبو محمّد لأبي: ألجمه يا غلام، فقال المستعين: ألجمه أنت، فوضع طيلسانه، ثمّ قام فألجمه، ثمّ رجع إلى مجلسه وقعد، فقال له: يا أبا محمّد أسرجه، فقال لأبي: يا غلام أسرجه، فقال: أسرجه أنت، فقام ثانية فأسرجه ورجع، فقال له: ترى أن تركبه؟ فقال: نعم، فركبه من غير أن يمتنع عليه ثمّ ركّضه في الدار، ثمّ حمله على الهملجة5 فمشى أحسن مشي يكون، ثمّ رجع ونزل، فقال له المستعين: يا أبا محمّد كيف رأيته؟ قال: يا أمير المؤمنين ما رأيت مثله حسناً وفراهةً وما يصلح أن يكون مثله إلّا لأمير المؤمنين، قال: فقال: يا أبا محمّد فإنّ أمير المؤمنين قد حملك عليه، فقال أبو محمّد لأبي: يا غلام خذه، فأخذه أبي فقاده. ومنها: أنّه لمّا همّ المستعين في أمر أبي محمّد (العسكريّ) عليه السلام بما همّ وأمر سعيد الحاجب بحمله إلى الكوفة، و أن يحدث عليه في الطريق حادثة انتشر الخبر بذلك في الشيعة فأقلقهم، وكان بعد مضيّ أبي الحسن (الهادي) عليه السلام بأقلّ من خمس سنين. فكتب إليه محمّد بن عبد الله والهيثم بن سيّابة: بَلَغنا -جَعَلَنا الله فداك- خبرٌ أقلقنا وغمّنا، وبلغ منّ، فوقَّع: بعد ثلاث يأتيكم الفرج، قال: فخُلع المستعين في اليوم الثالث، وقعد المعتزّ، وكان كما قال6. 3- الشهادة: إلى أن جاء المعتمد العبّاسيّ، ودسّ للإمام عليه السلام السمّ، وصار الإمام جليس الدار وطريح الفراش.. ثمانية أيّام.. يعاني الآلام والأوجاع من أثر السمّ.. ولمّا اعتلّ بعثوا إلى الخليفة أنّ ابن الرضا قد اعتلّ، فركب من دار الخلافة نفر من خدّام أمير المؤمنين كلّهم من ثقاته وخاصّته.. وأمرهم بلزوم دار الحسن بن عليّ عليهما السلام وتعرّف خبره وحاله، وبعث إلى نفر من المتطبّبين فأمرهم بالاختلاف إليه وتعاهده صباحاً ومساءً. فلمّا كان بعد ذلك بيومين جاءه من أخبره أنّه قد ضعف، فركب إليه بعض أصحاب الخليفة وأمر المتطبّبين بلزومه وبعث إلى قاضي القضاة فأحضره مجلسه وأمره أن يختار من أصحابه عشرة ممّن يوثق به في دينه وأمانته وورعه، فأحضرهم فبعث بهم إلى دار الحسن عليه السلام وأمرهم بلزوم داره ليلاً ونهار، فلم يزالوا هناك حتّى توفّي عليه السلام.. قال إسماعيل بن عليّ: دخلت على أبي محمّد الحسن بن عليّ عليهما السلام في المرضة التي مات فيها وأنا عنده، إذ قال لخادمه عقيد- وكان الخادم أسود نوبيّاً قد خدم من قبله عليّ بن محمّد وهو ربيّ الحسن عليه السلام - فقال (له): يا عقيد إغل لي ماء بمصطكي7، فأغلى له، ثمّ جاءت به صقيل الجارية أمّ الخلف عليه السلام. فلمّا صار القدح في يديه وهم بشربه فجعلت يده ترتعد حتّى ضرب القدح ثنايا الحسن عليه السلام، فتركه من يده، وقال لعقيد: أدخل البيت فإنّك ترى صبيّاً ساجداً فأتني به. قال أبو سهل: قال عقيد: فدخلت أتحرّى فإذا أنا بصبيّ ساجد رافع سبابته نحو السماء، فسلّمت عليه فأوجز في صلاته، فقلت: إنّ سيّدي يأمرك بالخروج إليه، إذا جاءت أمّه صقيل فأخذت بيده وأخرجته إلى أبيه الحسن عليه السلام. قال أبو سهل: فلمّا مَثُلَ الصبيّ بين يديه سلّم، وإذا هو دُرّيّ اللون، وفي شعر رأسه قطط، مفلج الأسنان، فلمّا رآه الحسن عليه السلام بكى وقال: يا سيّد أهل بيته اسقني الماء فإنّي ذاهب إلى ربّي، وأخذ الصبيّ القدح المغليّ بالمصطكي بيده ثمّ حرّك شفتيه ثمّ سقاه، فلمّا شربه قال: هيّئوني للصلاة، فطُرح في حجره منديل فوضّأه الصبيّ واحدة واحدة، ومسح على رأسه وقدميه. فقال له أبو محمّد عليه السلام: أبشر يا بنيّ، فأنت صاحب الزمان، وأنت المهديّ، وأنت حجّة الله على أرضه، وأنت ولدي ووصيّي وأنا ولدتك... ولَدَك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأنت خاتم (الأوصياء) الأئمّة الطاهرين، وبشَّر بك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وسمَّاك وكنَّاك، بذلك عهد إليَّ أبي عن آبائك الطاهرين صلّى الله على أهل البيت، ربّنا إنّه حميد مجيد. قالوا: ثمّ أخذ ولده الحجّة|، وضمّه إلى صدره الشريف وجعل يقبّله ويودّعه ويبكي، ويوصيه بوصاياه وسلّمه ودائع الإمامة، ثمّ سكن أنينه، وعرق جبينه، وغمّض عينيه، ومدّ يديه ورجليه، وفاضت روحه الطاهرة.. رحم الله من نادى: وا إماماه.. وا سيّداه.. وا مظلوماه.. بعد ما ودّع ابنه ابقلب مجروح تشاهد ويل قلبي وطلعت الروح ثار صياح أهل بيته وعلا النوح تنادي مات أويلي الحسن بالسم وقام الإمام الحجّة عجّل الله تعالى فرجه بتجهيز أبيه الإمام العسكريّ عليه السلام، ولمّا وضع الإمام في نعشه مكفّناً تقدّم جعفر بن عليّ ليصلّي على أخيه، يقول الراوي: فلمّا همّ بالتكبير خرج صبيّ بوجهه سمرة، بشعره قطط، بأسنانه تفليج، فجبذ برداء جعفر بن عليّ وقال: تأخّر يا عمّ، فأنا أحقّ بالصلاة على أبي، فتأخّر جعفر، وقد أربدّ وجهه واصفرّ. فتقدّم الصبيّ وصلّى عليه ودُفن إلى جانب قبر أبيه عليهما السلام.. ولمّا مضى الإمام عليه السلام صارت سُرَّ مَنْ رأى ضجّة واحدة- مات ابن الرضا- وبعث السلطان إلى داره من يفتّشها ويفتّش حجرها، وختم على جميع ما فيها وطلبوا أثر ولده وجاؤوا بنساء يعرفن بالحبل، فدخلن على جواريه فنظرن إليهنّ فذكر بعضهنّ أنّ هناك جارية بها حمل فأمر بها فجعلت في حجرة ووكّل بها "نحرير" الخادم وأصحابه ونسوة معهم، ثمّ أخذوا بعد ذلك في تهيئته، وعطّلت الأسواق وركب بنو هاشم والقوّاد والكتّاب وسائر الناس إلى جنازته عليه السلام، فكانت سُرَّ مَنْ رأى يومئذ شبيهاً بالقيامة.. اجت الناس تتراكض ابدهشه لگوا دار العلوم اشلون وحشه بكوا عالباب لمّن طلع نعشه تلقوه ابلطم يدمي الخدين وعن الرضا عليه السلام أنّه قال: لا بدّ من فتنة صمّاء صيلم يسقط فيها كلّ بطانة ووليجة، وذلك عند فقدان الشيعة الثالث من ولدي، يبكي عليه أهل السماء وأهل الأرض وكلّ حرّى وحرّان، وكلّ حزين لهفان..
سارت بالنعش تبكي حواليه
لما دفنوه ردوا
للعزا اعليه
بس احسين ما واحد وصل ليه ثلث تيام عاري ابغير تكفين لهفي عليك سيّدي أبا عبد الله! من الذي غسّلك وكفّنك وشيّعك؟! مَا غَسَّلُوْهُ وَلَا لَفُّوْهُ فِيْ كَفَنٍ يَوْمَ الطُّفُوْفِ وَلَا مَدُّوْا عَلَيْهِ رِدَا
*مجالس
الأئمة المعصومين2،سلسلة
مجالس الأئمة المعصومين، اعداد معهد سيد الشهداء
للمنبر الحسيني
1- القصيدة للسيّد صالح النجفيّ المعروف بالقزوينيّ رحمه الله.
2- سورة الصف الآية 8. 3- هو خادم من خدم الخليفة وكان راعيَ سباع الخليفة وكلابه، ومن خواصّه، وكان شقيّاً من الأشقياء، والنحرير: الحاذق الفطن. 4- جمع رائض، أي الذي يتولّى تربية المواشي. 5- نوع من المشي. 6- وروي مثله مع المعتزّ أيضاً والله العالم. 7- المصطكي: شجر له ثمر يميل طعمه إلى المرارة ويستخرج منه صمغ يعلك، وهو دواء. | |||
مجلس شهادة الإمام الحسن العسكري عليه السلام-1
بواسطة:أدمن
12:47 ص
شعبي:
تظل صابر على أخذ الثّار لليوم يو مذبوح يو مقتول بالسّم يا هو المِن هَلَك ما راح مظلوم يبو صالح جزاك العِتَب واللّوم قال المحدّث القمّيّ، في الأنوار البهيّة: عن السّيّد بن طاووس، قال: "إعلم، أنّ مولانا الحسن بن عليّ العسكريّ عليه السلام، كان قد أراد قتله الثّلاثة ملوك، الّذين كانوا في زمانه، حيث بلغهم أنّ مولانا المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف, يكون من ظهره صلوات الله عليه، وحبسوه عدّة دفعات، فدعا على من دعا عليه منهم، فهلك في سريع من الأوقات". وإليك2 بعضها:
أ ـ المستعين العبّاسيّ
يعزم على قتل الإمام:
صمّم المستعين يوماً في أيّام خلافته على قتل الإمام، ولذلك أمر حاجبه أن يخرج الإمام من سامراء إلى طريق الكوفة، ويقتله في الطّريق. قال ابن طاووس، في كتاب مهج الدّعوات: من كتاب الأوصياء لعليّ بن محمّد بن زياد الصّيمريّ، قال: لَمّا همّ المستعين في أمر أبي محمّد عليه السلام بما همّ، وأمرسعيداً الحاجب بحمله إلى الكوفة، وأن يحدث عليه في الطّريق حادثة، انتشر الخبر بذلك في الشّيعة فأقلقهم، وكان بعد مضي أبي الحسن عليه السلام بأقلّ من خمس سنين. فكتب إليه محمّد بن عبد الله، والهيثم بن سيّابة: بلغنا، جعلنا فداك، خبر أقلقنا، وغمّنا، وبلغ منّا، فوقّع: بعد ثلاث يأتيكم الفرج. قال: فخُلِع المستعين في اليوم الثّالث، وقَعَد المعتزّ, وكان كما قال3. ب ـ ومرّة أخرى أيضاً: وعن أحمد بن الحرث القزوينيّ، قال: كان عند المستعين بغلة، لم ير مثلها حسناً وكبراً، وكانت تمنع ظهرها واللّجام، وقد جمع الرّواض, فلم يكن لهم حيلة في ركوبها، فقال بعض ندمائه: ألا تبعث إلى الحسن حتّى يجيء؟ فإمّا أن يركبها، وإمّا أن تقتله. فبعث إلى أبي محمّد الحسن، ومضى معه أبي، فلمّا دخل الدّار، كنت مع أبي، فنظر أبو حمّد إلى البغلة، واقفة في صحن الدّار، فوضع يده على كتفها، فتعرّقت البغلة. ثمّ صار إلى المستعين، فرحّب به، وقرّب, فقال: ألجم هذا البغل، فقال أبو محمّد لأبي: ألجمه. فقال المستعين: ألجمه أنت، فوضع أبو محمّد طيلسانه4، ثمّ قام فألجمه، ثمّ رجع إلى مجلسه. ثمّ قال: يا أبا محمّد أسرجه. فقال أبو محمّد عليه السلام لأبي: أسرجه. فقال المستعين: أسرجه أنت، يا أبا محمّد. فقام ثانية، فأسرجه، ورجع، فقال: ترى أن تركبه. قال: نعم، فركبه أبو محمّد من غير أن تمتنع عليه، ثمّ ركضها في الدّار، ثمّ حمله على الهملجة5، فمشى أحسن مشي، ثمّ نزل، فرجع إليه، فقال المستعين: قد حملناك عليه. فقال أبو محمّد لأبي: خذه فأخذه أبي، وقاده6. ج ـ وقد همّ الزّبيريّ بذلك أيضاً: روى الطّبرسيّ، عن أحمد بن محمّد بن عبد الله، قال: خرج عن أبي محمّد عليه السلام حين قُتِل الزّبيريّ: هذا جزاء من اجترأ على الله في أوليائه. زعم: أنّه يقتلني وليس لي ولد، فكيف رأى قدرة الله فيه؟!7 والزّبيريّ هذا، هو المعتزّ العبّاسيّ. د ـ والمهتدي العبّاسيّ، قد همّ بذلك أيضاً: وعزم المهتدي أيضاً في أيّام خلافته على قتل الإمام عليه السلام، ولكنّ الله دفع شرّه ببركة دعاء الإمام نفسه عليه السلام، فشغله الله بنفسه، حتّى قُتِل على يد الأتراك. روى المجلسيّ عن الصّيمريّ عن أبي هاشم، قال: كنت محبوساً عند أبي محمّد عليه السلام في حبس المهتدي، فقال لي: يا أبا هاشم, إنّ هذا الطّاغي أراد أن يعبث بالله عزّ وجلّ في هذه اللّيلة، وقد بتر الله عمره، وجعله للقائم من بعده، ولم يكن لي ولد, وسأرزق ولداً. فلمّا أصبحنا، شغب الأتراك على المهتدي، وأعانهم الأمّة؛ لمّا عرفوا من قوله بالاعتزال والقدر، وقتلوه، ونصّبوا مكانه المعتمد، وبايعوا له، وكان المهتدي قد صحّح العزم على قتل أبي محمّد عليه السلام، فشغله الله بنفسه، حتّى قُتِل، ومضى إلى أليم عذاب الله. هـ - السّعي لقتل الإمام عليه السلام، لقطع نسل الإمامة: وممّا يشهد على أنّ الإمام عليه السلام لم يمت حتف أنفه: أنّ الخلفاء العبّاسيّين، وخاصّة المعتمد العبّاسيّ، كانوا حريصين على تنفيذ جريمة قتل الإمام العسكريّ عليه السلام، من أجل قطع استمرار سلسلة الإمامة الطّاهرة. هذا ما أكّده الإمام عليه السلام لنا، حينما وُلِدَ ولده القائم المنتظر عجل الله تعالى فرجه الشريف.
فقد روى الشّيخ الطّوسيّ،
في كتاب الغيبة عن الكلينيّ، رفعه، قال: قال أبو محمّد عليه السلام: حين وُلِدَ
الحجّة عليه السلام زعم الظّلمة أنّهم يقتلونني، ليقطعوا هذا النّسل، فكيف رأوا
قدرة الله؟ وسمّاه المؤمّل.
وكان المعتمد ينقل الإمام العسكريّ من سجن إلى سجن، حتّى نُقل الإمام عليه السلام إلى سجن عليّ بن أوتاش، وكان شديداً على آل أبي طالب، ولكنّ الإمام عليه السلام وعظه، وحذّره غضب الجبّار، فما مضى يوماً على وجود الإمام عليه السلام عنده، حتّى وضع خدّه لأبي محمّد عليه السلام، وكان لا يرفع بصره، إجلالاً وإعظاماً له. المصيبة: وخرج الإمام عليه السلام من عنده، وهو أحسن النّاس بصيرة، وأحسنهم قولاً فيه، ثمّ سلّموا الإمام عليه السلام إلى شخص آخر، شديد العداوة لآل محمّد سلام الله عليهم، اسمه نحرير، وكان يُضيّق على الإمام عليه السلام، ويؤذيه. فقالت له امرأته: ويلك، اتّق الله، فإنّك لا تدري من في منزلك, وإنّي أخاف عليك منه, وذكرت له صلاحه وعبادته، فاشتدّ عداوة، وقال: والله، لأرمينّه بين السّباع والأسود، ثمّ استأذن في ذلك الخليفة، فأذن له, فرمى الإمام عليه السلام بين السّباع والأُسود، ولم يشكّ في أكلها إيّاه، فنظر إلى الموضع ليعرف الحال، فوجد الإمام عليه السلام قائماً يُصلّي، والسّباع حوله تلوذ به، ولم يزل ثلاثة أيّام بين الأُسود، وهو يُصلّي، فأخرجه بعد ذلك إلى سجن آخر، فما زال يُنقل من سجن إلى آخر. عُمَره يا ويلي تسعة وعشرين ما زاد ومدَّة حياته ما اهتنى بشرب ولا زاد بسّ في السّجون معذِّبينَه قوم ا لأوغاد من سجن لآخر يا ويلي ياخذونَه إلى أن دسّ إليه المعتمد سُمّاً قاتلاً، وضعه له في الطّعام, فوقع الإمام عليه السلام مريضاً، وطال مرضه ثمانية أيّام، وجسمه يزداد ضعفاً، والآلام تشتدّ عليه، فيُغشى عليه ساعة بعد ساعة. - حالة الاحتضار، برواية النّوبختيّ: روى الشّيخ الطّوسيّ، بسنده عن إسماعيل النّوبختيّ، قال: دخلت على أبي محمّد الحسن بن عليّ عليهما السلام، في المرضة الّتي مات فيها ـ وأنا عنده ـ إذ قال لخادمه عقيد، وكان الخادم أسود نوبيّاً، قد خدم من قبله عليّ بن محمّد عليهما السلام، وهو ربيّ الحسن عليه السلام، فقال: يا عقيد اغلِ ماءً بمصطكى8 ، فأغلى له، ثمّ جاءت به صقيل الجارية، أمّ الخلف عليه السلام، فلمّا صار القدح في يديه، وهمّ بشربه، فجعلت يده ترتعد، حتّى ضرب القدح ثنايا الحسن عليه السلام، فتركه من يده، وقال لعقيد: ادخل البيت فإنّك ترى صبيّاً ساجداً، فأتني به. قال أبو سهل: قال عقيد: فدخلت أتحرّى؛ فإذا أنا بصبيّ ساجد، رافع سبّابته نحو السّماء، فسلّمت عليه، فأوجز في صلاته، فقلت: إنّ سيّدي يأمرك بالخروج إليه، إذ جاءت أُمّه صقيل، فأخذت بيده وأخرجته إلى أبيه الحسن عليه السلام. قال أبو سهل: فلمّا مثل الصّبيّ بين يديه، سلّم، وإذا هو دُريّ اللّون، فلمّا رآه الحسن عليه السلام، بكى، وقال: يا سيّد أهل بيته، اسقني الماء، فإنّي ذاهب إلى ربّي، وأخذ الصّبيّ القدح المغليّ بالمصطكى بيده، ثمّ حرّك شفتيه، ثمّ سقاه، فلمّا شربه، قال: هيّئوني للصّلاة، فطرح في حجره منديل، فوضّأه الصّبيّ واحدة واحدة، ومسح على رأسه وقدميه، فقال له أبو محمّد عليه السلام: أبشر يا بنيّ، فأنت صاحب الزّمان، وأنت المهديّ، وأنت حجّة الله على أرضه. أقول: سيّدي يا صاحب الزّمان، قدّمت ماءً لأبيك العسكريّ عليه السلام، سيّدي لكن جدّك الحسين عليه السلام، نادى يوم العاشر من محرّم: "يا قوم، اسقوني جرعة من الماء، فلقد تفتّت كبدي من شدّة العطش"، سيّدي لم يُبلّل شفتيه بقطرة ماء... سيّدي حرموه الماء وأجابوه: يا حُسين، لن تذوق الماء حتّى ترد الحامية، فتشرب من حميمها، قال: "أنا أرد الحامية؟! لا والله، بل أرد على جدّي رسول الله، فيسقيني بكأسه الأوفى شربة لا أظمأُ بعدها أبداً". نعم، كانت عنده زينب عليها السلام، ساعد الله قلب زينب عليها السلام، عَزَّ عليها أن تنظر إلى أخيها الحسين عليه السلام، عيناه غائرتان في أُمّ رأسه، شفتاه ذابلتان من العطش، لسانه كالخشبة اليابسة، يعزُّ على زينب أن تنظر إلى أخيها بتلك الحالة، تريد أن تُقدّم الماء إليه، ولكن من أين تأتيه بالماء؟ يا ناس درب المشرعَة امنين أنا عطشان اخَيّي يا مسلمين أنا بعيني لجيب الماي لحسين خوي أنا ما بعيني دَمع واسقيك يـا نور عيني اشْبيدي عليكْ خواتك تريد الجيّه ليكْ ساعة احتضار إمامنا العسكريّ عليه السلام، جلس ولده إمامنا صاحب الزّمان عجل الله تعالى فرجه الشريفعند رأسه، ولكن أسفي على غريب كربلاء، من الّذي أخذ برأسه؟ بقي رأسه على وسادة من التّراب، خدّه على وسادة من التّراب، خدّه الأيمن على وجه التّراب، وخدّه الأيسر تحت حرارة الشّمس! نعم، الّتي جاءت إليه، وجلست عند رأسه أخته زينب ولكن عزّ عليها أن تنظر إلى أخيها الحسين (سلام الله عليه) على وجه التّراب تحت أشعّة الشّمس. لنوحن وقــضّي العـمر بالنّوح واعمي عيوني واتلف الرّوح اشلون الصّبر وحـسين مذبوح وجسمه على التّربان مطروح خوي على فراقك لحرّم لذّة العيش عقب فقدك يا خوي حسين ما عيش يخويه واصواب كلمن مات بالرّيش وجـمرك بالقلب يا خوي يسعر بعد ذلك قام إمامنا، وصاحب زماننا عجل الله تعالى فرجه الشريف، بتجهيز أبيه، وصلّى على أبيه عليه السلام، عظّم الله لك الأجر، مولانا يا صاحب الزّمان، أنت الّذي صلّيت على جنازة أبيك عليه السلام، لكن من الّذي صلّى على جثمان جدّك الحسين عليه السلام؟ صَلَّتْ عَلَى جِسْمِ الحُسَيْنِ سُيُوفُهُمْ فَغَدَا لِسَاجِدَةِ الظُّبَا مِحْرَابَا وبمجرّد أن رُفعت الجنازة، هجموا على دار إمامنا العسكريّ عليه السلام، انتهبوا أمواله، وأخذوا جواريه! أقول: سيّدي يا صاحب الزّمان، هذه ليست المرّة الأولى، الّتي يُهجم فيها على داركم، نعم، قبل ذلك لمّا سقط إمامنا الحسين عليه السلام على رمضاء كربلا، هجموا على خيامه، وأحرقوها بالنَّار، وسلبوا عياله
هجمت بني أميّة على
خيام النّساوين هاي سلبوها وذيك لطموها على
العين
تَسْتَنْهِضُ العَبَّاسَ مِنْ آلامِها وتَقُولُ قُمْ واحْمِي الحِمَى بِالمِخْذَم هَذِي أُمَيَّةُ أَقْبَلَتْ بَخُيُولِها والنَّارُ تَحْمِلُهَا لِحَرْقِ مُخَيَّمِي
*مجالس
الأئمة المعصومين(ع)1 , سلسلة مجالس العترة, نشر: جمعية المعارف الإسلامية الثقافية
1- القصيدة للّشيخ
محمّد سعيد المنصوريّ
2- الإرشاد ص345. 3- البحار، ج50، ص312. 4- في المنجد: الطّيلسان: كساء أخضر يلبسه الخواص من المشايخ والعلماء. 5- في المنجد: هملج هملجةً البرزون (أي الدّابة): مشى مشية سهلة في سرعة. 6- ألقاب الرّسول وعترته، ص237. 7- إعلام الورى بأعلام الهدى، ص414. 8- المصطكى: شجر له ثمر يميل طعمه إلى المرارة. | |||
لإمام العسكري والتمهيد لإمامة المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف
بواسطة:أدمن
12:44 ص
إمامة الحسن العسكري عليه السلام وظروفها السياسية
تميزت فترة إمامة الحسن العسكري عليه السلام بالأهمية القصوى لأن مهمتها كانت التمهيد لإمامة الإمام المهديعجل الله تعالى فرجه الشريف والنص على إمامته وتعريف الشيعة به والتمهيد لغيبته وربط الوكلاء به والتنسيق لاستمرار الارتباط الصحيح به، بحيث لا تنهار كل الأواصر التي أوجدها الأئمة الأطهار مع شيعتهم، ولا يتفتت الكيان الذي أسسوه على مدى قرنين ونصف من النشاط المباشر في تربية أتباعهم وضرورة الانتقال بهم من الارتباط المباشر إلى الارتباط غير المباشر، مع المحافظة على استقلال الكيان الشيعي في الوسط غير الشيعي الذي يهدد وجودهم... كل هذه النقاط تشير إلى دقة وحراجة الظرف الذي كان يعيشه الإمام الحسن العسكري عليه السلام، حيث كان عليه أن يقوم بكل التمهيدات اللازمة خلال هذه الفترة القصيرة من مدة إمامته والتي لم تتجاوز الست سنوات، عاش خلالها الإمام عليه السلام ظروفاً حرجة لقيام العباسيين بمراقبة تحركات المعصومين عن كثب ومحاولتهم السيطرة على كل نشاطاتهم وهم يتوقعون كسائر المسلمين ولادة المهدي المنتظر من نسل الحسين بن علي عليهما السلام. من هنا ينبغي الوقوف بدقة على كل الإجراءات التي قام بها الإمام الهاديعليه السلام لإعلان وتثبيت إمامة ابنه الحسن العسكري عليه السلام خلال فترة إمامته التي دامت 34 سنة والتي رافقها مثلَ نجله محمد المعروف بالفضل وجلالة القدر، ووجود الأرضية للانشقاق داخل الخط الشيعي كما حدث ذلك في حياة الإمام الصادق عليه السلام بالنسبة لابنه إسماعيل. وقد عاصر الإمام العسكري عليه السلام أعواماً عصيبة من الخلافة العباسية مع سلاطين مستبدين توالوا على عرش الدولة منذ أن قدم سامراء مع أبيه الإمام الهادي عليه السلام أيام المتوكل عام (243هـ). وأهم ظواهر هذا العصر، النفوذُ الذي تمتع به الأتراك الذين غلبوا الخلفاء في سلب زمام إدارة الدولة، وما اتصفوا به من سلوك شائن في التعامل مع الأهالي، وقد اضطر سابقاً المعتصم لنقل عاصمة الخلافة من بغداد إلى سامراء بسبب سلوك الأتراك السيئ وشكاية أهالي بغداد منهم، فضلاً عن قدرة الأتراك التي تمثلت في خلع وتعيين الخلفاء1. ويمكن إجمال أهم مظاهر الحياة السياسية لذلك العصر الذي عاشه الإمام العسكري عليه السلام بما يلي: 1- تدهور الوضع السياسي للدولة العباسية حيث تم استيلاء الموالي والذين كان أغلبهم من الأتراك، وسيطرتهم على مقاليد السلطة في العاصمة والأمصار. 2- اللهو والمجون وحياة الترف التي كان يحياها الخليفة وأتباعه. 3- حوادث الشغب والفتن التي حدثت في بغداد. 4- الحركات الانفصالية في أطراف الدولة والتي يعود سببها إلى ضعف سلطان الخليفة، وكثرة حوادث الخروج على الدولة. وقد أطلق المؤرخون على هذا العصر عصر ( إمرة الأمراء)2، ثم عصر الدول المستقلة كما هو الحال بالنسبة لإمارة الحمدانيين والبويهيين والدولة الصفارية (254هـ) والدولة السامانية (261 - 389هـ) وغيرها.. مما أدى إلى تفكك وسقوط الدولة العباسية سنة (656هـ). الإمام العسكري عليه السلام وحكام عصره عاصر الإمام العسكري عليه السلام ثلاثة من خلفاء الدولة العباسية هم: المعتز - المهتدي - المعتمد. أما المعتز فقد كان مسلوب السلطة ضعيف الإرادة أمام الأتراك، ويتضح ذلك مما رواه ابن طباطبا حيث قال: "ولما جلس المعتز على سرير الخلافة حضر خواصه وأحضروا المنجمين وقالوا لهم: انظروا كم يعيش وكم يبقى في الخلافة، وكان بالمجلس بعض الظرفاء فقال: أنا أَعرف من هؤلاء بمقدار عمره وخلافته، فقالوا: فكم تقول إنه يعيش وكم يملك؟ قال: مهما أراد الأتراك. فلم يبق أحد إلا ضحك"3. والمعتز هو قاتل الإمام الهادي عليه السلام. وكانت سياسته امتداداً لسياسة المتوكل في محاربة أئمة أهل البيت عليهم السلام والشيعة. وقد خلعه الأتراك عن الحكم وقتلوه لأنه منعهم أرزاقهم. أما المهتدي العباسي، فقد ولي الخلافة بعد مقتل أخيه المعتز سنة (255هـ)، وتصنع الزهد والتقشف محتذياً سيرة عمر بن عبد العزيز، في محاولة منه لإغراء الناس وتغيير انطباعهم عن الخلفاء العباسيين، ولإبعاد الأنظار عما تحلى به بنو هاشم وفي مقدمتهم الإمام الحسن العسكري عليه السلام، الذي عُرف بتقواه وورعه ومواساته للأمة في ظروفها القاسية. والشاهد على ذلك أن الظروف المحيطة بالإمام العسكري عليه السلام وأصحابه في عهد المهتدي لم تكن أحسن مما كانت عليه من الشدة والنفي والتهجير والقتل إبان عهدَي المعتز والمتوكل ومن سبقهما من خلفاء الدولة العباسية. ثم عاصر الإمامعليه السلام المعتمد العباسي، الذي انهمك في اللهو والملذات واشتغل عن الرعية فكرهه الناس بشدة. وكان المعتمد ضعيفاً قد وقع أيضاً تحت تأثير الأتراك وفي عصره وقعت أحداث مهمة، منها: 1- ثورة الزنج: بدأت في البصرة وامتدت إلى الأهواز وعبادان وغيرهما، وصحبها قتل ونهب، وسلب، وإحراق مما أدى إلى اضطراب الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية. وتمكنت السلطة من القضاء على الثورة بعد أن كلفها ذلك الكثير من الأموال والجند. وقد ادعى صاحب الزنج علي بن محمد أنه ينتسب إلى الإمام علي عليه السلام، ولكن الإمام العسكري عليه السلام كذب هذا الادعاء، وقال: "صاحب الزنج ليس منا أهل البيت"4. 2- حركة ابن الصوفي العلوي: وقد ظهر في صعيد مصر إبراهيم بن محمد من ولد عمر بن علي بن أبي طالب، ويعرف بابن الصوفي. وجرت معارك بينه وبين جيش الدولة بقيادة ابن طولون اقتتلوا فيها قتالاً شديداً فقتل من رجال ابن الصوفي الكثير وانهزم، ثم كانت وقعة أخرى مع جنده عام (259هـ) وانهزم ابن الصوفي أيضاً إلى المدينة وأُلقي القبض عليه وأُرسل إلى ابن طولون في مصر5. 3- ثورة علي بن زيد في الكوفة: كانت حركته في الكوفة سنة (256هـ) واستولى عليها وأزال عنها نائب الخليفة، واستقر بها. وسير إليه المعتمد الشاه بن مكيال في جيش كثيف فالتقوا واقتتلوا وانهزم الشاه وقتل جماعة كثيرة من أصحابه ثم وجه المعتمد كيجور التركي لمحاربته. وقد أرسل كيجور إلى علي بن زيد يدعوه إلى الطاعة وبذل له الأمان وطلب علي بن زيد أموراً لم يجبه كيجور إليها، فخرج علي بن زيد من الكوفة وعسكر في القادسية فبلغ خبره كيجور فاشتبكا وانهزم علي بن زيد وقُتل جماعة من أصحابه6. إلى غير ذلك من الأحداث المهمة التي وقعت آنذاك. وسار المعتمد على نهج أسلافه وسعى بمحاولات عديدة للتخلص من الإمام العسكري عليه السلام، ومنها لما أمر يحيى بن قتيبة الذي كان يُضيق على الإمام عليه السلام برميه عليه السلام للسباع ظناً منه أنها سوف تقتله، إلا أن يحيى أتاه بعد ثلاث ساعات فوجده يصلي، والأسود حوله7. التمهيد لإمامة الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف عمل الإمام العسكري عليه السلام على التمهيد لإمامة ولده الإمام المهديعجل الله تعالى فرجه الشريف عبر عدة أساليب منها: أ - كتمان ولادة الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف لقد كتم الإمام العسكري عليه السلام ولادة الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف خوفاً عليه من السلطة التي كانت تنتظر ولادته وهي تعلم أن المهدي المنتظر هو ابن الحسن العسكري عليه السلام، وأنه المدخر للقضاء على الظلم وإنهاء دور الاستبداد في الحياة وإقامة العدل والانتصار للمستضعفين. وكان الإمام العسكري عليه السلام، قد أمر خاصة شيعته كأحمد بن إسحاق وغيره، حينما بشرهم بولادته عليه السلام أن يكتموا أمره ويستروا ولادته عن الآخرين، فقال عليه السلام: "ولد لنا مولود فليكن عندك مستوراً وعن جميع الناس مكتوماً"8. كما أن الإمام الحسن العسكري عليه السلام قبيل ولادته قد بعث إلى "حكيمة" عمته بنت الإمام الجوادعليه السلام ليلة النصف من شعبان وقال لها: "يا عمة اجعلي إفطارك عندي، فإن الله عز وجل سيسرك بوليه وحجته على خلقه، خليفتي من بعدي". قالت حكيمة: فتداخلني لذلك سرور شديد، وأخذت ثيابي علي، وخرجت من ساعتي حتى انتهيت إلى أبي محمدعليه السلام وهو جالس في صحن الدار وجواريه حوله، فقلتُ: جُعلت فداك يا سيدي، الخَلَفُ ممن هو؟ قال: "من سوسن". فأدرت طرفي فيهن فلم أرَ جارية عليها أثر، غير سوسن9. فنرى الإمام العسكري عليه السلام مع ما اتخذه من إجراءات احتياطية حول ولادة الإمام وأمره لمن اطلع على ولادته المباركة، أن يكتم ما شاهد، أنهعليه السلام كان يبشر شيعته بولده المبارك وخليفته، ولكن ذلك كان في دائرة الجماعة الخلص من شيعته ومواليه الذين يؤتمنون على مثل هذا الأمر. ب - إخبار خواص الشيعة بولادة الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف وعرضه عليهم وممن رأى الإمام الحجة المنتظر بعد ثلاثة أيام من ولادته من خواص الإمام العسكري عليه السلام علي بن بلال، ومحمد بن معاوية بن حكيم، والحسن بن أيوب بن نوح وغيرهم، وقد قال لهم الإمام العسكري عليه السلام - بعد أن عرضه عليهم: "هذا صاحبكم من بعدي وخليفتي عليكم، وهو القائم الذي تمتد إليه الأعناق بالانتظار، فإذا امتلأت الأرض جوراً وظلماً خرج فملأها قسطاً وعدلاً"10. وقد سأل أحمد بن إسحاق الإمام العسكري عليه السلام قائلاً: يا مولاي فهل من علامة يطمئن إليها قلبي؟ فنطق الغلام بلسان عربي فصيح فقال: "أنا بقية الله في أرضه والمنتقم من أعدائه فلا تطلب أثراً بعد عين يا أحمد بن إسحاق"، فقال أحمد بن إسحاق: فخرجت مسروراً فرحاً....11 ج - النص على إمامة المهديعليه السلام وغيبته والإشهاد على ذلك قدم وفد من أربعين شخصاً من الموالين لآل البيت عليهم السلامإلى سامراء وحضروا في بيت الإمام العسكري عليه السلام ليسألوه عن الحجة من بعده، وفي مجلسه أربعون رجلاً، فقام إليه عثمان بن سعيد بن عمرو العمري فقال: يا بن رسول الله أريد أن أسألك عن أمرٍ أنت أعلم به مني، فقالعليه السلام: "اجلس يا عثمان" وقام مغضباً ليخرج، فقال عليه السلام: "لا يخرجن أحد - فلم يخرج أحد- إلى أن كان بعد ساعة، فصاحعليه السلام بعثمان فقام على قدميه، فقال عليه السلام: "أخبركم بما جئتم؟". قالوا: نعم يا بن رسول الله، قال: "جئتم تسألونني عن الحجة من بعدي". قالوا: نعم، فإذا بالإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف كأنه قطعة قمر أشبه الناس بأبي محمدعليه السلام فقال الإمام الإمام العسكري عليه السلام: "هذا إمامكم من بعدي وخليفتي عليكم أطيعوه. ولا تتفرقوا من بعدي فتهلكوا في أديانكم، ألا وإنكم لا ترونه من بعد يومكم هذا حتى يتم له عمر، فاقبلوا من عثمان ما يقوله، وانتهوا إلى أمره واقبلوا قوله، فهو خليفة إمامكم والأمر إليه"12. وقد اشتمل هذا النص - بعد التعريف بالإمام المهديعجل الله تعالى فرجه الشريف - على الإشارة إلى وكالة عثمان بن سعيد العمري، لأنهم لا يرون الإمام المنتظرعجل الله تعالى فرجه الشريف بعد رؤيتهم هذه، كما تضمن النص على إمامته وأنه الخلف والحجة بعد الإمام العسكري عليه السلام. ولم يترك الإمام العسكري عليه السلام فرصة إلا واستغلها للنص على إمامة ولده، والتعريف بأمره وبغيبته، بعد أن أسس لنظام الوكالة والنيابة عن الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف. الخلاصة - إمامة الإمام العسكري عليه السلام كانت التمهيد الأساس لولادة وإمامة الإمام المهديعجل الله تعالى فرجه الشريف. - قام الإمام العسكري عليه السلام بتعريف الشيعة بالإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف، وغيبته، وربط الوكلاء به. - عاصر الإمام عليه السلام أعواماً عصيبة من الخلافة العباسية مع سلاطين مستبدين، تولوا حكم الدولة منذ أن قدِم إلى سامراء مع أبيه الهادي عليه السلام. - من مميزات عصر الإمام عليه السلام استيلاء الأتراك على الحكم وتدهور الوضع السياسي للدولة العباسية، وسيطرة حياة اللهو والترف، وكثرة حوادث الشغب والفتن، والحركات الانفصالية. - حصلت في عهد الإمام عليه السلام ثورات عديدة منها: ثورة الزنج، وحركة ابن الصوفي العلوي، وثورة علي بن زيد في الكوفة. - قام الإمام عليه السلام بإجراءات متعددة للتمهيد لإمامة المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف منها: 1- كتمان ولادة الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف. 2- إخبار خواص الشيعة بولادة الإمام عجل الله تعالى فرجه الشريف وعرضه عليهم. 3- النص على إمامته عجل الله تعالى فرجه الشريف وغيبته والإشهاد على ذلك. * بحوث في الحياة السياسية لأهل البيت عليهم السلام، سلسلة المعارف الإسلامية، نشر: جمعية المعارف الإسلامية الثقافية
1- الكامل في التاريخ،
م.س: 4/301.
2- تأريخ الإسلام السياسي، د. حسن إبراهيم: 3/26 وما بعدها. 3- الفخري في الآداب السلطانية، ابن طباطبا:221. 4- كشف الغمة، م.س: 2/424. 5- الكامل في التاريخ، م.س: 4/432 ـ 433. 6- م.ن: 4/447. 7- المناقب، م.س: 3/530. 8- كمال الدين، م.س: 2/434. 9- الغيبة، للشيخ محمد بن الحسن الطوسي، 241. منشورات مؤسسة المعارف الإسلامية، إيران قم، ط1، 1411هـ. 10- كمال الدين، م. س: 2/308. 11- م.ن: 2/431. 12- الغيبة، الطوسي، م.س: 217. | |
الإمام الحسن بن علي العسكري عليه السلام
بواسطة:أدمن
12:40 ص
الولادة: ولد في المدينة في الثامن من ربيع الاخر سنة 232 وهو القول المشهور
في ولادته1.
الشهادة: استشهد يوم الجمعة الثامن من ربيع الأول سنة 260 وعمره 28 عاماً. مدة الإمامة: بقي بعد أبيه نحو ست سنين وهي مدة إمامته 260 254ه. ألقابه: التقي، المرضي، النقي، الرفيق، الزكي، الصامت، الهادي، السراج، العسكري2، الخالص. كنيته: أبو محمد. نقش خاتمه: (سبحان من له مقاليد السموات والأرض)، (أنا للّه شهيد)، وقيل: (أنا اللّه شهيد). مدفنه: دفن مع أبيه الهادي في سامراء.
*محطات من
سيرة اهل البيت، سلسلة الدروس الثقافية ، نشر: جمعية المعارف الإسلامية الثقافية
1- قال الحر العاملي
في منظومته: مولده شهر ربيع الاخر وذاك في اليوم العاشر في يوم الاثنين وقيل الرابع
وقيل الثامن وهو الشائع(الأنوار البهية، ص250).
2- قال الشيخ الصدوق (رض) : سمعت مشايخنا رضي اللَّه عنهم يقولون: إن المحلة التي يسكنها الإمامان علي بن محمد والحسن بن علي عليهما السلام بسر من رأى كانت تسمى العسكر، فلذلك قيل لكل واحد منهما العسكري: علل الشرائع، ج1، ص230. | |
الخميس، 3 ديسمبر 2015
حقوق النبي صلّى الله عليه وآله
بواسطة:أدمن
9:41 ص
كان نبينا الأعظم محمد صلى اللّه عليه وآله، المثل الأعلى في سائر نواحي
الكمال، اصطفاه اللّه من الخلق واختاره من العباد، وحباه بأرفع الخصائص
والمواهب التي حبا بها الأنبياء عليهم السلام، وجمع فيه ما تفرق فيهم من
صنوف العظمات والأمجاد ما جعله سيدهم وخاتمهم. وناهيك في عظمته أنه استطاع
بجهوده الجبارة ومبادئه الخالدة، أن يحقق في أقل من ربع قرن من الانتصارات
الروحية والمكاسب الدينية، ما لم يستطع تحقيقه سائر الأنبياء والشرائع في
أكثر من قرون.
جاء بأكمل الشرائع الالهية، وأشدها ملائمة لأطوار الحياة، وأكثرها تكفلاً بإسعاد الانسان مادياً وروحياً، ديناً ودنياً، فأخرج الناس من ظلمة الكفر الى نور الاسلام، ومن شقاء الجاهلية الى السعادة الأبدية. وجعل أمته أكمل الأمم ديناً، وأوفرهم علماً، واسماهم أدباً وأخلاقاً، وأرفعهم حضارة ومجداً. وقد عانى في سبيل ذلك من ضروب الشدائد والأهوال، ما لم يعانه أي نبي. من أجل ذلك، فان القلم عاجز عن تعداد أياديه، وحصر حقوقه على المسلمين سيما في هذا المقال الوجيز. وهي، بعد الايمان بنبوته، وتصديقه فيما جاء به من عند اللّه عز وجل، والاعتقاد بأنه سيد الرسل، وخاتم الأنبياء 1- طاعته: وطاعة النبي فرض محتم على الناس، كطاعة اللّه تعالى، إذ هو سفيره الى العباد، وأمينه على الوحي، ومنار هدايته الوضاء. وواقع الطاعة هو: اتباع شرعته، وتطبيق مبادئه الخالدة، التي ما سعد المسلمون ونالوا آمالهم وأمانيهم، الا بالتمسك بها والحفاظ عليها. وما تخلفوا واستكانوا الا باغفالها والانحراف عنها. أنظر كيف يحرض القرآن الكريم على طاعة النبي صلى اللّه عليه وآله، ويحذر مغبة عصيانه ومخالفته، حيث قال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾(الحشر:7). وقال تعالى: ﴿َمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا﴾(الأحزاب: 36). وقال سبحانه: ﴿وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ. وَمَن يَعْصِ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾(النساء:13-14). وقال عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ فِي الأَذَلِّينَ. كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾(المجادلة:20-21). 2- محبته: تختلف دواعي الحب والإعجاب باختلاف نزعات المحبين وميولهم، فمن الناس من يحب الجمال ويقدسه، ومنهم من يحب البطولة والأبطال ويمجدهم، ومنهم من يحب الاريحية ويشيد بأربابها. وقد اجتمع في النبي الأعظم صلى اللّه عليه وآله كل ما يفرض المحبة ويدعو الى الاعجاب، حيث كان نموذجاً فذاً، ونمطاً فريداً بين الناس. لخص اللّه فيه آيات الجمال والكمال، وأودع فيه أسرار الجاذبية، فلايملك المرء أزائه الا الحب والاجلال، وهذا ما تشهد به شخصيته المثالية، وتأريخه المجيد. قال أمير المؤمنين عليه السلام وهو يصف شمائل رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله: "كان نبي اللّه أبيض اللون، مشرباً حمرة، أدعج العين، سبط الشعر، كث اللحية، ذا وفرة، دقيق المسربة، كأنما عنقه ابريق فضة يجري في تراقيه الذهب، له شعر من لبته الى سرته كقضيب خيط، وليس في بطنه ولا صدره شعر غيره، شثن الكفين والقدمين، اذا مشى كأنه ينقلع من صخر، اذا أقبل كأنما ينحدر من صب، اذا التفت التفت جميعاً بأجمعه، ليس بالقصير ولا بالطويل، كأنما عرقه في وجهه اللؤلؤ، عرقه أطيب من المسك"1. وقال عليه السلام وهو يصف أخلاق الرسول صلى اللّه عليه وآله: "كان أجود الناس كفاً، وأجرأ الناس صدراً، وأصدق الناس لهجة، وأوفاهم ذمة، وألينهم عريكة، وأكرمهم عشرة، من رآه بديهة هابه، ومن خالطه فعرفه أحبه، لم أر مثله قبله ولا بعده"2. ولأجل تلك الشمائل والمآثر، أحبه الناس على اختلاف ميولهم في الحب: أحبه الأبطال لبطولته الفذة التي لا يجاريه فيها بطل مغوار، وأحبه الكرام اذ كان المثل الأعلى في الأريحية والسخاء، وأحبه العباد لتولهه في العبادة وفنائه في ذات اللّه، وأحبه أصحابه المخلصون لمثاليته الفذة في الخَلق والخُلق. قال أمير المؤمنين عليه السلام: "جاء رجل من الانصار الى النبي صلى اللّه عليه وآله، فقال: يا رسول اللّه ما استطيع فراقك، واني لأدخل منزلي فأذكرك، فأترك ضيعتي وأقبل حتى أنظر اليك حباً لك، فذكرت اذا كان يوم القيامة، وأدخلتَ الجنة، فرفعت في أعلى عليين، فكيف لي بك يا نبي اللّه؟، فنزل: ﴿َمَن يُطِعِ اللّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾(النساء:69)، فدعا النبي صلى اللّه عليه وآله الرجلَ فقرأها عليه وبشره بذلك"3. وقال أنس: جاء رجل من أهل البادية، وكان يعجبنا ان يأتي الرجل من أهل البادية يسأل النبي صلى اللّه عليه وآله، فقال: يا رسول اللّه متى قيام الساعة؟ فحضرت الصلاة، فلما قضى صلاته، قال: أين السائل عن الساعة؟ قال: أنا يا رسول اللّه. قال: فما أعددتَ لها؟ قال: واللّه ما أعددت لها من كثير عمل صلاة ولا صوم، الا اني أحب اللّه ورسوله. فقال له النبي صلى اللّه عليه وآله: المرء من أحب. قال أنس: فما رأيت المسلمين فرحوا بعد الاسلام بشيء أشد من فرحهم بهذا4. وعن أبي عبد اللّه عليه السلام، قال: كان رجل يبيع الزيت، وكان يحب رسول اللّه صلي اللّه عليه وآله حباً شديداً، كان اذا أراد أن يذهب في حاجة لم يمض حتى ينظر الى رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله، قد عرف ذلك منه، فاذا جاء تطاول له حتى ينظر اليه. حتى اذا كان ذات يوم، دخل فتطاول له رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله حتى نظر اليه ثم مضى في حاجته، فلم يكن بأسرع من أن رجع، فلما رآه رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله قد فعل ذلك، أشار اليه بيده إجلس، فجلس بين يديه، فقال: مالك فعلت اليوم شيئاً لم تكن تفعله قبل؟ فقال: يا رسول اللّه، والذي بعثك بالحق نبياً، لغشى قلبي شيء من ذكرك حتى ما استطعت ان أمضي في حاجتي، رجعت اليك. فدعا له وقال له خيراً. ثم مكث رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله أياماً لا يراه، فلما فقده سأل عنه، فقيل له: يا رسول اللّه ما رأيناه منذ أيام. فانتعل رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وانتعل معه أصحابه، فانطلق حتى أتى سوق الزيت، فاذا دكان الرجل ليس فيه أحد، فسأل عنه جيرته، فقالوا: يا رسول اللّه، مات... ولقد كان عندنا أميناً صدوقاً، الا انه قد كان فيه خصلة، قال: وما هي؟ قالوا: كان يزهق (يعنون، يتبع النساء). فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله: لقد كان يحبني حباً، لو كان بخاساً لغفر اللّه له5. 3- الصلاة عليه: قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾(الأحزاب: 56). درج الناس على إجلال العظماء وتوقيرهم بما يستحقونه من صور الاجلال والتوقير، تكريماً لهم وتقديراً لجهودهم ومساعيهم في سبيل أممهم. ومن هنا كان السلام الجمهوري والتحية العسكرية فرضاً على الجنود، تبجيلاً لقادتهم وإظهاراً لاخلاصهم لهم. فلا غرابة أن يكون من حقوق النبي صلى اللّه عليه وآله على أمته وهو سيد الخلق وأشرفهم جميعاً تعظيمه والصلاة عليه، عند ذكر اسمه المبارك أو سماعه، وغيرهما من مواطن الدعاء. وقد أعربت الآية الكريمة عن بالغ تكريم اللّه تعالى وملائكته للنبي صلى اللّه عليه وآله "ان اللّه وملائكته يصلون على النبي"، ثم وجهت الخطاب الى المؤمنين بضرورة تعظيمه والصلاة والسلام عليه "يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما". وجاءت نصوص اهل البيت عليهم السلام توضح خصائص ورغبات الصلاة عليه، بأسلوب شيق جذاب. فمن ذلك ما جاء عن ابن أبي حمزة عن أبيه، قال: سألت أبا عبد اللّه عليه السلام عن قول اللّه عز وجل "إن اللّه وملائكته يصلون على النبي، يا أيها الذين امنوا صلوا عليه وسلموا تسليما". فقال: الصلاة من اللّه عز وجل رحمة، ومن الملائكة تزكية، ومن الناس دعاء. وأما قوله عز وجل "وسلموا تسليما"، فانه يعني بالتسليم له فيما ورد عنه. قال: فقلت له: فكيف نصلي على محمد وآله؟ قال: تقولون "صلوات اللّه وصلوات ملائكته وأنبيائه ورسله وجميع خلقه على محمد وآل محمد، والسلام عليه وعليهم ورحمة اللّه وبركاته". قال: فقلت فما ثواب من صلى على النبي وآله بهذه الصلاة؟ قال: الخروج من الذنوب، واللّه، كهيئة يوم ولدته أمه6. وقال الصادق عليه السلام: من صلى على محمد وآل محمد عشراً صلى اللّه عليه وملائكته مائة مرة، ومن صلى على محمد وآل محمد مائة صلى اللّه عليه وملائكته ألفاً، أما تسمع قول اللّه تعالى ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾(الأحزاب:43)7. وقال الصادق عليه السلام: كل دعاء يدعى اللّه تعالى به، محجوب عن السماء حتى يصلى على محمد وآل محمد8. وعن احدهما عليهما السلام قال: ما في الميزان شيء أثقل من الصلاة على محمد وآل محمد، وإن الرجل ليوضع أعماله في الميزان فيميل به، فيخرج صلى اللّه عليه وآله "الصلاة عليه" فيضعها في ميزانه، فيرجح به9. وقال الرضا عليه السلام: من لم يقدر على ما يكفّر به ذنوبه، فليكثر من الصلاة على محمد وآله، فانها تهدم الذنوب هدما10. وجاء في الصواعق (ص87)، قال: ويروى "لا تصلوا عليَّ الصلاة البتراء. فقالوا: وما الصلاة البتراء؟ قال: تقولون اللهم صل على محمد وتمسكون. بل قولوا: اللهم صل على محمد وآل محمد"11. مودة أهل بيته الطاهرين: الذين فرض اللّه مودتهم في كتابه، وجعلها أجر الرسالة، وحقاً مفروضاً من حقوق النبي صلى اللّه عليه وآله، فقال تعالى: ﴿قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾(الشورى:23). وقد اتصف اهل البيت عليهم السلام بجميع دواعي الاعجاب والاكبار، وبواعث الحب والولاء، كما وصفهم الشاعر: من معشر حبهم دين وبغضهم*** كفر وقربهم منجى ومعتصم إن عدّ أهل التقى كانوا أئمتهم*** أو قيل من خير أهل الأرض قيل هم نعم هم صفوة الخلق، وحجج العباد، وسفن النجاة، وخير من أقلته الأرض وأظلّته السماء بعد جدهم الأعظم صلى اللّه عليه وآله حسباً ونسباً وفضائل وأمجاداً. وكيف يرتضي الوجدان السليم محبة النبي صلى اللّه عليه وآله دون أهل بيته الطاهرين، الجديرين بأصدق مفاهيم الحب والود، إنها ولاريب محبة زائفة تنمّ عن نفاق ولؤم، كما جاء عن عبد اللّه بن مسعود قال: كنا مع النبي صلى اللّه عليه وآله في بعض أسفاره، إذ هتف بنا أعرابي بصوت جمهور، فقال: يا محمد. فقال له النبي صلى اللّه عليه وآله: ما تشاء؟ فقال: المرء يحب القوم ولا يعمل بأعمالهم. فقال النبي صلى اللّه عليه وآله: المرء مع من أحب. فقال: يا محمد، اعرض عليَّ الاسلام. فقال: إشهد ان لا إله الا اللّه، واني رسول اللّه، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم شهر رمضان، وتحج البيت. فقال: يا محمد، تأخذ على هذا أجرأ؟ فقال: لا، إلا المودة في القربى. قال: قرباي أو قرباك؟ فقال: بل قرباي. قال: هلمّ يدك حتى أبايعك، لا خير فيمن يودّك ولا يودّ قرباك12. وقد أجمع الامامية أنّ المراد بالقربى في الآية الكريمة، هم الأئمة الطاهرون من أهل البيت عليهم السلام، ووافقهم على ذلك ثلة من أعلام غيرهم من المفسرين والمحدثين، كأحمد بن حنبل، والطبراني، والحاكم عن ابن عباس. كما نص عليه ابن حجر، في الفصل الأول من الباب الحادي عشر من صواعقه، قال: لما نزلت هذه الآية قالوا: يا رسول اللّه من قرابتك هؤلاء الذين وجبت علينا مودتهم؟ قال صلى اللّه عليه وآله: علي وفاطمة وابناهما13. انظر، كيف يحرض النبي صلى اللّه عليه وآله امته على مودة قرباه وأهل بيته، كما يحدثنا به رواة الفريقين: فمما ورد من طرقنا: عن الصادق عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله: من أحبنا أهل البيت فليحمد اللّه على أول النعم. قيل: وما أول النعم؟ قال: طيب الولادة، ولا يحبنا إلا من طابت ولادته14. وعن أبي جعفر الباقر عن ابيه عن جده عليهم السلام قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله: حبي وحب أهل بيتي نافع في سبعة مواطن، أهوالهن عظيمة: عند الوفاة، وفي القبر، وعند النشور، وعند الكتاب، وعند الحساب، وعند الميزان، وعند الصراط15. وعن ابي جعفر عليه السلام قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله: لو أن عبداً عبد اللّه الف عام، ثم يذبح كما يذخ الكبش، ثم أتى اللّه ببغضنا أهل البيت، لرد اللّه عليه عمله16. وعن الباقر عليه السلام عن النبي صلى اللّه عليه وآله قال: لا تزول قدم عبدٍ يوم القيامة من بين يدي اللّه، حتى يسأله عن أربع خصال: عمرك فيما أفنيته، وجسدك فيما أبليته، ومالك من أين اكتسبته وأين وضعته، وعن حبنا أهل البيت17. وعن الحكم بن عتيبة، قال: بينا أنا مع أبي جعفر عليه السلام، والبيت غاص بأهله، إذ أقبل شيخ يتوكأ على عنزة له، حتى وقف على باب البيت فقال: السلام عليك يابن رسول اللّه ورحمة اللّه وبركاته، ثم سكت. فقال ابو جعفر: وعليك السلام ورحمة اللّه وبركاته. ثم أقبل الشيخ بوجهه على أهل البيت وقال: السلام عليكم، ثم سكت، حتى أجابه القوم جميعاً وردّوا عليه السلام. ثم أقبل بوجهه على ابي جعفر عليه السلام، ثم قال: يابن رسول اللّه أدنني منك، جعلني اللّه فداك، فواللّه اني لأحبكم وأحب من يحبكم، وواللّه ما أحبكم وما أحب من يحبكم لطمع في دنيا. واني لأبغض عدوكم وأبرأ منه، وواللّه ما ابغضه وأبرأ منه لوترٍ كان بيني وبينه. واللّه اني لأحلّ حلالكم، وأحرم حرامكم، وأنتظر أمركم. فهل ترجو لي، جعلني اللّه فداك؟! فقال ابوجعفر عليه السلام: اليّ... اليّ، حتى أقعده الى جنبه. ثم قال: أيها الشيخ، إن ابي علي بن الحسين عليه السلام، أتاه رجل فسأله عن مثل الذي سألتني عنه، فقال له أبي: إن تمت ترِد على رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وعلي والحسن والحسين وعلي بن الحسين عليهم السلام، ويثلج قلبك، ويبرد فؤادك، وتقر عينيك، وتستقبل بالرَّوح والريحان مع الكرام الكاتبين لو قد بلغت نفسك هاهنا وأهوى بيده الى حلقه وان تعش تر ما يقر اللّه به عينك، وتكون معنا في السنام الأعلى الخ. ومما جاء من طرق إخواننا: وأخرج ابن حنبل والترمذي، كما في الصواعق ص 91: انه صلى اللّه عليه وآله أخذ بيد الحسنين وقال: من أحبني وأحب هذين وأباهما وأمهما كان معي في درجتي يوم القيامة19. وأخرج الثعلبي في تفسيره الكبير، قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله: ألا من مات على حب آل محمد مات شهيداً، ألا ومن مات على حب آل محمد مات مغفوراً له، الا ومن مات على حب آل محمد مات تائباً، ألا ومن مات على حب آل محمد مات مؤمناً مستكمل الايمان، ألا ومن مات على حب آل محمد بشره ملك الموت بالجنة ثم منكر ونكير، ألا ومات على حب آل محمد يزف الى الجنة كما تزف العروس الى بيت زوجها، ألا ومن مات على حب آل محمد فتح له في قبره بابان الى الجنة، ألا ومن مات على حب آل محمد جعل اللّه قبره مزار ملائكة الرحمة، ألا ومن مات على حب آل محمد مات على السنة والجماعة. ألا ومن مات على بغض آل محمد جاء يوم القيامة مكتوباً بين عينيه آيس من رحمة اللّه الحديث20. وأورد ابن حجر ص 103 من صواعقه حديثاً، هذا نصه: إن النبي خرج على أصحابه ذات يوم، ووجهه مشرق كدائرة القمر. فسأله عبد الرحمن بن عوف عن ذلك، فقال صلى الّله عليه وآله: بشارة اتتني من ربي في اخي وابن عمي وابنتي، بأن زوّج علياً من فاطمة، وأمر رضوان خازن الجنان فهزّ شجرة طوبى، فحملت رقاقاً (يعني صكاكاً) بعدد محبي أهل بيتي، وأنشأ تحتها ملائكة من نور، دفع الى كل ملك صكاً، فاذا استوت القيامة بأهلها نادت الملائكة في الخلائق، فلا يبقى محب لأهل البيت الا دفعت اليه صكاً فيه فكاكه من النار، فصار أخي وابن عمي وابنتي فكاك رقاب رجال ونساء من امتي من النار21. وجاء في مستدرك الصحيحين ج 3، 127، عن ابن عباس قال: نظر النبي صلى اللّه عليه وآله الى علي عليه السلام فقال: ياعلي، أنت سيد في الدنيا وسيد في الآخرة، حبيبك حبيبي، وحبيبي حبيب اللّه، وعدوك عدوي، وعدوي عدو اللّه، والويل لمن أبغضك بعدي22. وأخرج الحافظ الطبري، في كتاب الولاية، باسناده عن علي عليه السلام انه قال: لا يحبني ثلاثه: ولد زنا، ومنافق، ورجل حملت به أمه في بعض حيضها23. وأخرج الطبراني في الأوسط، والسيوطي في إحياء الميت، وابن حجر في صواعقه في باب الحث على حبهم: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله: إلزموا مودتنا أهل البيت، فانه من لقي اللّه وهو يودّنا دخل الجنة بشفاعتنا، والذي نفسي بيده لا ينفع عبداً عمله إلا بمعرفة حقنا24 الى كثير من النصوص التي يطول عرضها في هذا المختصر. ولا ريب أن المراد بأهل البيت عليهم السلام، هم الأئمة الاثنا عشر المعصومون صلوات اللّه عليهم، دون سواهم، لأن هذه الخصائص الجليلة، والمزايا الفذة، لا يستحقها إلا حجج اللّه تعالى على العباد، وخلفاء رسوله الميامين. 1- البحار م 6 في أوصاف خلقه وشمائله. 2- سفينة البحار م 2 ص 414. 3- البحار م 6 في باب وجوب طاعته وحبه. 4- البحار م 6، باب وجوب طاعته وحبه، عن علل الشرائع. 5- الوافي ج 3، ص 143-144. الزهق: غشيان المحارم. والبخس: النقص في المكيال والميزان. 6- البحار م 19، ص 78، عن معاني الأخبار للصدوق رضوان الله عليه. 7- الوافي ج 5، ص 228، عن الكافي. 8- الوافي ج 5، ص 227، عن الكافي. 9- الوافي ج 5، ص 228، عن الكافي. 10- البحار م 19، ص76، عن عيون اخبار الرضا وامالي الشيخ الصدوق رضوان الله عليه. 11- فضائل الخمسة، من الصحاح الستة. 12- البحار م 7، ص 389، عن مجالس الشيخ المفيد رضوان الله عليه. 13- انظر الكلمة الغراء في تفضيل الزهراء، للامام شرف الدين رضوان الله عليه ص 18. 14- البحار م 7، ص 389، عن علل الشرائع ومعاني الأخبار وامالي الصدوق رضوان الله عليه. 15- البحار م 7، ص 391، عن الخصال. 16- البحار م 7، ص 397، عن محاسن البرقي. 17- البحار م 7، ص 389، عن مجالس الشيخ المفيد. 18- الوافي ج 3، ص 139، عن الكافي. 19- الفصول المهمة للامام شرف الدين، ص 41. 20- الفصول المهمة للامام شرف الدين، ص 42. 21- الفصول المهمة، للامام شرف الدين، ص 43. 22- فضائل الخمسة، من الصحاح الستة ج 1 ، ص 200. 23- الغدير ج 4، ص 322. 24- المراجعات، للامام شرف الدين، ص 22. | |
الأربعاء، 25 نوفمبر 2015
زيارة الاربعين ( المنشأ ، الفضل ، الاثار )
بواسطة:أدمن
12:59 م
بسم الله الرحمن الرحيم
التمهيد
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــ
اَلسَّلامُ عَلى وَلِيِّ اللهِ وَحَبيبِهِ، اَلسَّلامُ عَلى خَليلِ اللهِ وَنَجيبِهِ، اَلسَّلامُ عَلى صَفِيِّ اللهِ وَابْنِ صَفِيِّهِ، اَلسَّلامُ عَلى الْحُسَيْنِ الْمَظْلُومِ الشَّهيدِ، اَلسَّلامُ على اَسيرِ الْكُرُباتِ وَقَتيلِ الْعَبَراتِ، اَللّـهُمَّ اِنّي اَشْهَدُ اَنَّهُ وَلِيُّكَ وَابْنُ وَلِيِّكَ وَصَفِيُّكَ وَابْنُ صَفِيِّكَ الْفائِزُ بِكَرامَتِكَ، اَكْرَمْتَهُ بِالشَّهادَةِ وَحَبَوْتَهُ بِالسَّعادَةِ، وَاَجْتَبَيْتَهُ بِطيبِ الْوِلادَةِ، وَجَعَلْتَهُ سَيِّداً مِنَ السادَةِ، وَقائِداً مِنَ الْقادَةِ، .....)(مقطع من زيارة الاربعين)
من الأمور التي احببت أن اسلط الضوء عليها هي مسألة زيارة الاربعين لما فيها من فضل عظيم فهي شعيرة من شعائر الله قال تعالى {ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ} [الحج : 32]
وقد قسمت بحثي الى ثلاثة أقسام ، القسم الاول أتحدث فيها عن منشأ هذه الزيارة وسبب هذه التسمية ، اما القسم الثاني اتحدث فيه عن فضل الزيارة ،والقسم الثالث عن اثارها او الفوائد المتربة من ورائها ثم الخاتمة سائلا الباري جل وعلا ان يتقبل منا هذا القليل ببركة الصلاة على محمد واله الطيبين الطاهرين .
زيارة الاربعين (المنشأ )
هنالك عدة اطروحات في ذلك :
1ـ زيارة الاربعين جاءت بعد مرور اربعين يومًا من استشهاد الامام الحسين (عليه السلام ) في العاشر من محرم الحرام سنة 61 للهجرة
2ـ إن هذه الزيارة توافق في يوم العشرين من صفر الخير وهو اليوم الذي ورد فيه الصحابي جابر بن عبد الله الأنصاري من المدينة إلى كربلاء لزيارة قبر الحسين عليه السلام فكان أول من زاره من الناس . كما جاء في الخطبة العاشرة للسيد الشهيد نقلا عن مفاتيح الجنان
3 ــ وفي هذا اليوم أيضاً وافق رجوع عيال الإمام الحسين عليه السلام مع الرؤوس من الشام إلى كربلاء مرة أخرى بقيادة الإمام زين العابدين عليه السلام .
والاطروحة الاخيرة وهي التي أرجحها ولا ضير أن تجتمع كل هذه الأسباب لزيارة الامام الحسين (عليه السلام ) في الأربعين وقد أستشكل البعض أن هذه المدة غير كافية لرجوع السبايا الأنفة الذكر . وقد طرح هذا الاشكال سماحة السيد الشهيد محمد محمد صادق الصدر (قدس )حيث قال في الخطبة العاشرة ما هذا نصه: بمناسبة الحديث عن الاربعين يوجد هناك سؤال واشكال عن زيارة الاربعين بسيطة اردت ان اعرضه مع جوابه.
وذلك لان الاشكال يقول ان الوفد الحسيني او ما يسمى بسبايا الحسين (سلام الله عليه) ذهبوا الى الكوفة ثم ذهبوا الى الشام ثم رجعوا الى كربلاء ثم رجعوا الى المدينة ولبثوا في ذلك اياما طوالا ومع ذلك لم تستغرق المدة اكثر من اربعين يوما، فهل هذا معقول او غير معقول ؟! ربما جملة من الناس يستبعدونه على اية حال. فهذا سؤال عرض ولا زال معروضا اود تسجيله مع الجواب عليه ولو باختصار نسبيا.
وجواب ذلك يكون بوجوه اذا صدق واحد منها كفى في رد الشبهة فان صدقت كلها فبها ونعمت:
الوجه الاول: انه من الصحيح ان الشام وهي منطقة دمشق الحالية تبعد عن كربلاء حوالي الفين من الكيلومترات، الا اننا لا نقدر، هذا المستشكل في الحقيقة لا يقدر سرعة الافراس والابل التي كانت تستخدم في تلك العصور. نحن نتصورها بطيئة وابطأ مما هي عليها حقيقة، في حين انها يمكن ان تنجز سفرا معتدا به في مدة قليلة.
ويحسن بنا بهذا الصدد ان نلتفت الى امرين:
الامر الاول: ان التحديد بمسافة القصر وهي ثمانية فراسخ والتي تعادل حوالي ثلاثا واربعين كيلومتراً، ورد في الروايات المعتبرة انها المسافة التي تسير بها هذه الاحمال خلال اليوم. والمراد بهذه الاحمال طبعا في ذلك الحين سيارات وكوسترات ما كان يوجد، فإنما يحملون على المطايا والافراس والابل. فكأنما من طلوع الشمس الى غروبها تسير الابل المحملة ثمانية فراسخ او ثلاث واربعين كيلومتراً. كأنما مضبوط بحسب السند المعتبر وجعل مسافة للقصر الشرعي وفيها : انه تسير هذه الاحمال لمدة يوم، راجعوا الوسائل فانه موجود فيها.
حينئذ يوجد التفات نظمه الى ذلك وحاصله : ان الابل الثقيلة المحملة تسير ثلاث واربعين كيلومترا اما الابل الخفيفة التي يركب عليها انسان واحد او انسانين ونحو ذلك وعليها هودج خفيف طبعا تسير اكثر اكيدا. فمن هذه الناحية ممكن ان تصل الى خمسين او ستين كيلومترا في نهار وليس في اربعة وعشرون ساعة.
لاحظوا اذا ضممنا الليل الى ذلك في الامكان ان يصل الى مائة او الى مائة وعشرين كيلومتراً.
معنى ذلك ان المطلب جدا صار سادة ولطيف وذلك لان الالفين كيلومتر حينئذ تقطع بأيام قليلة وليس بأيام كثيرة وبزمن مختصر وليس بزمن طويل. كما ان السبايا يسيرون بهم استعجالا، كان سيرهم حوالي مائة وخمسون كيلومترا في مدار الاربعة وعشرين ساعة ولعلهم لم يكونوا يستريحون الا قليلا ولا ينامون الا قليلا. ومن هنا يمكنهم ان يصلوا بحوالي عشرة ايام الى الشام لان المسافة التي قدرناها هي الفي كيلومتراً، لو ساروا مائة كيلومترا لوصلوها في عشرين يوما ولو ساروا مائة وخمسون كيلومترا او اكثر لوصلوها بحوالي اثنى عشر يوما ونحو ذلك.
فاذا كان عودهم من الشام يشبه هذه المدة فهذه حوالي خمس وعشرين يوما يقطعونها ويقضونها في الطريق، فقد بقي من الاربعين خمسة عشر يوما يكونون قد قضوا بعضها في الكوفة وبعضها في الشام ولم يثبت وجودهم في الشام والكوفة اكثر من هذه الليالي القليلة.
الامر الثاني: ان الركب عموما كان في حالة استعجال في ذهابه وايابه فهم يستحثون الابل والخيل باستمرار للوصول في اقرب وقت ممكن مما يقتضي تذليل المدة وتقليلها التي يقضونها بالطريق بطبيعة الحال الى اقل مقدار ممكن. والغرض من الاستعجال في الذهاب يختلف عن الغرض في الاستعجال في الاياب، لان الاستعجال في الذهاب كان برأي الجلاوزة الذين كانوا يحوطونهم وينقلونهم من كربلاء الى الكوفة ومن الكوفة الى الشام. ماذا كان يفكر الجلاوزة في الحقيقة ؟ كانوا يفكرون انهم منتصرين عسكريا وهؤلاء سبايا وهؤلاء مندحرين عسكريا، فكانوا يريدون ان يوصلوا خبر الانتصار المزعوم والمشؤوم الى عبيد الله بن زياد بأسرع وقت ممكن والى يزيد بن معاوية (عليهم اللعنة جميعا) بأقرب وقت ممكن. فمن هذه الناحية يستعجلون وعمر بن سعد يريد ان يكون واليا على البلاد التي وعد بها بأسرع وقت ممكن ونحو ذلك من الكلمات، اذن ارادوا الاستعجال في ايصال هذه السبايا الى اعدائهم والى اعداء الله سبحانه وتعالى.
هذا الاستعجال في الذهاب،
اما الاستعجال في المجيء كان هذا باختيار الركب الحسيني (سلام الله عليهم اجمعين). حبيبي .. هم في ارض اعدائهم وفي بيوت اعدائهم وفي اعتقال اعدائهم يريدون ان يتخلصوا بأية لحظة يريدون ان يصلوا الى موطنهم بأية لحظة وفي اسرع وقت حتى يتجنبوا الشر الذي وقعوا فيه لا اكثر ولا اقل. فهم يستحثون الابل والافراس بالإسراع الى الكوفة ثم الى المدينة، ومن هنا لا نستبعد ان يكونوا قد وصلوا في عشرة ايام او اثنى عشر يوما او خمسة عشر يوما ونحو ذلك
.
وينبغي هنا ان نلتفت الى انهم وصلوا في خلال اربعين يوما الى كربلاء وهذا معناه ان المسافة بين كربلاء والمدينة لم تكن قد دخلت في الحساب انما وصلوا الى كربلاء في اربعين يوما وبقيت مسافة المدينة بعد ذلك وصلوا اليها من كربلاء الى المدينة في مدة مجهولة على اية حال، قد تكون كثيرة وقد تكون قليلة المهم انها غير
داخلة في حساب الاربعين يوما.
ولكننا لو تنزلنا عن هذا الوجه ولم نقبل به جدلا ولا موجب للتنزل عنه لأنه في نفسه صحيح ولا بأس به، الا اننا في الحقيقة لو تنزلنا لامكن الجواب بعدة وجوه اخرى منها:
الوجه الثاني: الوصول الى كربلاء بالمعجزة بما يسمى طي الارض فانها خصوصية موجودة لجملة من الاولياء والاوصياء والصالحين وهم اولى من يتصف بها ولعلها بمشيئة الله تحدث لأجل مصلحة خاصة او عامة مربوطة بهم. من ادرانا ؟ يكفي اننا نسمع في الرواية انهم وصلوا خلال اربعين يوما فلربما كان بطي الارض والاحتمال دافع للاستدلال.
زيارة الأربعين ( الفضل )
الأحاديث في فضل زبارة الأمام الحسين (صلوات الله عليه ) على قسمين
اولاً : ــ عامة ونذكر بعض الاحاديث في هذا الصدد منها
- قال الإمام الصادق "عليه السلام" : إن أيام زائري الحسين بن علي "عليهما السلام" لا تُعدّ من آجالهم. (كامل الزيارات)
- قال الإمام الباقر "عليه السلام" : مروا شيعـتـنا بزيارة قبر الحسين "عليه السلام" فإن إتيانه يزيد في الرزق , ويَمُدّ في العمر , ويدفع مَدافع السوء (عيون أخبار الرضا)
- وقال الإمام الكاظم (عليه السلام) : «مَن زار الحسين (عليه السلام) عارفاً بحقه غفر الله له ما تقدّم مِن ذنبه وما تأخّر» (كامل الزيارات)
قال الصادق (ع) : من زار قبر الحسين (ع) لله وفي الله ، أعتقه الله من النار ، وآمنه يوم الفزع الأكبر ، ولم يسأل الله تعالى حاجة من حوائج الدُّنيا والآخرة إلا أعطاه.
(كامل الزيارات)
ثانياً:. خاصة ونذكر بعض الاحاديث
1 ـ قال الامام الحسن العسكري(عليه السلام) :علامات المؤمن خمس (صلاة احدى وخمسون وزيارة الاربعين والتختم باليمين وتعفير الجبين والجهر ببسم الله الرحمن الرحيم) (وسائل الشيعة)
2 - عن أبي عبد الله عليه السلام قال: من أتى الحسين عليه السلام عارفا بحقه كتبه الله تعالى له في أعلى عليين.(كامل الزيارات)
3 - عن بشير الدهان قال: قال أبو عبد الله عليه السلام أيما مؤمن زار الحسين بن علي عليه السلام عارفا بحقه في غير يوم عيد كتبت له عشرون حجة وعشرون عمرة مبرورات متقبلات وعشرون غزوة مع نبي مرسل أو إمام عادل.(ثواب الاعمال)
4- قال الإمام الصادق "عليه السلام" : ثم ينادي مناد ٍ : أين زوّار قبر الحسين "عليه السلام" ؟ فيقوم أناسٌ كثير , فيقال لهم : خذوا بيد مَن أحببتم وانطلقوا بهم إلى الجنة
قلت للصادق (ع) : ما لمن أتى الحسين بن علي (ع) زائراً عارفاً بحقه غير مستنكف ولا مستكبر ؟.. قال (ع) : يكتب له ألف حجة مقبولة وألف عمرة مبرورة .. وإن كان شقياً كتب سعيداً ولم يزل يخوض في رحمة الله . (كامل الزيارات)
الاثار المترتبة على الزيارة
1 - ان في زيارة الاربعين مواساة لأهل البيت سلام الله عليهم وهذا ما ذكره السيد القائد مقتدى الصدر اعزه الله في مقاله الذي حمل عنوان ( تعظيم الشعائر ) حيث قال : (فهي بمثابة مواساة لأهل بيت محمد وعلي وفاطمة وذريتهم لما وقع عليهم من حيف وظلم وبلاء من الظالمين آنذاك)
2ـــ فيها أغاضة لأعدائهم وتجسيد للوفاء والمحبة والمولاة لآل البيت (عليهم السلام ) ، قال تعالى )وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} [التوبة : (120 )وكما جاء في دعاء الامام الصادق (عليه السلام لزوار قبر الحسين عليه السلام) (وَرَجَاءً لِمَا عِنْدَكَ فِي صِلَتِنَا، وَسُرُوراً أَدْخَلُوهُ عَلَى نَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وآله، وَإِجَابَةً مِنْهُمْ لأَمْرِنَا، وَغَيْظاً أَدْخَلُوهُ عَلَى عَدُوِّنَا) وكما قال السيد الشهيد محمد محمد صادق الصدر(قدس سره الشريف) : (أن السير الى كربلاء المقدسة شوكة في عين المستعمرين عامة واسرائيل خاصة) (دستور الصدر خطبة 35 )
3ــ أن يعيش الفرد ولو بجزء بسيط نوع من الاشتراك بالفعل بينه وبين الركب الحسيني الذي لاقى ما لاقى من تعب ومشقة .
4 ــ توطين النفس على بذل الأموال وتعب الأبدان في سبيل الامام الحسين (عليه السلام ) وهذا ما أشار إليه الأمام الصادق (عليه السلام ) في دعائه وهو ساجد (اغْفِرْ لِي وَلإِخْوَانِي وَزُوَّارِ قَبْرِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ عليه السلام، الَّذِينَ أَنْفَقُوا أَمْوَالَهُمْ، وَأَشْخَصُوا أَبْدَانَهُمْ رَغْبَةً فِي بِرِّنَا،)
5ـــ تقوية الأواصر الاجتماعية فمن خلال السير تتعرف الى أشخاص كثيرين كما ان اهل المناطق التي يمر بها الزائرون تفتح ابوابها امامهم ويستقبلونهم بالترحيب ويسهرون على خدمتهم .
6ــ إزالة الفوارق الطبقية بين ابناء المجتمع لأن الهدف واحد والمسير واحد فترى ان الغني والفقير يمشي مع هذه الجموع .
7ـ زيارة الأربعين باب عظيم للهداية لأن الانسان في ساحة ابي عبد الله (عليه السلام ) وهو سفينة النجاة ،كما أشار إليه السيد القائد مقتدى الصدر
8ــ كان بمثابة أعلام دولي لجميع الأديان للدخول في الاسلام بصورة عامة والتشيع بصورة خاصة
9ــ المسير الى كربلاء هو معسكر تدريب كبير بدني وروحي يتمثل الاول في المسير اما الثاني فهو يعلمك الصبر ومساعدة الاخرين ونكران الذات وعدم الخوف من الموت في سبيل الحسين بل الرغبة فيه .
الخاتمة : أختم بحثي بمقال السيد القائد مقتدى الصدر(أعزه الله ) في مقاله الذي حمل عنوان (تعظيم الشعائر) :
والسير الى الامام الحسين (عليه السلام) يعني جلياً الطاعة والانقياد وجعل المعصوم أو الحق هدفاً نسعى اليه .
واما السير فهذا أوضح واجلى فأنك أن تسير الى المعصوم وتنقاد اليه فمعنى ذلك أن تنتهج بنهجه وتتبع نصائحه والا فلن يتقبل الله سيرك ولا خطاك فبئس (السائر) الى حسين ولا يطبق شرع الله كقاطع الصلاة أو الصيام أو قاطع الرحم أو كثير الكذب وما الى ذلك لكنني لست ممن ينهى هؤلاء العصاة عن إقامة الشعائر وخصوصاً اذا كانت تلك الشعائر ستفيض عليهم من نورها وهدايتها فلعلها تكون باباً للهداية حتى لأعدائهم كما اهتدي السجان على يد الامام الكاظم (علية السلام)فضلاً عن كونهم باب هداية لمحبيهم بل انا على يقين بأن شعائرهم التي تقوم بها لرضا الله اولا ولحبهم ثانياً ايضاً ستكون بابا للهداية لامحالة
ومن هنا فلنعاهد الله أن نكون أفضل مصداق لمقيمي الشعائر والمناسك دوماً وذلك بأن نسير على هدى المعصومين ونهجهم بأن نطبق شرع الله ورسوله ولا نحيد عنهم والا فسنكون من الخاسرين وان كنا من مقيمي الشعائر بل ان عقوبة مرتكب المعصية وهو على حب المعصوم أشد واعتى ممن أتخذ الكره والبغض لآل البيت لامحالة (وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون) واخر دعوانا ان الحمد لله الذي جعلنا بنهج الحق من المتمسكين . اللهم فنسألك الثبات والشهادة بين يدي امامنا القائم روحي له الفدا
المصادر :
1- زيارة الاربعين
2- القران الكريم
3- الخطبة العاشرة للسيد الشهيد
4- كامل الزيارات
5- مقال السيد القائد (تعظيم الشعائر)
6- ثواب الاعمال للشيخ الصدوق ص 95
7- عيون أخبار الرضا
8- وسائل الشيعة
9- دستور الصدر (خطبة 35 )
10- تعظيم الشعائر
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)





@@ 2015 @@