اهلا وسهلآ بكم حمـاة الشعائـر الحسينيــة
‏إظهار الرسائل ذات التسميات فقه الشعائر الدينية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات فقه الشعائر الدينية. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، 25 نوفمبر 2015

في فضيلة زيارة الأربعين



س 1 ـ في حديث للإمام أبي محمّد الحسن العسكري  7 جعل فيه زيارة الإمام الحسين  7 يوم العشرين من صفر من علامات المؤمن كيف تفسّرون ذلک ؟ وإلى أيّ معنى يشير الإمام  7؟
ج 1 ـ أقول : مقدّمةً : انّه ورد في بحار الأنوار (ج98 ص329) بسنده : عن أبي محمّد الحسن العسكري  7 أنّه قال : علامات المؤمن خمس : صلاة إحدى وخمسين ، وزيارة الأربعين ، والتختّم باليمين ، وتعفير الجبين ، والجهر ببسم الله الرحمن الرحيم[1] .

ولتوضيح الخبر نقول : ذكر بعض الأعلام : إنّ الإيمان في ضوء الثقافة الاسلامية . يطلق ويراد به أحد المعاني الأربعة المعبّر عنها باللّب ولبّ اللّب والقشر وقشر القشر:

الأوّل : كلّ من لفظ بالشهادتين (التوحيد والنبوّة : أشهد أن لا إله إلّا الله وأشهد أنّ محمّدً رسول الله) فهو مؤمن في ظاهره ، وان لم يؤمن في قلبه ، ويكون مسلماً، ويحقن دمه وماله ، أي يحترم في دمه وماله ويحكم عليه بالطهارة ، ويسمّى ايمانه بـ(قشر القشر) ويصدق هذا أيضآ على المنافق ، فإنّ ظاهره مسلم ، وباطنه كافر.
الثاني : من يلفظ الشهادتين ويؤمن بهما في قلبه إجمالاً، فهو أهون من الأوّل ، وانه يشترک معه في حفظ دمه وماله ، وصيانة نفسه في البلد الاسلامي والحكومة الاسلامية ، إلّا أنّه لا ينتفع من إيمانه هذا يوم القيامة ، لعدم صحّته ، فان من صحّة الإيمان ، الاقرار بولاية أميرالمؤمنين والأئمّة المعصومين من ولده  : وهي الشهادة الثالثة (أشهد أنّ عليّاً وأولاده المعصومين حجج الله).
الثالث : وهو الايمان بالله ورسله وخاتم النبيين محمّد  6 وبالخلفاء الإثنى عشر الأئمّة المعصومين من آل محمد وعترته الهادية ،وهم الفرقة الناجية ، اتباع مدرسة أهل البيت : المتمسكين بالقرآن الكريم والعترة الهادية كما في حديث الثقلين المتواتر عند الفريقين (السنة والشيعة) ان رسول الله  6 قال في مواطن كثيرة (إنّي مخلّف فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبدآ، وانهما لن يفترقا حتّى يروا علىّ الحوض).
وهذا يكون من الفرقة الناجية ، وانّه يشترک مع الأوّلين في حفظ النفس والمال ، ويزاد عليهما: بان سؤره شفاء، ومحرّم غيبته ، وانّه يغفر له ، وينال الشفاعة ، ولا يخلّد في النار، وغير ذلک ممّا ورد في روايات مدرسة أهل البيت  :، وهذا الإيمان يسمّى بـ(اللّب ) وهو المعنى الثالث للايمان .

الرابع : وأمّا المعنى الرابع وهو (لبّ اللبّ ): فهو المعنى الثالث مع مقارنته بالعلم النافع والعمل الصالح ، فلا يكفى أن يكون عقائده سليمة وصحيحة ، بل إقرار باللسان وايمان بالقلب وعمل بالأركان وهو المتّقي ، فانّه يمتاز بايمانه بالعلم والعمل .
وفي فقه مدرسة أهل البيت: يطلق المؤمن ويراد به المرتبة الثالثة من الإيمان ، ويقابله المرتبة الاُولى والثانية ، وهو المسلم ، ويعبّر عنهما بالمخالف ، لمخالفته لمذهب أهل البيت  : فان عباداته كصلاته ، إنّما هي على ضوء (مدرسة الخلفاء أو مدرسة الأمويّين ) فلا تتطابق مع ما جاء في (مدرسة أهل البيت  :) فيطلق المؤمن حينئذٍ على من إتّبع مذهب أهل البيت: ومدرستهم العقائديّة والفقهيّة واشار العلّامة الطباطبايى في تفسيره القيم (الميزان) ان المراد من المؤمنس في الآيات هم نتبة أميرالمؤمنين علي  7.
ويمتاز هذا المؤمن عن غيره من أتباع المذاهب الاسلاميّة في عصر الإمام الحسن العسكري بخمسة علائم تتعلّق بالعقيدة والفقه والتاريخ ، كما إنّها من العلائم الظاهريّة ، تظهر على سلوک المؤمن وجسده ، ويكون له شعاراً يعرف به عن غيره من اتباع مدارس الخلفاء والمذاهب الاخرى .
العلامة الاُولى : صلاة إحدى وخمسين ركعة في كلّ يوم (17 منها: اليوميّة الواجبة و34 نوافل اليوميّة ) ثمان ركعات نافلة الظهر، وثمان نافلة العصر، وأربع نافلة المغرب ، وركعتان من جلوس المسمّاة بـ(الوتيرة ) مصغرة الوتر، وانه في الثواب بمقدار صلاة الوتر من صلاة الليل ، وهاتان الركعتان بمنزلة الركعة الواحدة .
وأحد عشر صلاة الليل (ثمان منها بنيّة صلاة الليل ، وركعتان بنيّة الشفع ،
وواحدة بنيّة الوتر) والجميع يسمّى بصلاة الليل ، من باب تسمية الكل باسم الجزء الأعظم كالرقبة والانسان ، وركعتان لصلاة الفجر، وتسمّى بنافلة الفجر فهذه (51) ركعة ، وفي المذاهب الاخرى في النوافل زيادة ونقيصة ، ولهذا امتاز المؤمن الشيعي عنهم في صلاته هذه .
كما إمتاز بزيارة الأربعين ، فانه ايماناً بامامة الحسين  7 وتفاعلاً بشهادته وزيارته ، وحبّاً واخلاصاً واطاعة وتقرّباً إلى الله سبحانه ، يزوره ويحضر عند قبره الشريف ، كما يزوره من قريب أو بعيد بالزيارات المأثورة ، والتي منها زيارة الأربعين ، في يوم الأربعين بجوار قبر الشريف أو بعيداً عنه لمن لم يتمكن من زيارته عن قرب .
وأوّل من زاره من الإنس يوم الأربعين هو جابر عبدالله الأنصاري الصحابي الجليل مع صاحبه عطيّة ، والتحق بهما الركب الحسيني وموكب السبايا بزعامة الإمام زين العابدين 7 وزينب الكبرى ومخدّرات الرسالة وأيتام الحسين  7 في رجوعهم من الشام إلى المدينة ، وإنّ زينب إختارت زيارة الحسين  7 عند ما عرض عليها الإمام السجاد 7 في مفرق طريق إلى المدينة أو الكوفة وكربلاء، فاختارت كربلاء، وما ان وصلت النسوة والأطفال واليتامى ، إلّا وألقوا بأنفسهم من الهوادج والنياق على قبور الشهداء، من قبر إلى قبر بعويل وبكاء ولطم ونجيب وصراخ ، في منظر حزين ورهيب مدهش وكئيب ، يقطع نياط القلب حزناً وأسفاً وألماً، كما جاء في التاريخ .
وأمّا التختّم باليمن ، فإشارة إلى استحباب التختّم باليمين أوّلاً، وربّما اشارة إلى
قصّة التحكيم في حرب صفّين ، وانه نزع أبو موسى الأشعري خاتمه من اليمين ليشير الى خلع أميرالمؤمنين علي
 7 بذلک ، ثم بمكيدة وخداع لبس عمرو بن عاص خاتمه من يمينه إلى يساره ، ليقرّ لمعاوية بن أبي سفيان بالخلافة ، فصار التختّم باليسار شعار الأمويّين وأهل الشام آنذاک ، وكان شعار العلويّين والمؤمنين هو التختّم باليمين .
وأمّا الجهر بالبسملة ، فان أكثر المذاهب اسقطوا البسملة في الحمد في صلاتها أو انّه لم تجهر بها، تبعاً لمعاوية في تركه البسملة لما دخل المدينة في أيّام ملكه العضوض ، فصارت من سنّته تركها في الصلوات ، خلافآ لسنّة رسول الله 6 وانّهم كما ورد في أحاديث أهل البيت  : سرقوا آية من كتاب الله عزّوجلّ .
فعلامة الموالي والتابع والمطيع لأهل البيت  : أن يجهر في كلّ صلواته بالبسملة ، إمّا وجوباً أو استحباباً باختلاف الصلوات كما في الفقه الشيعي .
وبهذا الاجمال عرفنا ان لزيارة الإمام الحسين  7 يوم العشرين من صفر خصوصيّة تميّزها عن باقي الزيارات بانها من علامات المؤمن ، أي من العلائم الظاهريّة التي لابدّ أن تظهر على ظاهر المؤمن الشيعي الامامي الاثنى عشري ، بأن يزور إمامه الحسين  7 بهذه الزيارة في مثل يوم الأربعين يعني في العشرين من صفر.
وأمّا (الأربعين) فهو باعتبار يوم شهادته فمن العاشر من محرّم الحرام إلى آخر الشهر يعدّ عشرون يوماً، ويضاف إليه عشرون من صفر فهذا تمام الأربعين ، ففي العشرين من صفر يكون اليوم الأربعين من شهادة الإمام الحسين  7.
قال العلّامة المجلسي  1 في بحاره (:98 334) :

فائدة : اعلم انّه ليس في الأخبار ما العلّة في استحباب زيارته صلوات الله عليه في هذا اليوم ؟ والمشهور بين الأصحاب ان العلّة في ذلک رجوع حرم الحسيني صلوات الله عليه في مثل ذلک اليوم إلى كربلاء عند رجوعهم من الشام ، والحاق علي بن الحسين صلوات الله عليه الرؤوس بالأجساد.
ولعلّ العلّة في استحباب الزيارة في هذا اليوم هو أنّ جابر بن عبدالله الأنصاري  2 في مثل هذا اليوم وصل من المدينة إلى قبره الشريف ، وزاره بالزيارة التي مرّ ذكرها، فكان أوّل من زاره من الانس ظاهراً، فكذلک يستحب التأسّي به ، أو إطلاق أهل البيت  : في الشام من الحبس والقيد في مثل هذا اليوم ، أو علّة اُخرى لا نعرفه .
قال الكفعمي ؛ إنّما سمّيت بزيارة الأربعين ، لأنّ وقتها يوم العشرين من صفر وذلک لأربعين يوماً من مقتل الحسين  7 وهو اليوم الذي ورد فيه جابر بن عبدالله الأنصاري صاحب النّبي  6 من المدينة إلى كربلاء لزيارة قبر الحسين  7، فكان أوّل من زاره من الناس وفي هذا اليوم كان رجوع حرم الحسين  7 من الشام إلى المدينة .
وقال السيّد ابن طاووس ؛ في كتاب الاقبال (ص60): فان قيل كيف يكون يوم العشرين من صفر يوم الأربعين إذا كان قتل الحسين صلوات الله عليه يوم عاشر محرّم ، فيكون يوم العاشر من جملة الأربعين فيصير أحداً وأربعين ؟
فيقال : لعلّه قد كان شهر محرّم الذي قتل فيه صلوات الله عليه ناقصاً، وكان يوم عشرين من صفر تمام الأربعين يوماً.

فانه حيث ضبط يوم الأربعين بالعشرين من صفر، فاما أن يكون الشهر كما قلنا ناقصاً، أو يكون تاماً ويكون يوم قتله صلوات الله عليه غير محسوب من عدد الأربعين ، فان قتله كان في أواخر نهاره فلم يحصل ذلک اليوم كلّه في العدد، وهذا تأويل كاف للعارفين ، وهم أعرف بأسرار ربّ العالمين في تعيين أوقات الزيارة للطاهرين . انتهى كلامهم رفع الله مقامهم .
إنّ زيارة الإمام الحسين  7 يوم الأربعين من أعظم الزيارات وآكد المستحبّات ، ومن أنكرها فهو لجوج مبتدع ، فقد أجمعت الفرقة الحقّة والطائفة المحقّة عملاً وقولاً على ذلک ، مضافاً إلى هذا الحديث المتلقى بالقبول والعمل به والمروي عن الإمام العسكري  7.
وما قيل ربما المراد زيارة أربعين مؤمناً، فانه خلاف الظاهر، فان المتبادر منه عند اطلاقه زيارة الأربعين ، ولو من جهة المرتكز المتشرعي لما عند القدماء من القرائن الدالّة على ذلک ، كما انه لم يرد عند الخاص والعام المستحبّات خصوص الأربعين مؤمناً، بل ورد الدعاء لأربعين مؤمناً، كما انّه يخالف سياق العلامات الاخرى التي تختصّ بالاماميّة الاثنى عشريّة مع عدم زيارة أربعين مؤمناً بهم .
قال المحقّق السيّد عبدالرزاق المقرِّّ 1 في مقتله : (ص371).
(ويشهد له عدم تباعد العلماء الأعلام عن فهم زيارة الحسين  7 في الأربعين من صفر من هذا الحديث المبارک ، منهم أبو جعفر محمّد بن الحسن الطوسي  1 والتهذيب : :2 17 باب فضل زيارة الحسين  7) فانه بعد أن روى الأحاديث في فضل زيارته المطلقة ذكر المقيّد بأوقات خاصّة ، ومنها يوم عاشوراء، وبعده روى هذا الحديث .

وفي (مصباح المتهجّد: 551) ذكر شهر صفر وما فيه من الحوادث ثمّ قال : وفي يوم العشرين منه رجوع حرم أبي عبدالله 7 من الشام إلى المدينة وورود جابر بن عبدالله الأنصاري إلى كربلاء، لزيارة أبي عبدالله 7 فكان أوّل من زاره من الناس وهي زيارة الأربعين فروى عن أبي محمّد الحسن العسكري  7 انّه قال : علامات المؤمن خمس ... إلى آخر الحديث .
وقال العلّامة الحلّي  1 في (المنتهى ) كتاب الزيارات بعد الحجّ : يستحبّ زيارة الحسين  7 في العشرين من صفر، وروى الشيخ عن أبي محمّد الحسن العسكري  7 انّه قال : علامات المؤمن خمس ... إلى آخره .
وقال السيّد ابن طاووس في (الاقبال : :3 100) في العشرين من صفر، قال روينا بالاسناد إلى جدّي أبي جعفر فيما رواه بالاسناد إلى مولانا الحسن بن علي العسكري  7 قال : علامات المؤمن خمس ... إلى آخره .
وقال المحقّق البحراني  1 في (الحدائق ) في الزيارات بعد الحجّ قال : وزيارة الحسين  7 في العشرين من صفر من علامات المؤمن .
وعن خاتم المحدّثين الشيخ عبّاس القمّي في (مفاتيح الجنان ) قال في الدليل على رجحان الزيارة في الأربعين تمسّكاً بهذه الرواية ، من دون أن يعقبها بأن المراد من الأربعين زيارة أربعين مؤمناً.
والمقصود من هذا الحديث الشريف بيان علامة المؤمن التي يمتاز بها عن غيره ومنها زيارة الأربعين ، ولم يكن الإمام  7 بصدد بيان فضيلة زيارة الأربعين حتّى يقال بالاستبعاد، وانه عند ما يذكر الأئمّة الزيارات يذكرون فضائلها وما يترتّب
عليها من الأجر والثواب ، وبهذا يستبعد أن يكون المراد من الأربعين زيارة الأربعين ، اذ لم يذكر في الخبر أجر الزيارة وفضلها، فلا يسمع لمثل هذا الاستبعاد لأن الإمام
 7 بصدد بيان علائم المؤمن لا بيان فضائل زيارة الأربعين ، فتدبّر.
وقد نصّ الشيخ المفيد 1 في (مسار الشيعة : 20) والعلّامة الحلّي  1 في (التذكرة والتحرير) وملّا محسن الفيض الكاشاني في (تقويم المحسنين ) على استحباب زيارته  7 في العشرين من صفر.
فالمختاران المراد من زيارة الأربعين في الخبر العسكري هو زيارة الإمام الحسين  7 في يوم الأربعين أي العشرين من صفر المظفّر.
اللّهم أرزقنا وأهلينا زيارته في يوم الأربعين في عامنا هذا وفي كلّ عام بفضلک ورحمتک يا أرحم الراحمين .



[1] ()  مصباح الزائر: 151 وكامل الزيارات 324 والمزار الكبير لابن المشهدي : 352.

الخميس، 15 أكتوبر 2015

لماذا نقيم العزاء على الإمام الحسين (عليه السلام) ؟

الجواب : إنّ المثل العليا والقيم الساعية التي جسدّها الإمام الحسين (عليه السلام) في الطفّ، جعلت السائرين على نهجه ، والمرتبطين به يحيون ذكراه ، وينشرون مآثره ، باعتبارها خير أسوة يتأسّى بها الناس .
فإحياء الذكريات التي تمثّل منعطفاً بارزاً ، وتحوّلاً نوعياً في حياة الأُمم ، أمر طبيعي وغير مستهجن ، لأنّه نابع من ذات الإنسان ، ومتصل بفطرته ، كما أنّ الأيّام تعتبر مزدهرة وخالدة ، ومتّصفة بالتميّز لوقوع الأحداث العظيمة فيها ، وأيّ حادثة أعظم من واقعة كربلاء ؟!
لقد بقيت هذه الواقعة معلماً شاخصاً في التاريخ ، لما جرى فيها من فجائع من جهة ، ولما رسمت فيها من صور مشرّفة من جهة أُخرى .
فالشيعة يقيمون هذه المآتم ، ويحيون هذه الذكرى الأليمة من هذا المنطلق ، ومن منطلقات أُخرى ، منها :
1-امتثال أمر الله تعالى ، والقاضي بمودّة العترة الطاهرة ، حيث قال تعالى : { قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى }  ، ومواساة رسول الله (صلى الله عليه وآله) بهذا المصاب الجلل من أظهر مصاديق المودّة ، فرسول الله (صلى الله عليه وآله) بكى على الإمام الحسين (عليه السلام) ، وهو لم يزل في سني الطفولة .
فقد ورد عن عائشة أنّها قالت : خرج رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى أصحابه ، والتربة في يده ، وفيهم أبو بكر ، وعمر ، وعلي ، وحذيفة ، وعمار ، وأبو ذر ، وهو يبكي ، فقالوا : ما يبكيك يا رسول الله ؟! فقال : " أخبرني جبرائيل ، أنّ ابني الحسين يقتل بعدي بأرض الطفّ ، وجاءني بهذه التربة ، فأخبرني أنّ فيها مضجعه ".
2-نحن نقيم هذه الشعائر لأنّ فيها نصراً للحقّ وإحياءً له ، وخذلاناً للباطل وإماتة له ، وهذا الأمر من أجله أوجب الله تعالى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
3-إنّ إحياءنا لهذه الذكرى ، حفظ لها من الضياع ، وصون لمبادئها من التزييف ، ولولا ذلك لاضمحلت ، وخبت جذوتها ، ولأنكرها المخالفون ، كما حاولوا إنكار غيرها !!
4-بإقامتنا لهذه الشعائر لاسيّما المجالس الحسينية نكشف عن منهج مدرستنا ، هذه المدرسة الجامعة لمختلف الطبقات والفئات ، حيث يعرض التفسير والتاريخ ، والفقه والأدب ، و ... فهي مؤتمرات دينية ، تطرح فيها مختلف المعارف والعلوم .
5-إنّ إحياءنا لهذه الشعائر ، هو أفضل وأبسط وأنجح وسيلة لنشر الإسلام الأصيل ، لأنّها حية وغير معقّدة ، ولذلك كانت ولا زالت أشدّ تأثيراً في النفوس !
فالإحياء والمشاركة ، والتنمية لشعائر الحسين (عليه السلام) إحياء لذكر رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، لأنّه قال : " حسين منّي وأنا من حسين "  فهما (عليهما السلام) من سنخ واحد ، وإحياء ذكرى النبيّ (صلى الله عليه وآله) إحياء للدين ، باعتباره الرمز الأوّل للإسلام .

وهناك أسباب كثيرة توجب علينا إقامة هذه الشعائر ، فمن أرادها فليطلبها من مضانّها .

ما هو الدليل على جواز اقامة الشعائر الحسينية من المصادر السنية جزاكم الله خير الجزاء

هناك استدلالات عديدة لجواز الاحتفال بمولد النبي (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته (عليهم السلام) استدل بها علماء الفريقين رداً على الوهابية التي ترى أن الاحتفال بمولده (صلى الله عليه وآله) بدعة، من الأدلة :

أولاً: قوله تعالى : (( ذَلكَ وَمَن يعَظّم شَعَائرَ اللَّه فَإنَّهَا من تَقوَى القلوب )) (الحج:32), باعتبار أن شعائر الله سبحانه هي أعلام دينه, خصوصاً ما يرتبط منها بالحج, كما قاله القرطبي, لأنّ أكثر أعمال الحج إنما هي تكرار لعمل تاريخي وتذكير بحادثة كانت قد وقعت في عهد إبراهيم (عليه السلام), وشعائر الله مفهوم عام شامل للنبيّ (صلى الله عليه وآله) ولغيره, فتعظيمه (صلى الله عليه وآله) لازم . ومن أساليب تعظيمه إقامة الذكرى في يوم مولده, ونحو ذلك, فكما أن ذكرى ما جرى لإبراهيم (عليه السلام) من تعظيم شعائر الله سبحانه, كذلك تعظيم ما جرى للنبيّ الأعظم محمّد (صلى الله عليه وآله) يكون من تعظيم شعائر الله سبحانه .

ثانياً: قوله تعالى : (( ذكرهم بأَيَّام اللّه )) (إبراهيم:5), فإن المقصود, بأيّام الله, أيّام غلبة الحق على الباطل, وظهور الحق, وما نحن فيه من مصاديق الآية الشريفة, فإن إقامة الذكريات والمواسم فيها تذكير بأيّام الله سبحانه.

ثالثاً: قوله تعالى : (( قل بفضل الله ورحمته فبذلك فليفرحوا )) إذ من المصاديق الجلية لرحمة الله سبحانه, هو ولادة النبي (صلى الله عليه وآله), الذي أرسله الله رحمة للعالمين, فالفرح بمناسبة ميلاده (صلى الله عليه وآله) مطلوب ومراد .

رابعاً: قوله تعالى : (( ورفعنا لك ذكرك )) (الانشراح:4), فإن الاحتفالات بميلاده (صلى الله عليه وآله) ما هي إلاّ رفع لذكره (صلى الله عليه وآله) وإعلاء لمقامه .

خامساً: قوله تعالى : (( قل لَّا أَسأَلكم عَلَيه أَجرًا إلَّا المودّةَ في القربى )) (الشورى:23), بأن مودة ذوي القربى مطلوبة شرعا, وقد أمر بها القرآن صراحة, فإقامة الاحتفالات للتحدث عمّا جرى للأئمة (عليه السلام) لا يكون إلاّ مودةً لهم ... إلاّ أن يدّعى أن المراد بالمودة الحب القلبي, ولا يجوز الإظهار .

سادساً: قوله تعالى : (( الذينَ آمَنوا به وَعَزَّروه وَنَصَروه )) (الأعراف:157), باعتبار أن إقامة الاحتفال للتحدث عنه (صلى الله عليه وآله) فيه نوع من التعظيم والنصرة له .

سابعاً: قوله تعالى : (( رَبَّنَا أَنزل عَلَينَا مَآئدَةً منَ السَّمَاء تَكون لَنَا عيداً لأولنَا وَآخرنَا وَآيَةً مّنكَ وَارزقنَا وَأَنتَ خَير الرَّازقينَ )) (المائدة:114), فقد اعتبر يوم نزول المائدة السّماوية عيداً وآية, مع أنها لأجل إشباع البطون . فيوم ميلاده (صلى الله عليه وآله), ويوم بعثته, الذي هو مبدأ تكامل فكر الأمم على مدى التاريخ ؛ أعظم من هذه الآية, وأجل من ذلك العيد, فاتخاذه عيداً يكون بطريق أولى ... .

ثامناً: قوله تعالى (( وَالضحَى * وَالليل إذا سَجَى )) فقد قال الحلبي وغيره : ... وقد أقسم الله بليلة مولده في قوله تعالى : (( وَالضحَى * وَالليل إذا سَجَى )) وقيل المراد ليلة الإسراء . ولا مانع أن يكون الإقسام وقع بهما, أي استعمل اللّيل فيهما (السيرة الحلبية 1/58, والسيرة النبوية لدحلان 1/21) .

تاسعاً: إن الاحتفال بالمولد سنة حسنة وقد قال (صلى الله عليه وآله) : (من سنّ سنّة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها) .

عاشراً: بأن جل أعمال مناسك الحج ما هي إلاّ احتفالات بذكرى الأنبياء, فأمر الله تعالى باتخاذ مقام إبراهيم مصلّى, إحياءً لذكرى شيخ الأنبياء إبراهيم عليه الصلاة والسلام, أمّا السعي بين الصفا والمروة, فهو تخليد لذكرى هاجر حينما عطشت هي وابنها إسماعيل, فكانت تسعى بين الصفا والمروة, وتصعد عليهما لتنظر : هل ترى من أحد (كما ذكر البخاري) ...
ورمي الجمار تخليد لذكرى إبراهيم (عليه السلام), حينما ذهب به جبريل إلى جمرة العقبة, فعرض له الشيطان, فرماه بسبع حصيات, فساخ . وذبح الفداء, إنما هو تخليد لذكرى إبراهيم أيضاً حينما أفمر بذبح ولده إسماعيل ففداه الله بذبح عظيم .

وفي بعض الأخبار : أن أفعال الحج إنما هي احتفال بذكرى آدم, حيث تاب الله عليه عصر التاسع من ذي الحجة بعرفات, فأفاض به جبريل حتى وافى إلى المشعر الحرام فبات فيه, فلما أصبح أفاض إلى منى, فحلق رأسه إمارة على قبول توبته, وعتقه من الذنوب . فجعل الله ذلك اليوم عيداً لذريته . فأفعال الحج كلها تصير احتفالات وأعياداً بذكرى الأنبياء, ومن ينتسب اليهم, وهي باقية أبد الدهر .

وأخيراً : أكمل الأدلة على جواز إقامة الاحتفال بمولد النبي (صلى الله عليه وآله) هو دليل الفطرة - والدين والشرع منسجم تماماً مع مقتضيات الفطرة ومتطلباتها - فقد اعتاد الناس انطلاقاً من احترامهم للمثل والقيم التي يؤمنون بها, على احترام الأشخاص الذين بشروا بها, وضحّوا في سبيلها, وارتبطوا بهم عاطفيّاً وروحيّاً كذلك .. ورأوا : أن إحياء الذكرى لهؤلاء الأشخاص, لم يكن من أجل ذواتهم كأشخاص, وإنّما من أجل أنّهم بذلك يحيون تلك القيم والمثل في نفوسهم, وتشدّ الذكرى من قوة هذا الارتباط فيما بينهم وبينها, وترسّخها في نفوسهم, وتعيدهم إلى واقعهم .
وهكذا يقال بالنسبة للاحترام الذي يخصون به بعض الأيّام, أو بعض الأماكن, وقديماً قيل :

مررت على الديار ديار ليلى ***** أقبّل ذا الجدار وذا الجدارا
وما حبّ الديار شغفن قلبي ***** ولكن حبّ من سكن الديارا

ويلاحظ : أن الاهتمام بإقامة الذكريات والاحتفال بالمناسبات, التي تمثل تحوّلاً من نوع مّا في حياة الناس عامة, لا يقتصر على فئة دون فئة, ولا يختص بفريق دون فريق فالكبير والصغير, والغني والفقير, والملك والسّوقة, والعالم والجاهل, والمؤمن والكافر, وغيرهم وغيرهم, الكل يشارك في إقامة الذكريات للمثل والقيم, ومن يمثلها حسب قدراته وإمكاناته .

فهذه الشمولية تعطينا : أن هذا الأمر لا يعدو عن أن يكون تلبية لحاجة فطرية, تنبع من داخل الإنسان, ومن ذاته, وتتصل بفطرته وسجيته, حينما يشعر : أنه بحاجة إلى أن يعيش مع ذكرياته وآماله, وإلى أن يتفاعل مع ما يجسّد له طموحاته . فيوم ولادة النبيّ (صلى الله عليه وآله) هو يوم فرح المسلمين, ويوم عيد وبهجة لهم . ولابدّ وأن يستجيب الإسلام لنداء الفطرة, ويلبي رغباتها ما دامت منسجمة مع منطلقاته وأهدافه, ولا يحرمها من عطاء رحمته وبرّه ... مادام أنّه دين الفطرة, الذي يوازن بين جميع مقتضياتها ويعطيها حجمها الطبيعي, من دون أن يكون ثمة إهمال مضرٌّ, أو طغيان مدمّر .
وهذه هي عظمة تعاليم الإسلام, وهذا هو رمز الخلود له ... وفّقنا الله للسير على هدى هذا الدين, والالتزام بشريعة ربّ العالمين, إنّه خير مأمول, وأكرم مسؤول .

المشرف : الشيخ ابو علي الفاطمي @@ 2015 @@

Designed by Templateism