شعبي:
على أبو محمّد يويلي تراكم الهم عقب ما كبد أبوه انمرد بالسم عليه المعتمد كل يوم يشتد يويلي وظلّ يجور على أبو محمّد سقاه السم لمن كبده تمرَّد ولا راقب الباري ولا تندم أبوذيّة: وحق العسكري ووالده وسمهم علامة بكل قلب يضوي وسمهم حيف اتجاسر الظالم وسمهم ابذاك السجن واندفنوا سويّه
لقد تعرّض هذا الإمام
العظيم لمحنٍ كثيرة:
1- السجن: وقد كان حاله فيه كحال جدّه الإمام الكاظم عليه السلام، فعن عليّ بن عبد الغفّار قال: دخل العبّاسيّون على صالح بن وصيف، ودخل صالح بن عليّ وغيره من المنحرفين عن هذه الناحية على صالح بن وصيف عندما حبس أبا محمّد عليه السلام، فقال لهم صالح: وما أصنع قد وكّلت به رجلين من أشرّ من قدرت عليه، فقد صارا من العبادة والصلاة والصيام إلى أمر عظيم، فقلت لهما: ما فيه؟ فقالا: ما تقول في رجل يصوم النهار ويقوم الليل كلّه، لا يتكلّم ولا يتشاغل وإذا نظرنا إليه ارتعدت فرائصنا ويداخلنا ما لا نملكه من أنفسنا، فلمّا سمعوا ذلك انصرفوا خائبين. وعن المحموديّ قال: رأيت خطّ أبي محمّد لمّا أخرج من حبس المعتمد: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُون﴾2. 2- محاولة القتل والاغتيال: وقد وقع ذلك في مواضع عديدة: منها: أنّه سلّم أبو محمّد عليه السلام إلى نحرير3 فكان يضيّق عليه ويؤذيه، قال: فقالت له امرأته: ويلك اتق الله، لا تدري من في منزلك؟! وعرَّفته صلاحه وقالت: إنّي أخاف عليك منه، فقال: لأرمينّه بين السباع، ثمّ فعل ذلك به، فرُئي عليه السلام قائماً يصلّي وهي حوله. ومنها: ما عن أحمد بن الحارث القزوينيّ قال: كنت مع أبي بسرّ من رأى، وكان أبي يتعاطى البيطرة في مربط أبي محمّد، قال: وكان عند المستعين بغل لم يُرَ مثله حسناً وكبراً، وكان يمنع ظهره واللجام والسرج، وقد كان جمع عليه الراضة4، فلم يمكن لهم حيلة في ركوبه، قال: فقال له بعض ندمائه: يا أمير المؤمنين، ألا تبعث إلى الحسن بن الرضا حتّى يجيء، فإمّا أن يركبه، وإمّا أن يقتله فتستريح منه، قال: فبعث إلى أبي محمّد ومضى معه أبي، فقال أبي: لمّا دخل أبو محمّد الدار كنت معه، فنظر أبو محمّد إلى البغل واقفاً في صحن الدار. فعدل إليه فوضع بيده على كفله، قال فنظرت إلى البغل وقد عرق حتّى سال العرق منه، ثمّ صار إلى المستعين، فسلّم عليه فرحّب به وقرب، فقال: يا أبا محمّد ألجم هذا البغل، فقال أبو محمّد لأبي: ألجمه يا غلام، فقال المستعين: ألجمه أنت، فوضع طيلسانه، ثمّ قام فألجمه، ثمّ رجع إلى مجلسه وقعد، فقال له: يا أبا محمّد أسرجه، فقال لأبي: يا غلام أسرجه، فقال: أسرجه أنت، فقام ثانية فأسرجه ورجع، فقال له: ترى أن تركبه؟ فقال: نعم، فركبه من غير أن يمتنع عليه ثمّ ركّضه في الدار، ثمّ حمله على الهملجة5 فمشى أحسن مشي يكون، ثمّ رجع ونزل، فقال له المستعين: يا أبا محمّد كيف رأيته؟ قال: يا أمير المؤمنين ما رأيت مثله حسناً وفراهةً وما يصلح أن يكون مثله إلّا لأمير المؤمنين، قال: فقال: يا أبا محمّد فإنّ أمير المؤمنين قد حملك عليه، فقال أبو محمّد لأبي: يا غلام خذه، فأخذه أبي فقاده. ومنها: أنّه لمّا همّ المستعين في أمر أبي محمّد (العسكريّ) عليه السلام بما همّ وأمر سعيد الحاجب بحمله إلى الكوفة، و أن يحدث عليه في الطريق حادثة انتشر الخبر بذلك في الشيعة فأقلقهم، وكان بعد مضيّ أبي الحسن (الهادي) عليه السلام بأقلّ من خمس سنين. فكتب إليه محمّد بن عبد الله والهيثم بن سيّابة: بَلَغنا -جَعَلَنا الله فداك- خبرٌ أقلقنا وغمّنا، وبلغ منّ، فوقَّع: بعد ثلاث يأتيكم الفرج، قال: فخُلع المستعين في اليوم الثالث، وقعد المعتزّ، وكان كما قال6. 3- الشهادة: إلى أن جاء المعتمد العبّاسيّ، ودسّ للإمام عليه السلام السمّ، وصار الإمام جليس الدار وطريح الفراش.. ثمانية أيّام.. يعاني الآلام والأوجاع من أثر السمّ.. ولمّا اعتلّ بعثوا إلى الخليفة أنّ ابن الرضا قد اعتلّ، فركب من دار الخلافة نفر من خدّام أمير المؤمنين كلّهم من ثقاته وخاصّته.. وأمرهم بلزوم دار الحسن بن عليّ عليهما السلام وتعرّف خبره وحاله، وبعث إلى نفر من المتطبّبين فأمرهم بالاختلاف إليه وتعاهده صباحاً ومساءً. فلمّا كان بعد ذلك بيومين جاءه من أخبره أنّه قد ضعف، فركب إليه بعض أصحاب الخليفة وأمر المتطبّبين بلزومه وبعث إلى قاضي القضاة فأحضره مجلسه وأمره أن يختار من أصحابه عشرة ممّن يوثق به في دينه وأمانته وورعه، فأحضرهم فبعث بهم إلى دار الحسن عليه السلام وأمرهم بلزوم داره ليلاً ونهار، فلم يزالوا هناك حتّى توفّي عليه السلام.. قال إسماعيل بن عليّ: دخلت على أبي محمّد الحسن بن عليّ عليهما السلام في المرضة التي مات فيها وأنا عنده، إذ قال لخادمه عقيد- وكان الخادم أسود نوبيّاً قد خدم من قبله عليّ بن محمّد وهو ربيّ الحسن عليه السلام - فقال (له): يا عقيد إغل لي ماء بمصطكي7، فأغلى له، ثمّ جاءت به صقيل الجارية أمّ الخلف عليه السلام. فلمّا صار القدح في يديه وهم بشربه فجعلت يده ترتعد حتّى ضرب القدح ثنايا الحسن عليه السلام، فتركه من يده، وقال لعقيد: أدخل البيت فإنّك ترى صبيّاً ساجداً فأتني به. قال أبو سهل: قال عقيد: فدخلت أتحرّى فإذا أنا بصبيّ ساجد رافع سبابته نحو السماء، فسلّمت عليه فأوجز في صلاته، فقلت: إنّ سيّدي يأمرك بالخروج إليه، إذا جاءت أمّه صقيل فأخذت بيده وأخرجته إلى أبيه الحسن عليه السلام. قال أبو سهل: فلمّا مَثُلَ الصبيّ بين يديه سلّم، وإذا هو دُرّيّ اللون، وفي شعر رأسه قطط، مفلج الأسنان، فلمّا رآه الحسن عليه السلام بكى وقال: يا سيّد أهل بيته اسقني الماء فإنّي ذاهب إلى ربّي، وأخذ الصبيّ القدح المغليّ بالمصطكي بيده ثمّ حرّك شفتيه ثمّ سقاه، فلمّا شربه قال: هيّئوني للصلاة، فطُرح في حجره منديل فوضّأه الصبيّ واحدة واحدة، ومسح على رأسه وقدميه. فقال له أبو محمّد عليه السلام: أبشر يا بنيّ، فأنت صاحب الزمان، وأنت المهديّ، وأنت حجّة الله على أرضه، وأنت ولدي ووصيّي وأنا ولدتك... ولَدَك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأنت خاتم (الأوصياء) الأئمّة الطاهرين، وبشَّر بك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وسمَّاك وكنَّاك، بذلك عهد إليَّ أبي عن آبائك الطاهرين صلّى الله على أهل البيت، ربّنا إنّه حميد مجيد. قالوا: ثمّ أخذ ولده الحجّة|، وضمّه إلى صدره الشريف وجعل يقبّله ويودّعه ويبكي، ويوصيه بوصاياه وسلّمه ودائع الإمامة، ثمّ سكن أنينه، وعرق جبينه، وغمّض عينيه، ومدّ يديه ورجليه، وفاضت روحه الطاهرة.. رحم الله من نادى: وا إماماه.. وا سيّداه.. وا مظلوماه.. بعد ما ودّع ابنه ابقلب مجروح تشاهد ويل قلبي وطلعت الروح ثار صياح أهل بيته وعلا النوح تنادي مات أويلي الحسن بالسم وقام الإمام الحجّة عجّل الله تعالى فرجه بتجهيز أبيه الإمام العسكريّ عليه السلام، ولمّا وضع الإمام في نعشه مكفّناً تقدّم جعفر بن عليّ ليصلّي على أخيه، يقول الراوي: فلمّا همّ بالتكبير خرج صبيّ بوجهه سمرة، بشعره قطط، بأسنانه تفليج، فجبذ برداء جعفر بن عليّ وقال: تأخّر يا عمّ، فأنا أحقّ بالصلاة على أبي، فتأخّر جعفر، وقد أربدّ وجهه واصفرّ. فتقدّم الصبيّ وصلّى عليه ودُفن إلى جانب قبر أبيه عليهما السلام.. ولمّا مضى الإمام عليه السلام صارت سُرَّ مَنْ رأى ضجّة واحدة- مات ابن الرضا- وبعث السلطان إلى داره من يفتّشها ويفتّش حجرها، وختم على جميع ما فيها وطلبوا أثر ولده وجاؤوا بنساء يعرفن بالحبل، فدخلن على جواريه فنظرن إليهنّ فذكر بعضهنّ أنّ هناك جارية بها حمل فأمر بها فجعلت في حجرة ووكّل بها "نحرير" الخادم وأصحابه ونسوة معهم، ثمّ أخذوا بعد ذلك في تهيئته، وعطّلت الأسواق وركب بنو هاشم والقوّاد والكتّاب وسائر الناس إلى جنازته عليه السلام، فكانت سُرَّ مَنْ رأى يومئذ شبيهاً بالقيامة.. اجت الناس تتراكض ابدهشه لگوا دار العلوم اشلون وحشه بكوا عالباب لمّن طلع نعشه تلقوه ابلطم يدمي الخدين وعن الرضا عليه السلام أنّه قال: لا بدّ من فتنة صمّاء صيلم يسقط فيها كلّ بطانة ووليجة، وذلك عند فقدان الشيعة الثالث من ولدي، يبكي عليه أهل السماء وأهل الأرض وكلّ حرّى وحرّان، وكلّ حزين لهفان..
سارت بالنعش تبكي حواليه
لما دفنوه ردوا
للعزا اعليه
بس احسين ما واحد وصل ليه ثلث تيام عاري ابغير تكفين لهفي عليك سيّدي أبا عبد الله! من الذي غسّلك وكفّنك وشيّعك؟! مَا غَسَّلُوْهُ وَلَا لَفُّوْهُ فِيْ كَفَنٍ يَوْمَ الطُّفُوْفِ وَلَا مَدُّوْا عَلَيْهِ رِدَا
*مجالس
الأئمة المعصومين2،سلسلة
مجالس الأئمة المعصومين، اعداد معهد سيد الشهداء
للمنبر الحسيني
1- القصيدة للسيّد صالح النجفيّ المعروف بالقزوينيّ رحمه الله.
2- سورة الصف الآية 8. 3- هو خادم من خدم الخليفة وكان راعيَ سباع الخليفة وكلابه، ومن خواصّه، وكان شقيّاً من الأشقياء، والنحرير: الحاذق الفطن. 4- جمع رائض، أي الذي يتولّى تربية المواشي. 5- نوع من المشي. 6- وروي مثله مع المعتزّ أيضاً والله العالم. 7- المصطكي: شجر له ثمر يميل طعمه إلى المرارة ويستخرج منه صمغ يعلك، وهو دواء. | |||
الخميس، 17 ديسمبر 2015
مجلس شهادة الإمام العسكريّ عليه السلام -2
بواسطة:أدمن
12:49 ص
مجلس شهادة الإمام الحسن العسكري عليه السلام-1
بواسطة:أدمن
12:47 ص
شعبي:
تظل صابر على أخذ الثّار لليوم يو مذبوح يو مقتول بالسّم يا هو المِن هَلَك ما راح مظلوم يبو صالح جزاك العِتَب واللّوم قال المحدّث القمّيّ، في الأنوار البهيّة: عن السّيّد بن طاووس، قال: "إعلم، أنّ مولانا الحسن بن عليّ العسكريّ عليه السلام، كان قد أراد قتله الثّلاثة ملوك، الّذين كانوا في زمانه، حيث بلغهم أنّ مولانا المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف, يكون من ظهره صلوات الله عليه، وحبسوه عدّة دفعات، فدعا على من دعا عليه منهم، فهلك في سريع من الأوقات". وإليك2 بعضها:
أ ـ المستعين العبّاسيّ
يعزم على قتل الإمام:
صمّم المستعين يوماً في أيّام خلافته على قتل الإمام، ولذلك أمر حاجبه أن يخرج الإمام من سامراء إلى طريق الكوفة، ويقتله في الطّريق. قال ابن طاووس، في كتاب مهج الدّعوات: من كتاب الأوصياء لعليّ بن محمّد بن زياد الصّيمريّ، قال: لَمّا همّ المستعين في أمر أبي محمّد عليه السلام بما همّ، وأمرسعيداً الحاجب بحمله إلى الكوفة، وأن يحدث عليه في الطّريق حادثة، انتشر الخبر بذلك في الشّيعة فأقلقهم، وكان بعد مضي أبي الحسن عليه السلام بأقلّ من خمس سنين. فكتب إليه محمّد بن عبد الله، والهيثم بن سيّابة: بلغنا، جعلنا فداك، خبر أقلقنا، وغمّنا، وبلغ منّا، فوقّع: بعد ثلاث يأتيكم الفرج. قال: فخُلِع المستعين في اليوم الثّالث، وقَعَد المعتزّ, وكان كما قال3. ب ـ ومرّة أخرى أيضاً: وعن أحمد بن الحرث القزوينيّ، قال: كان عند المستعين بغلة، لم ير مثلها حسناً وكبراً، وكانت تمنع ظهرها واللّجام، وقد جمع الرّواض, فلم يكن لهم حيلة في ركوبها، فقال بعض ندمائه: ألا تبعث إلى الحسن حتّى يجيء؟ فإمّا أن يركبها، وإمّا أن تقتله. فبعث إلى أبي محمّد الحسن، ومضى معه أبي، فلمّا دخل الدّار، كنت مع أبي، فنظر أبو حمّد إلى البغلة، واقفة في صحن الدّار، فوضع يده على كتفها، فتعرّقت البغلة. ثمّ صار إلى المستعين، فرحّب به، وقرّب, فقال: ألجم هذا البغل، فقال أبو محمّد لأبي: ألجمه. فقال المستعين: ألجمه أنت، فوضع أبو محمّد طيلسانه4، ثمّ قام فألجمه، ثمّ رجع إلى مجلسه. ثمّ قال: يا أبا محمّد أسرجه. فقال أبو محمّد عليه السلام لأبي: أسرجه. فقال المستعين: أسرجه أنت، يا أبا محمّد. فقام ثانية، فأسرجه، ورجع، فقال: ترى أن تركبه. قال: نعم، فركبه أبو محمّد من غير أن تمتنع عليه، ثمّ ركضها في الدّار، ثمّ حمله على الهملجة5، فمشى أحسن مشي، ثمّ نزل، فرجع إليه، فقال المستعين: قد حملناك عليه. فقال أبو محمّد لأبي: خذه فأخذه أبي، وقاده6. ج ـ وقد همّ الزّبيريّ بذلك أيضاً: روى الطّبرسيّ، عن أحمد بن محمّد بن عبد الله، قال: خرج عن أبي محمّد عليه السلام حين قُتِل الزّبيريّ: هذا جزاء من اجترأ على الله في أوليائه. زعم: أنّه يقتلني وليس لي ولد، فكيف رأى قدرة الله فيه؟!7 والزّبيريّ هذا، هو المعتزّ العبّاسيّ. د ـ والمهتدي العبّاسيّ، قد همّ بذلك أيضاً: وعزم المهتدي أيضاً في أيّام خلافته على قتل الإمام عليه السلام، ولكنّ الله دفع شرّه ببركة دعاء الإمام نفسه عليه السلام، فشغله الله بنفسه، حتّى قُتِل على يد الأتراك. روى المجلسيّ عن الصّيمريّ عن أبي هاشم، قال: كنت محبوساً عند أبي محمّد عليه السلام في حبس المهتدي، فقال لي: يا أبا هاشم, إنّ هذا الطّاغي أراد أن يعبث بالله عزّ وجلّ في هذه اللّيلة، وقد بتر الله عمره، وجعله للقائم من بعده، ولم يكن لي ولد, وسأرزق ولداً. فلمّا أصبحنا، شغب الأتراك على المهتدي، وأعانهم الأمّة؛ لمّا عرفوا من قوله بالاعتزال والقدر، وقتلوه، ونصّبوا مكانه المعتمد، وبايعوا له، وكان المهتدي قد صحّح العزم على قتل أبي محمّد عليه السلام، فشغله الله بنفسه، حتّى قُتِل، ومضى إلى أليم عذاب الله. هـ - السّعي لقتل الإمام عليه السلام، لقطع نسل الإمامة: وممّا يشهد على أنّ الإمام عليه السلام لم يمت حتف أنفه: أنّ الخلفاء العبّاسيّين، وخاصّة المعتمد العبّاسيّ، كانوا حريصين على تنفيذ جريمة قتل الإمام العسكريّ عليه السلام، من أجل قطع استمرار سلسلة الإمامة الطّاهرة. هذا ما أكّده الإمام عليه السلام لنا، حينما وُلِدَ ولده القائم المنتظر عجل الله تعالى فرجه الشريف.
فقد روى الشّيخ الطّوسيّ،
في كتاب الغيبة عن الكلينيّ، رفعه، قال: قال أبو محمّد عليه السلام: حين وُلِدَ
الحجّة عليه السلام زعم الظّلمة أنّهم يقتلونني، ليقطعوا هذا النّسل، فكيف رأوا
قدرة الله؟ وسمّاه المؤمّل.
وكان المعتمد ينقل الإمام العسكريّ من سجن إلى سجن، حتّى نُقل الإمام عليه السلام إلى سجن عليّ بن أوتاش، وكان شديداً على آل أبي طالب، ولكنّ الإمام عليه السلام وعظه، وحذّره غضب الجبّار، فما مضى يوماً على وجود الإمام عليه السلام عنده، حتّى وضع خدّه لأبي محمّد عليه السلام، وكان لا يرفع بصره، إجلالاً وإعظاماً له. المصيبة: وخرج الإمام عليه السلام من عنده، وهو أحسن النّاس بصيرة، وأحسنهم قولاً فيه، ثمّ سلّموا الإمام عليه السلام إلى شخص آخر، شديد العداوة لآل محمّد سلام الله عليهم، اسمه نحرير، وكان يُضيّق على الإمام عليه السلام، ويؤذيه. فقالت له امرأته: ويلك، اتّق الله، فإنّك لا تدري من في منزلك, وإنّي أخاف عليك منه, وذكرت له صلاحه وعبادته، فاشتدّ عداوة، وقال: والله، لأرمينّه بين السّباع والأسود، ثمّ استأذن في ذلك الخليفة، فأذن له, فرمى الإمام عليه السلام بين السّباع والأُسود، ولم يشكّ في أكلها إيّاه، فنظر إلى الموضع ليعرف الحال، فوجد الإمام عليه السلام قائماً يُصلّي، والسّباع حوله تلوذ به، ولم يزل ثلاثة أيّام بين الأُسود، وهو يُصلّي، فأخرجه بعد ذلك إلى سجن آخر، فما زال يُنقل من سجن إلى آخر. عُمَره يا ويلي تسعة وعشرين ما زاد ومدَّة حياته ما اهتنى بشرب ولا زاد بسّ في السّجون معذِّبينَه قوم ا لأوغاد من سجن لآخر يا ويلي ياخذونَه إلى أن دسّ إليه المعتمد سُمّاً قاتلاً، وضعه له في الطّعام, فوقع الإمام عليه السلام مريضاً، وطال مرضه ثمانية أيّام، وجسمه يزداد ضعفاً، والآلام تشتدّ عليه، فيُغشى عليه ساعة بعد ساعة. - حالة الاحتضار، برواية النّوبختيّ: روى الشّيخ الطّوسيّ، بسنده عن إسماعيل النّوبختيّ، قال: دخلت على أبي محمّد الحسن بن عليّ عليهما السلام، في المرضة الّتي مات فيها ـ وأنا عنده ـ إذ قال لخادمه عقيد، وكان الخادم أسود نوبيّاً، قد خدم من قبله عليّ بن محمّد عليهما السلام، وهو ربيّ الحسن عليه السلام، فقال: يا عقيد اغلِ ماءً بمصطكى8 ، فأغلى له، ثمّ جاءت به صقيل الجارية، أمّ الخلف عليه السلام، فلمّا صار القدح في يديه، وهمّ بشربه، فجعلت يده ترتعد، حتّى ضرب القدح ثنايا الحسن عليه السلام، فتركه من يده، وقال لعقيد: ادخل البيت فإنّك ترى صبيّاً ساجداً، فأتني به. قال أبو سهل: قال عقيد: فدخلت أتحرّى؛ فإذا أنا بصبيّ ساجد، رافع سبّابته نحو السّماء، فسلّمت عليه، فأوجز في صلاته، فقلت: إنّ سيّدي يأمرك بالخروج إليه، إذ جاءت أُمّه صقيل، فأخذت بيده وأخرجته إلى أبيه الحسن عليه السلام. قال أبو سهل: فلمّا مثل الصّبيّ بين يديه، سلّم، وإذا هو دُريّ اللّون، فلمّا رآه الحسن عليه السلام، بكى، وقال: يا سيّد أهل بيته، اسقني الماء، فإنّي ذاهب إلى ربّي، وأخذ الصّبيّ القدح المغليّ بالمصطكى بيده، ثمّ حرّك شفتيه، ثمّ سقاه، فلمّا شربه، قال: هيّئوني للصّلاة، فطرح في حجره منديل، فوضّأه الصّبيّ واحدة واحدة، ومسح على رأسه وقدميه، فقال له أبو محمّد عليه السلام: أبشر يا بنيّ، فأنت صاحب الزّمان، وأنت المهديّ، وأنت حجّة الله على أرضه. أقول: سيّدي يا صاحب الزّمان، قدّمت ماءً لأبيك العسكريّ عليه السلام، سيّدي لكن جدّك الحسين عليه السلام، نادى يوم العاشر من محرّم: "يا قوم، اسقوني جرعة من الماء، فلقد تفتّت كبدي من شدّة العطش"، سيّدي لم يُبلّل شفتيه بقطرة ماء... سيّدي حرموه الماء وأجابوه: يا حُسين، لن تذوق الماء حتّى ترد الحامية، فتشرب من حميمها، قال: "أنا أرد الحامية؟! لا والله، بل أرد على جدّي رسول الله، فيسقيني بكأسه الأوفى شربة لا أظمأُ بعدها أبداً". نعم، كانت عنده زينب عليها السلام، ساعد الله قلب زينب عليها السلام، عَزَّ عليها أن تنظر إلى أخيها الحسين عليه السلام، عيناه غائرتان في أُمّ رأسه، شفتاه ذابلتان من العطش، لسانه كالخشبة اليابسة، يعزُّ على زينب أن تنظر إلى أخيها بتلك الحالة، تريد أن تُقدّم الماء إليه، ولكن من أين تأتيه بالماء؟ يا ناس درب المشرعَة امنين أنا عطشان اخَيّي يا مسلمين أنا بعيني لجيب الماي لحسين خوي أنا ما بعيني دَمع واسقيك يـا نور عيني اشْبيدي عليكْ خواتك تريد الجيّه ليكْ ساعة احتضار إمامنا العسكريّ عليه السلام، جلس ولده إمامنا صاحب الزّمان عجل الله تعالى فرجه الشريفعند رأسه، ولكن أسفي على غريب كربلاء، من الّذي أخذ برأسه؟ بقي رأسه على وسادة من التّراب، خدّه على وسادة من التّراب، خدّه الأيمن على وجه التّراب، وخدّه الأيسر تحت حرارة الشّمس! نعم، الّتي جاءت إليه، وجلست عند رأسه أخته زينب ولكن عزّ عليها أن تنظر إلى أخيها الحسين (سلام الله عليه) على وجه التّراب تحت أشعّة الشّمس. لنوحن وقــضّي العـمر بالنّوح واعمي عيوني واتلف الرّوح اشلون الصّبر وحـسين مذبوح وجسمه على التّربان مطروح خوي على فراقك لحرّم لذّة العيش عقب فقدك يا خوي حسين ما عيش يخويه واصواب كلمن مات بالرّيش وجـمرك بالقلب يا خوي يسعر بعد ذلك قام إمامنا، وصاحب زماننا عجل الله تعالى فرجه الشريف، بتجهيز أبيه، وصلّى على أبيه عليه السلام، عظّم الله لك الأجر، مولانا يا صاحب الزّمان، أنت الّذي صلّيت على جنازة أبيك عليه السلام، لكن من الّذي صلّى على جثمان جدّك الحسين عليه السلام؟ صَلَّتْ عَلَى جِسْمِ الحُسَيْنِ سُيُوفُهُمْ فَغَدَا لِسَاجِدَةِ الظُّبَا مِحْرَابَا وبمجرّد أن رُفعت الجنازة، هجموا على دار إمامنا العسكريّ عليه السلام، انتهبوا أمواله، وأخذوا جواريه! أقول: سيّدي يا صاحب الزّمان، هذه ليست المرّة الأولى، الّتي يُهجم فيها على داركم، نعم، قبل ذلك لمّا سقط إمامنا الحسين عليه السلام على رمضاء كربلا، هجموا على خيامه، وأحرقوها بالنَّار، وسلبوا عياله
هجمت بني أميّة على
خيام النّساوين هاي سلبوها وذيك لطموها على
العين
تَسْتَنْهِضُ العَبَّاسَ مِنْ آلامِها وتَقُولُ قُمْ واحْمِي الحِمَى بِالمِخْذَم هَذِي أُمَيَّةُ أَقْبَلَتْ بَخُيُولِها والنَّارُ تَحْمِلُهَا لِحَرْقِ مُخَيَّمِي
*مجالس
الأئمة المعصومين(ع)1 , سلسلة مجالس العترة, نشر: جمعية المعارف الإسلامية الثقافية
1- القصيدة للّشيخ
محمّد سعيد المنصوريّ
2- الإرشاد ص345. 3- البحار، ج50، ص312. 4- في المنجد: الطّيلسان: كساء أخضر يلبسه الخواص من المشايخ والعلماء. 5- في المنجد: هملج هملجةً البرزون (أي الدّابة): مشى مشية سهلة في سرعة. 6- ألقاب الرّسول وعترته، ص237. 7- إعلام الورى بأعلام الهدى، ص414. 8- المصطكى: شجر له ثمر يميل طعمه إلى المرارة. | |||
لإمام العسكري والتمهيد لإمامة المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف
بواسطة:أدمن
12:44 ص
إمامة الحسن العسكري عليه السلام وظروفها السياسية
تميزت فترة إمامة الحسن العسكري عليه السلام بالأهمية القصوى لأن مهمتها كانت التمهيد لإمامة الإمام المهديعجل الله تعالى فرجه الشريف والنص على إمامته وتعريف الشيعة به والتمهيد لغيبته وربط الوكلاء به والتنسيق لاستمرار الارتباط الصحيح به، بحيث لا تنهار كل الأواصر التي أوجدها الأئمة الأطهار مع شيعتهم، ولا يتفتت الكيان الذي أسسوه على مدى قرنين ونصف من النشاط المباشر في تربية أتباعهم وضرورة الانتقال بهم من الارتباط المباشر إلى الارتباط غير المباشر، مع المحافظة على استقلال الكيان الشيعي في الوسط غير الشيعي الذي يهدد وجودهم... كل هذه النقاط تشير إلى دقة وحراجة الظرف الذي كان يعيشه الإمام الحسن العسكري عليه السلام، حيث كان عليه أن يقوم بكل التمهيدات اللازمة خلال هذه الفترة القصيرة من مدة إمامته والتي لم تتجاوز الست سنوات، عاش خلالها الإمام عليه السلام ظروفاً حرجة لقيام العباسيين بمراقبة تحركات المعصومين عن كثب ومحاولتهم السيطرة على كل نشاطاتهم وهم يتوقعون كسائر المسلمين ولادة المهدي المنتظر من نسل الحسين بن علي عليهما السلام. من هنا ينبغي الوقوف بدقة على كل الإجراءات التي قام بها الإمام الهاديعليه السلام لإعلان وتثبيت إمامة ابنه الحسن العسكري عليه السلام خلال فترة إمامته التي دامت 34 سنة والتي رافقها مثلَ نجله محمد المعروف بالفضل وجلالة القدر، ووجود الأرضية للانشقاق داخل الخط الشيعي كما حدث ذلك في حياة الإمام الصادق عليه السلام بالنسبة لابنه إسماعيل. وقد عاصر الإمام العسكري عليه السلام أعواماً عصيبة من الخلافة العباسية مع سلاطين مستبدين توالوا على عرش الدولة منذ أن قدم سامراء مع أبيه الإمام الهادي عليه السلام أيام المتوكل عام (243هـ). وأهم ظواهر هذا العصر، النفوذُ الذي تمتع به الأتراك الذين غلبوا الخلفاء في سلب زمام إدارة الدولة، وما اتصفوا به من سلوك شائن في التعامل مع الأهالي، وقد اضطر سابقاً المعتصم لنقل عاصمة الخلافة من بغداد إلى سامراء بسبب سلوك الأتراك السيئ وشكاية أهالي بغداد منهم، فضلاً عن قدرة الأتراك التي تمثلت في خلع وتعيين الخلفاء1. ويمكن إجمال أهم مظاهر الحياة السياسية لذلك العصر الذي عاشه الإمام العسكري عليه السلام بما يلي: 1- تدهور الوضع السياسي للدولة العباسية حيث تم استيلاء الموالي والذين كان أغلبهم من الأتراك، وسيطرتهم على مقاليد السلطة في العاصمة والأمصار. 2- اللهو والمجون وحياة الترف التي كان يحياها الخليفة وأتباعه. 3- حوادث الشغب والفتن التي حدثت في بغداد. 4- الحركات الانفصالية في أطراف الدولة والتي يعود سببها إلى ضعف سلطان الخليفة، وكثرة حوادث الخروج على الدولة. وقد أطلق المؤرخون على هذا العصر عصر ( إمرة الأمراء)2، ثم عصر الدول المستقلة كما هو الحال بالنسبة لإمارة الحمدانيين والبويهيين والدولة الصفارية (254هـ) والدولة السامانية (261 - 389هـ) وغيرها.. مما أدى إلى تفكك وسقوط الدولة العباسية سنة (656هـ). الإمام العسكري عليه السلام وحكام عصره عاصر الإمام العسكري عليه السلام ثلاثة من خلفاء الدولة العباسية هم: المعتز - المهتدي - المعتمد. أما المعتز فقد كان مسلوب السلطة ضعيف الإرادة أمام الأتراك، ويتضح ذلك مما رواه ابن طباطبا حيث قال: "ولما جلس المعتز على سرير الخلافة حضر خواصه وأحضروا المنجمين وقالوا لهم: انظروا كم يعيش وكم يبقى في الخلافة، وكان بالمجلس بعض الظرفاء فقال: أنا أَعرف من هؤلاء بمقدار عمره وخلافته، فقالوا: فكم تقول إنه يعيش وكم يملك؟ قال: مهما أراد الأتراك. فلم يبق أحد إلا ضحك"3. والمعتز هو قاتل الإمام الهادي عليه السلام. وكانت سياسته امتداداً لسياسة المتوكل في محاربة أئمة أهل البيت عليهم السلام والشيعة. وقد خلعه الأتراك عن الحكم وقتلوه لأنه منعهم أرزاقهم. أما المهتدي العباسي، فقد ولي الخلافة بعد مقتل أخيه المعتز سنة (255هـ)، وتصنع الزهد والتقشف محتذياً سيرة عمر بن عبد العزيز، في محاولة منه لإغراء الناس وتغيير انطباعهم عن الخلفاء العباسيين، ولإبعاد الأنظار عما تحلى به بنو هاشم وفي مقدمتهم الإمام الحسن العسكري عليه السلام، الذي عُرف بتقواه وورعه ومواساته للأمة في ظروفها القاسية. والشاهد على ذلك أن الظروف المحيطة بالإمام العسكري عليه السلام وأصحابه في عهد المهتدي لم تكن أحسن مما كانت عليه من الشدة والنفي والتهجير والقتل إبان عهدَي المعتز والمتوكل ومن سبقهما من خلفاء الدولة العباسية. ثم عاصر الإمامعليه السلام المعتمد العباسي، الذي انهمك في اللهو والملذات واشتغل عن الرعية فكرهه الناس بشدة. وكان المعتمد ضعيفاً قد وقع أيضاً تحت تأثير الأتراك وفي عصره وقعت أحداث مهمة، منها: 1- ثورة الزنج: بدأت في البصرة وامتدت إلى الأهواز وعبادان وغيرهما، وصحبها قتل ونهب، وسلب، وإحراق مما أدى إلى اضطراب الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية. وتمكنت السلطة من القضاء على الثورة بعد أن كلفها ذلك الكثير من الأموال والجند. وقد ادعى صاحب الزنج علي بن محمد أنه ينتسب إلى الإمام علي عليه السلام، ولكن الإمام العسكري عليه السلام كذب هذا الادعاء، وقال: "صاحب الزنج ليس منا أهل البيت"4. 2- حركة ابن الصوفي العلوي: وقد ظهر في صعيد مصر إبراهيم بن محمد من ولد عمر بن علي بن أبي طالب، ويعرف بابن الصوفي. وجرت معارك بينه وبين جيش الدولة بقيادة ابن طولون اقتتلوا فيها قتالاً شديداً فقتل من رجال ابن الصوفي الكثير وانهزم، ثم كانت وقعة أخرى مع جنده عام (259هـ) وانهزم ابن الصوفي أيضاً إلى المدينة وأُلقي القبض عليه وأُرسل إلى ابن طولون في مصر5. 3- ثورة علي بن زيد في الكوفة: كانت حركته في الكوفة سنة (256هـ) واستولى عليها وأزال عنها نائب الخليفة، واستقر بها. وسير إليه المعتمد الشاه بن مكيال في جيش كثيف فالتقوا واقتتلوا وانهزم الشاه وقتل جماعة كثيرة من أصحابه ثم وجه المعتمد كيجور التركي لمحاربته. وقد أرسل كيجور إلى علي بن زيد يدعوه إلى الطاعة وبذل له الأمان وطلب علي بن زيد أموراً لم يجبه كيجور إليها، فخرج علي بن زيد من الكوفة وعسكر في القادسية فبلغ خبره كيجور فاشتبكا وانهزم علي بن زيد وقُتل جماعة من أصحابه6. إلى غير ذلك من الأحداث المهمة التي وقعت آنذاك. وسار المعتمد على نهج أسلافه وسعى بمحاولات عديدة للتخلص من الإمام العسكري عليه السلام، ومنها لما أمر يحيى بن قتيبة الذي كان يُضيق على الإمام عليه السلام برميه عليه السلام للسباع ظناً منه أنها سوف تقتله، إلا أن يحيى أتاه بعد ثلاث ساعات فوجده يصلي، والأسود حوله7. التمهيد لإمامة الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف عمل الإمام العسكري عليه السلام على التمهيد لإمامة ولده الإمام المهديعجل الله تعالى فرجه الشريف عبر عدة أساليب منها: أ - كتمان ولادة الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف لقد كتم الإمام العسكري عليه السلام ولادة الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف خوفاً عليه من السلطة التي كانت تنتظر ولادته وهي تعلم أن المهدي المنتظر هو ابن الحسن العسكري عليه السلام، وأنه المدخر للقضاء على الظلم وإنهاء دور الاستبداد في الحياة وإقامة العدل والانتصار للمستضعفين. وكان الإمام العسكري عليه السلام، قد أمر خاصة شيعته كأحمد بن إسحاق وغيره، حينما بشرهم بولادته عليه السلام أن يكتموا أمره ويستروا ولادته عن الآخرين، فقال عليه السلام: "ولد لنا مولود فليكن عندك مستوراً وعن جميع الناس مكتوماً"8. كما أن الإمام الحسن العسكري عليه السلام قبيل ولادته قد بعث إلى "حكيمة" عمته بنت الإمام الجوادعليه السلام ليلة النصف من شعبان وقال لها: "يا عمة اجعلي إفطارك عندي، فإن الله عز وجل سيسرك بوليه وحجته على خلقه، خليفتي من بعدي". قالت حكيمة: فتداخلني لذلك سرور شديد، وأخذت ثيابي علي، وخرجت من ساعتي حتى انتهيت إلى أبي محمدعليه السلام وهو جالس في صحن الدار وجواريه حوله، فقلتُ: جُعلت فداك يا سيدي، الخَلَفُ ممن هو؟ قال: "من سوسن". فأدرت طرفي فيهن فلم أرَ جارية عليها أثر، غير سوسن9. فنرى الإمام العسكري عليه السلام مع ما اتخذه من إجراءات احتياطية حول ولادة الإمام وأمره لمن اطلع على ولادته المباركة، أن يكتم ما شاهد، أنهعليه السلام كان يبشر شيعته بولده المبارك وخليفته، ولكن ذلك كان في دائرة الجماعة الخلص من شيعته ومواليه الذين يؤتمنون على مثل هذا الأمر. ب - إخبار خواص الشيعة بولادة الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف وعرضه عليهم وممن رأى الإمام الحجة المنتظر بعد ثلاثة أيام من ولادته من خواص الإمام العسكري عليه السلام علي بن بلال، ومحمد بن معاوية بن حكيم، والحسن بن أيوب بن نوح وغيرهم، وقد قال لهم الإمام العسكري عليه السلام - بعد أن عرضه عليهم: "هذا صاحبكم من بعدي وخليفتي عليكم، وهو القائم الذي تمتد إليه الأعناق بالانتظار، فإذا امتلأت الأرض جوراً وظلماً خرج فملأها قسطاً وعدلاً"10. وقد سأل أحمد بن إسحاق الإمام العسكري عليه السلام قائلاً: يا مولاي فهل من علامة يطمئن إليها قلبي؟ فنطق الغلام بلسان عربي فصيح فقال: "أنا بقية الله في أرضه والمنتقم من أعدائه فلا تطلب أثراً بعد عين يا أحمد بن إسحاق"، فقال أحمد بن إسحاق: فخرجت مسروراً فرحاً....11 ج - النص على إمامة المهديعليه السلام وغيبته والإشهاد على ذلك قدم وفد من أربعين شخصاً من الموالين لآل البيت عليهم السلامإلى سامراء وحضروا في بيت الإمام العسكري عليه السلام ليسألوه عن الحجة من بعده، وفي مجلسه أربعون رجلاً، فقام إليه عثمان بن سعيد بن عمرو العمري فقال: يا بن رسول الله أريد أن أسألك عن أمرٍ أنت أعلم به مني، فقالعليه السلام: "اجلس يا عثمان" وقام مغضباً ليخرج، فقال عليه السلام: "لا يخرجن أحد - فلم يخرج أحد- إلى أن كان بعد ساعة، فصاحعليه السلام بعثمان فقام على قدميه، فقال عليه السلام: "أخبركم بما جئتم؟". قالوا: نعم يا بن رسول الله، قال: "جئتم تسألونني عن الحجة من بعدي". قالوا: نعم، فإذا بالإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف كأنه قطعة قمر أشبه الناس بأبي محمدعليه السلام فقال الإمام الإمام العسكري عليه السلام: "هذا إمامكم من بعدي وخليفتي عليكم أطيعوه. ولا تتفرقوا من بعدي فتهلكوا في أديانكم، ألا وإنكم لا ترونه من بعد يومكم هذا حتى يتم له عمر، فاقبلوا من عثمان ما يقوله، وانتهوا إلى أمره واقبلوا قوله، فهو خليفة إمامكم والأمر إليه"12. وقد اشتمل هذا النص - بعد التعريف بالإمام المهديعجل الله تعالى فرجه الشريف - على الإشارة إلى وكالة عثمان بن سعيد العمري، لأنهم لا يرون الإمام المنتظرعجل الله تعالى فرجه الشريف بعد رؤيتهم هذه، كما تضمن النص على إمامته وأنه الخلف والحجة بعد الإمام العسكري عليه السلام. ولم يترك الإمام العسكري عليه السلام فرصة إلا واستغلها للنص على إمامة ولده، والتعريف بأمره وبغيبته، بعد أن أسس لنظام الوكالة والنيابة عن الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف. الخلاصة - إمامة الإمام العسكري عليه السلام كانت التمهيد الأساس لولادة وإمامة الإمام المهديعجل الله تعالى فرجه الشريف. - قام الإمام العسكري عليه السلام بتعريف الشيعة بالإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف، وغيبته، وربط الوكلاء به. - عاصر الإمام عليه السلام أعواماً عصيبة من الخلافة العباسية مع سلاطين مستبدين، تولوا حكم الدولة منذ أن قدِم إلى سامراء مع أبيه الهادي عليه السلام. - من مميزات عصر الإمام عليه السلام استيلاء الأتراك على الحكم وتدهور الوضع السياسي للدولة العباسية، وسيطرة حياة اللهو والترف، وكثرة حوادث الشغب والفتن، والحركات الانفصالية. - حصلت في عهد الإمام عليه السلام ثورات عديدة منها: ثورة الزنج، وحركة ابن الصوفي العلوي، وثورة علي بن زيد في الكوفة. - قام الإمام عليه السلام بإجراءات متعددة للتمهيد لإمامة المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف منها: 1- كتمان ولادة الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف. 2- إخبار خواص الشيعة بولادة الإمام عجل الله تعالى فرجه الشريف وعرضه عليهم. 3- النص على إمامته عجل الله تعالى فرجه الشريف وغيبته والإشهاد على ذلك. * بحوث في الحياة السياسية لأهل البيت عليهم السلام، سلسلة المعارف الإسلامية، نشر: جمعية المعارف الإسلامية الثقافية
1- الكامل في التاريخ،
م.س: 4/301.
2- تأريخ الإسلام السياسي، د. حسن إبراهيم: 3/26 وما بعدها. 3- الفخري في الآداب السلطانية، ابن طباطبا:221. 4- كشف الغمة، م.س: 2/424. 5- الكامل في التاريخ، م.س: 4/432 ـ 433. 6- م.ن: 4/447. 7- المناقب، م.س: 3/530. 8- كمال الدين، م.س: 2/434. 9- الغيبة، للشيخ محمد بن الحسن الطوسي، 241. منشورات مؤسسة المعارف الإسلامية، إيران قم، ط1، 1411هـ. 10- كمال الدين، م. س: 2/308. 11- م.ن: 2/431. 12- الغيبة، الطوسي، م.س: 217. | |
الإمام الحسن بن علي العسكري عليه السلام
بواسطة:أدمن
12:40 ص
الولادة: ولد في المدينة في الثامن من ربيع الاخر سنة 232 وهو القول المشهور
في ولادته1.
الشهادة: استشهد يوم الجمعة الثامن من ربيع الأول سنة 260 وعمره 28 عاماً. مدة الإمامة: بقي بعد أبيه نحو ست سنين وهي مدة إمامته 260 254ه. ألقابه: التقي، المرضي، النقي، الرفيق، الزكي، الصامت، الهادي، السراج، العسكري2، الخالص. كنيته: أبو محمد. نقش خاتمه: (سبحان من له مقاليد السموات والأرض)، (أنا للّه شهيد)، وقيل: (أنا اللّه شهيد). مدفنه: دفن مع أبيه الهادي في سامراء.
*محطات من
سيرة اهل البيت، سلسلة الدروس الثقافية ، نشر: جمعية المعارف الإسلامية الثقافية
1- قال الحر العاملي
في منظومته: مولده شهر ربيع الاخر وذاك في اليوم العاشر في يوم الاثنين وقيل الرابع
وقيل الثامن وهو الشائع(الأنوار البهية، ص250).
2- قال الشيخ الصدوق (رض) : سمعت مشايخنا رضي اللَّه عنهم يقولون: إن المحلة التي يسكنها الإمامان علي بن محمد والحسن بن علي عليهما السلام بسر من رأى كانت تسمى العسكر، فلذلك قيل لكل واحد منهما العسكري: علل الشرائع، ج1، ص230. | |
الخميس، 3 ديسمبر 2015
أدب التواصل
بواسطة:أدمن
9:47 ص
قال الله تعالى: ﴿يَا
أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى
وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ
عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾1.
إنّها دعوة لتواصل الناس بعضهم مع بعض, ليتعاونوا من أجل بناء صرح المجتمع الإنسانيّ. اهتمامًا بذلك طرح الإسلام جملة من الآداب المتعلّقة بالتواصل مع الآخرين، نعرض منها ما يتعلّق بالأمور الآتية: - المظهر - نبرة الصوت - الكلام - المصافحة - الأدب في المظهر دعت الأحاديث الشريفة عند التواصل مع الأصدقاء والأخوة إلى إظهار السعادة والاهتمام باللقاء، وذلك من خلال أمور منها:
التبسّم وإظهار الفرح
لا شكّ أنّ اللقاء الأوّل وما يتخلّله يعطي انطباعًا أوّليًّا له أثره المهمّ في النظرة إلى الآخر، لذا دعت الأحاديث الشريفة إلى التعبير عن السعادة بلغة الجسد، فعن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: "يا بني عبد المطلب، إنّكم لن تسعوا الناس بأموالكم، فالقوهم بطلاقة الوجه، وحسن البشر"2. وعن الإمام الصادق عليه السلام: "ثلاث من أتى الله بواحدة منهن ّأوجب الله له الجنَّة: الإنفاق من إقتار، والبِشْر لجميع العالم، والإنصاف من نفسه"3. وعن الإمام الصادق عليه السلام، "أتى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رجل، فقال: يا رسول الله، أوصني، فكان فيما أوصاه أن قال: الْقَ أخاك بوجه منبسط"4. وبيّن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أثر اللقاء بالبِشْر والتبسّم في إيجاد المحبّة بين الناس، فعنه صلى الله عليه وآله وسلم: "ثلاث يُصْفين ودّ المرء لأخيه المسلم: يلقاه بالبشر إذا لقيَه"5. كما بيّن أجر ذلك عند الله تعالى، فعنه صلى الله عليه وآله وسلم: "تبسّمك في وجه أخيك صدقة"6. وهذه الأحاديث تتلاقى مع المثل اللبنانيّ القائل: "لاقيني وما تطعميني". وفي مقابل هذا حذّرت الأحاديث من العبوس في وجه من تلقاه من الأصدقاء والأخوة، فعن النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: "إنّ الله يبغض المعبس في وجه إخوانه"7. وفي حديث آخر عن ...: "البخل وعبوس الوجه يبعدان من الله"8. التزيّن إنّ استقبال الأخ بلباس حسن يعبِّر عن الاهتمام به، لذا ورد عن الإمام عليّ عليه السلام: "ليتزيّن أحدكم لأخيه المسلم، كما يتزيّن للغريب الذي يحبّ أن يراه في أحسن الهيئة"9. نبرة الصوت أرشد القرآن الكريم إلى أدب خفض الصوت أثناء محادثة الآخرين، قال تعالى: ﴿وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾10. وفي الحديث عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: "إنّ الله لا يحبّ الفاحش المتفحّش، ولا الصيّاح في الأسواق"11. طيب الكلام دعت الأحاديث إلى انتقاء الكلمات الطيّبة في التواصل مع الآخرين على قاعدة القول الجميل: "البِرّ شيء هيّن، وجه طليق، وكلام ليّن". فعن ابن محبوب عن بعض أصحابه عن الإمام الصادق عليه السلام: قلت له: ما حدّ حسن الخلق؟ قال: "تليّن جناحك، وتطيّب كلامك، وتلقى أخاك ببشر حسن"12. والبدء في الكلام الطيّب بالتحيّة، فعن الإمام الصادق عليه السلام: "من قال لأخيه المؤمن: مرحبًا، كتب الله تعالى له مرحبًا إلى يوم القيامة"13. وقد بيّن الإمام الصادق عليه السلام مكانة السلام بقوله: "إنّ المؤمن ليمرّ بالمؤمنين، فيسلّم عليهم، فتردّ الملائكة: سلام عليك، ورحمة الله وبركاته أبدًا"14.
* كتاب كيف نتواصل مع الناس؟، سماحة الشيخ أكرم بركات.
1- سورة الحجرات، الآية 13.
2- الكلينيّ، محمّد، الكافي، ج2، ص 103. 3- المصدر السابق، ص 103. 4- المصدر السابق، ص 103. 5- المصدر السابق، ص 643. 6- الريشهريّ، محمّد، ميزان الحكمة، ج2، ص 1597. 7- البروجرديّ، حسين، جامع أحاديث الشيعة، ج15، ص 526. 8- الكلينيّ، محمّد، الكافي، ج2، ص 103. 9- الكلينيّ، محمّد، الكافي، ج6، ص 440. 10- سورة لقمان، الآية 19. 11- البخاري، محمد، الأدب المفرد، ط1، بيروت، مؤسّسة الكتب الثقافيّة، 1986، ص 74. 12- الكلينيّ، محمّد، الكافي، ج2، ص 103. 13- المصدر السابق، ص 206. 14- المجلسيّ، محمّد باقر، بحار الأنوار، ج 73، ص 6. | |
أدب المجلس
بواسطة:أدمن
9:46 ص
|
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ﴾1.
اهتمّ الإسلام بمجالس الناس، فدعا إلى بعضها، ونهى عن بعضها الآخر، ورسم لها آدابًا وسُننًا. المجالس التي نهى الإسلام عنها نهى الإسلام عن اختيار بعض المجالس، والاستمرار في القعود فيها، من هذه المجالس: 1- مجالس الاستهزاء بالمقدّسات قال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾2. 2- مجالس الغيبة عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فلا يجلس في مجلس يُسبّ فيه إمام، أو يُغتاب فيه مسلم"3. 3- مجالس الخمر عن الإمام عليّ عليه السلام: "لا تجلسوا على مائدة يُشرب عليها الخمر, فإنّ العبد لا يدري متى يؤخذ"4. 4- مجالس البطّالين في دعاء الإمام زين العابدين عليه السلام المعروف بدعاء أبي حمزة الثماليّ تمَّ طرحُ حالة سلبيّة تعترض المؤمن مع ذكر أسبابها، أمّا الحالة، فهي ما طرح في قوله عليه السلام: "ما لي كلّما قلت قد صلحت سريرتي، وقرب من مجالس التوّابين مجلسي، عرضت لي بليّة أزالت قدمي، وحالت بيني وبين خدمتك"5. وعن أسباب تلك الحالة يورد الإمام زين العابدين عليه السلام السبب الآتي: "...لعلّك رأيتني آلف مجالس البطّالين، فبيني وبينهم خلّيتني"6. والبطّال هو الذي لا يعمل مع قدرته على العمل، وقد ورد ذمّه في حديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "إنّ الله يبغض العبد البطّال، ويحبّ المؤمن المحترف .. ما أكل أحد طعامًا قطّ خيرًا من عمل يده"7. وورد عن الإمام الباقر عليه السلام "أنَّ نبيّ الله موسى عليه السلام سأل ربَّه: أيّ عبادك أبغض إليك؟ قال: جيفة بالليل، بطّال بالنهار"8. المجالس التي دعا الإسلام إليها دعا الإسلام إلى المشاركة في مجالس ذكر الله تعالى، وذكر أنبيائه وأوليائه، ومن تلك الأحاديث الداعية إلى ذلك: عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: "ارتعوا في رياض الجنّة، قالوا: يا رسول الله، وما رياض الجنّة؟ قال صلى الله عليه وآله وسلم: مجالس الذكر"9. وعنه صلى الله عليه وآله وسلم: "ما قعد عدّة من أهل الأرض يذكرون الله إلاّ قعد معهم عدّة من الملائكة"10. وعن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال لصاحبه: "يا فضيل، تجلسون وتحدَّثون؟ قال: نعم، جُعلت فداك، قال عليه السلام: إنّ تلك المجالس أحبّها، فأحيوا أمرنا يا فضيل، فرحم الله من أحيا أمرنا"11. آداب المجالس اهتمّت النصوص الإسلاميّة بتوضيح تفصيليّ لآداب المجلس الذي يدخله المسلم، وهذا ما يظهر من خلال عرض الآداب الآتية: 1- قبل المجلس قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾12. وعن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: "ابدأوا بالسلام قبل الكلام"13. 2- مكان الجلوس فصّلت الأحاديث في المكان الذي يختاره الإنسان للجلوس حينما يدخل أحدَ المجالس، وذلك في صورتين: الأولى: أنْ يُخصَّص له مجلس ويُدعى إليه، فإنّ الأولى أن لا يردّ الدعوة، باعتبار أنّ هذا يدخل في تلبية إكرام الأخ الذي دعاه، وقد يكون ذلك من باب كون المكان الذي دُعي للجلوس فيه مناسبًا أكثر من غيره لجهة عدم المواجهة لاتجاهات في المنزل لا يحسن النظر إليها، كأن يكون فيها نساء صاحب المنزل. الثانية: إنْ لم يُدعَ للجلوس في مكان خاصّ، فإنّ الأولى أن يختار المكان الذي ينتهي به المجلس، بغضّ النظر عن موقعه، بحيث يكون ذلك المكان فيه فسحة له وللآخرين. وفي ما مرّ ورد عن النبيّ الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم: "إذا أخذ القوم مجالسهم، فإنْ دعا رجل أخاه، وأوسع له في مجلسه فليأته، فإنّما هي كرامة أكرمه بها أخوه، وإن لم يوسع له أحد، فلينظر أوسع مكانٍ يجده فيجلس"14. وفي حديث نبويّ آخر: "إذا أتى أحدكم مجلسًا، فليجلس حيث ما انتهى مجلسه"15. وفي المقابل دعا الله تعالى الحاضرين إلى الإفساح في المجالس للقادمين، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ﴾16. كما ورد عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أنّ من آداب لقاء من يريد الجلوس التزحزح له، فعنه صلى الله عليه وآله وسلم: "إنّ حقّ المسلم على المسلم إذا رآه يريد الجلوس إليه أن يتزحزح له"17. 3- كيفيّة الجلوس دعت الأحاديث الشريفة إلى كون الجلوس لائقًا، يتناسب مع احترام الحاضرين، ففي أوصاف النبيّ الأسوة: "ما رُئي مقدِّمًا رجله بين يدي جليس له قطّ"18. وفي أوصاف الإمام الرضا القدوة: "ما رأيته... مدّ رجليه بين يدي جليس له قطّ، ولا اتكى بين يدي جليس له قطّ"19. 4- عدم التناجي نبّهت بعض الروايات إلى عادةٍ سلبيّة قد تؤذي الجالس، وهي التناجي سرًّا بين اثنين دون أن يسمعهما الثالث، فعن الإمام الصادق عليه السلام: "إذا كان القوم ثلاثة، فلا يتناجى منهم اثنان دون صاحبهما, فإنّ في ذلك ما يحزنه ويؤذيه"20. 5- أمانة المجلس أكّدت بعض الأحاديث على حفظ ما يكون في المجلس باعتباره أمانة، وإفشاؤه خيانة، فعن النبيّ محمّد صلى الله عليه وآله وسلم: "المجالس بالأمانة، وإفشاؤك سرّ أخيك خيانة، فاجتنب ذلك"21.
* كتاب كيف نتواصل مع الناس؟، سماحة الشيخ أكرم بركات.
1- سورة المجادلة، الآية 11.
2- سورة النساء، الآية 140. 3- الأهوازي، الحسين، كتاب المؤمن، تحقيق ونشر مدرسة الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف، ط1 قم، 1404هـ، ص70. 4- الصدوق، الخصال، ص619. 5- الطوسي، محمد، مصباح المتهجّد، ط1، بيروت، مؤسّسة فقه الشيعة، 1411هـ، ص 588. 6- المصدر السابق نفسه. 7- مغنيّة، محمّد جواد، التفسير الكاشف، ط2، بيروت، دار العلم للملايين، 1987م، ج2، ص 321. 8- المجلسيّ، محمّد باقر، بحار الأنوار، ج13، ص 354. 9- الحلي، ابن فهد، عدّة الداعي، (لا،ط)، مكتبة وجداني، قم، (لا،ت)، ص238. 10- المصدر السابق نفسه. 11- البروجردي، حسين، جامع أحاديث الشيعة، ج10، ص 398-399. 12- سورة النور، الآية 27. 13- الكلينيّ، محمّد، الكافي، ج2، ص644. 14- الطوسي، الأمالي، ص393. 15- المجلسيّ، محمّد باقر، بحار الأنوار، ج16، ص 240. 16- سورة المجادلة، الآية 11. 17- الطبرسي، الحسن، مكارم الأخلاق، ط6، منشورات الشريف الرضي، (لا، م)، 1972م، ص25. 18- الطبرسي، الحسن، مكارم الأخلاق، ص23. 19- الصدوق، محمّد، عيون أخبار الرضا، (لا،ط)، مؤسسة الأعلميّ، بيروت، 1984م، ج1، ص197. 20- الكلينيّ، محمّد، الكافي، ج2، ص660. 21- الطوسي، محمّد، الأمالي، ص537. | |
إحذر حواسك
بواسطة:أدمن
9:45 ص
في جميع قضايا الحياة يجب التفكر والتحرك بإرشاد العقل إلا في الموارد الذي يأمرك
الشارع المقدس بعمل ما، فهناك يكون الميدان ميدان التعبد، ولا يوجد أي عامل آخر له
فاعلية حتى ولو كان العقل الإنساني.
يقول تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾1. مقدمة
تتحدث هذه الاية عن منة الله العظيمة على بني ادم والتي هي الحواس والقوى التي
تعينه في حياته المادية والمعنوية وقد علل المولى هذه الهبة وغايتها برجاء مقابلتها
من العبد بالشكر.
ومن نافل القول أن الشكر الحقيقي على أي نعمة إنما تكون بالدرجة الأولى بصرفها وتوظيفها حيث يريد المنعم الكريم الله تبارك وتعالى وعدم استعمالها فيما يضاد حكمته وإرادته. وإلى هذا المعنى يشير الإمام زين العابدين عليه السلام في رسالة الحقوق: "وأما حق نفسك عليك فأن تستوفيها في طاعة الله فتؤدي إلى لسانك حقه، وإلى سمعك حقه، وإلى بصرك حقه، وإلى يدك حقها وإلى بطنك، حقها وإلى فرجك حقه، وتستعين بالله على ذلك". إذن فللحواس حقوقاً ومعنى حقوق الحواس هو حق الله، وعلى الإنسان فيها والتي تتلخص بعدم استخدامها بخلاف إرادة الله.
فمعنى تهذيب الحواس ببساطة هو مجاهدتها لأجل إدخالها في سلك طاعة الله وبمعنى أوضح
الغاية من تحمل مسؤولية الحواس جعلها عابدة لله.
الحواس والطاعة إن اللسان والعين والأذن واليد والرجل والبطن هي أدوات لطاعة الله أو معصيته أو الكفر به وبنعمه.
وبيدنا أن نجعلها عابدة مطيعة أو عاصية متمردة، وبأيدينا أن نجعلها في سلك أهل
الولاية أو في سلك أهل المعاندة ومحاربة الله وأوليائه.
فعلى حواسنا يتجلى إيماننا القلبي وبواسطة عملها.
ثم أنا أو أنت مؤمنين حقيقةً أو غير مؤمنين بقدر طاعة هذه الحواس وخضوعها لربها.
الحواس في الدنيا والاخرة إن الحواس في الدنيا عدا اللسان عمال خرس إلا اللسان فان عمله الكلام فهي في الدنيا إما عاملة في طاعة الله أو عاصية وفي كلا الحالين هي مطيعة لصاحبها يحركها بإرادته في الطاعة أو المعصية وهي في الدنيا في التعبير القراني في حالة رقابة ومسؤولة قال تعالى: ﴿وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً﴾2. فالحواس في الاخرة تسأل فالقلب يسأل واللسان والسمع والبصر واليد والرجل... كلها تسأل.
تأمل قوله تعالى:
﴿حَتَّى إِذَا مَا جَاؤُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ
وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾3.
وقوله عز من قائل:
﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم
بِمَا كَانُوا يَعْمَلُون﴾4.
ولكن اللسان هو الذي كان يعبر عنهم فماذا يحصل لترجمان القلب والحواس.
﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ
وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾5.
فالإنسان في الدنيا يخفي ما يفعل باليد الصماء والرجل العمياء والحواس الخرساء
ليتستر بها ولكن هل يستتر من الله؟
﴿وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ
وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِن ظَنَنتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا
يَعْلَمُ كَثِيرًا مِّمَّا تَعْمَلُونَ﴾6.
وكم يتعجب الإنسان حينما يرى الأخرس يتكلم والأعمى يشهد ويُدين وليأتي جوابها عن
هذا التعجب:
﴿أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ..﴾7.
الحواس المؤمنة: إن تكليفنا هو أن نجعل اللسان والعين واليد والرجل والأذن وكل أعضائنا وحواسنا مؤمنة ومطيعة، ففي الحديث: "لان الله تبارك وتعالى فرض الإيمان على جوارح ابن ادم وقسمه عليها وفرقه فيها فليس من جوارحه جارحة إلا وقد وكلت من الإيمان بغير ما وكلت بها اختها..."8. ومما فرض من الإيمان على الأعضاء ما ورد في القران الكريم: في اللسان: ﴿وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾9. ﴿وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْنا﴾10 الخ. وفي السمع: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ...﴾11. ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا ..﴾12الخ. وعن البصر والفرج: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ...﴾13. ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾14. وكثير من الايات والروايات التي تتحدث عن احكام واداب كل عضو من أعضاء الإنسان. تنبيه: من المفروض على كل عاقل قبل العمل على تهذيب حواسه وأعضائه أن يتفكر في هذه النعم وعجيب صنع الله فيها ودقة تدبيره لتؤدي الأغراض المطلوبة منها، هذا التدبير والدقة في الصنع يرشدان إلى عظيم عناية الله عز وجل. هذه العناية التي توجب مقابلتها بدقة شديدة في ادارتها في ساحات عملها وخدمتها.
فالإنسان عليه الحذر من خطورة عينه
فلا ينظر بها إلى عورات الناس..
وعليه الحذر من خطورة أذنه فلا يسمع فيها الغيبة، والغناء والموسيقى المحرمة..
وعليه الحذر من خطورة لسانه فلا يذكر فيه عيوب الناس ولا يسب ولا يشتم ولا يقول
الكلام الفاحش والبذيء ولا يكفر.
وعليه الحذر من بطنه
فلا يأكل المحرمات، ولا يأكل مال الناس بغير إذنهم ولا يأكل
الخبائث والنجاسات ولا يدخل إليه الخمور والمسكرات..
وليعود هذه الأعضاء على الإكتفاء بما أحل اللّه لها لمسك زمامها وإلا فستلقيه في
جهنم وبئس المصير.
دروس وعبر،سلسلة الانشطة الصيفية، نشر: جمعية
المعارف الإسلامية الثقافية*
1- النحل:78.
2- الإسراء:36. 3- فصلت:20. 4- النور:24. 5- يس:56. 6- فصلت:22. 7- فصلت:21. 8- وسائل الشيعة، 124 11. 9- العنكبوت:46. 10- البقرة:83. 11- الزمر:18 17. 12- الفرقان:72. 13- غافر:19. 14- النور:30. | |
إختر صديقك
بواسطة:أدمن
9:44 ص
لقد مضى زمن من الأذواق والمشارب المختلفة أننا نعيش عصراً جديداً يتعين فيه على
الجميع تخطي الأذواق والمشارب والاراء الذاتية والعبور إلى رحاب التعاون العام.
الإنسان والصداقة الإنسان بطبعه اجتماعي يحن إلى بني جنسه ويحب معاشرتهم بشكل فطري ويأنس إلى أقرانه من البشر ولذا تراه لا يحب الوحدة ويستوحش من الأماكن المقفرة الخالية ويهاب الدخول فيها... بل إن الإنسان مضطر إلى معاشرة أبناء جنسه لتستقيم أمور حياته ومعيشته مادياً لأنه لا يستطيع وحده وبدون اللجوء إلى الاخرين تأمين كل ما يحتاجه لمعيشته وكذلك يحتاجهم في حياته المعنوية والنفسية ليكونوا عوناً له يعينونه بنصيحتهم وارشادهم له وليكونوا عيناً له على نفسه يدلونه على عيوبه ويساعدونه في اصلاحها فعن النبي صلى الله عليه وآله: "المؤمن أخو المؤمن عينه ودليله..."1. وقد حث أبو عبد اللَّه عليه السلام على الإكثار من الأصدقاء والإخوان فقال: "استكثروا من الإخوان فإن لكل مؤمن شفاعة يوم القيامة"2 .والأخوة والصداقة وسيلة لسكون النفس وطمأنينتها. قال صلى الله عليه وآله: "إن المؤمن ليسكن إلى المؤمن كما يسكن الظمان إلى الماء البارد"3. خطورة أصدقاء السوء: لكن بقدر ما يكون الصديق والأخ مفيداً إذا كان صالحاً فكذلك قد يكون خطراً يودي بصاحبه إلى اسوء العواقب بحيث يتلاوم أصدقاء السوء يوم القيامة فيتهم بعضهم بعضاً ويلقي بعضهم على بعض مسؤولية المصير القاتم جهنم ويندمون حين لا ينفع الندم: يقول تعالى: ﴿يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولًا﴾4. فالأخلاق السيئة مرض معدِ يتسلل من صاحب الأخلاق السيئة إلى أصحابه وأصدقائه إذ ينقل الإمام الصادق عن أبيه قوله له: "يا بني من يصحب صاحب السوء لا يسلم ومن يدخل مداخل السوء يتهم..."5. فلا أقل من أن يراك الناس مع أهل السوء فيتهمونك لأن من طبع الإنسان أن لا يألف إلا من كان على شاكلته. عن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله: "المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل"6. وحذر الإمام الصادق عليه السلام من صحبة الفاجر فقال عليه السلام: "لا تصحب الفاجر فيعلمك من فجوره"7. فهل يرضى أحدنا أن يوصف بالفجور، أو الفسق، أو الكذب، أو غير ذلك من صفات السوء والأخلاق الرذيلة الذميمة... وهل يرضى أحدنا أن يتهم أو يرمى بالكذب، والفحش في القول والسفاهة والرذالة والنذالة والحقارة فإذا كنا لا نرضى ذلك فكيف نرضى الجلوس على قارعة الطريق مع من يسب ويشتم ولا يلفظ إلا أفحش الأقوال وأكثرها بذاءةً فلو راك أحدهم واقفاً مع هؤلاء وتحدث بأنك على صفتهم هل يحق لك أن تعترض.... طبعاً لا... لأنك أنت أدخلت نفسك في هذه المداخل فلا تلومن إلا نفسك لأن "من يدخل مداخل السوء يتهم"8. ولو كنت واقفاً مع مجموعة من هؤلاء وصدر عن أحدهم تصرف معيب أو لفظ فاحش أو كلام بذيء بحق فتاة أو شاب.. وظن أنك أنت من فعلها أو قالها هل تستطيع اقناعه واقناع الناس ببراءتك ونزاهتك... عزيزي إن من يعبث بالقذارات والذي يجلس عليها والذي يجلس بقربها كلهم يحملون رائحتها النتنة ويأنف الناس ويفرون منهم لقبح روائحهم، ولذا فحتى لا يكون أحدنا مغبوناً في من يصادق ويؤاخي أمرنا أمير المؤمنين عليه السلام أن نختبر من نصادق فقال:"قدم الاختبار في اتخاذ الإخوان، فإن الاختبار معيار يفرق بين الأخيار والأشرار"9. من تصادق؟ الصداقة والأخوة في اللَّه: بعد معرفة أهمية الأصدقاء وخطورتهم لا بد من الإجابة على سؤال:(من تصادق؟) إن أول ما يفترض في الصداقة أن تكون مبنية على الدين "من اخى في اللَّه غنم، ومن اخى في الدنيا حرم"10. لأن كل اخوة تنقلب عدواة ما لم تكن في اللَّه فعنه عليه السلام: "الناس اخوان فمن كانت اخوته في غير ذات اللَّه فهي عداوة"11.وذلك قوله عزّ وجلّ ﴿الْأَخِلَّاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾12. المواسي: يواجه الإنسان في حياته المصاعب والمصائب ويحتاج إلى من يواسيه بعون أو بكلمة على الأقل عن أمير المؤمنين عليه السلام: "خير إخوانك من واساك وخير منه من كفاك وإذا احتاج إليك اعفاك"13. المعين على الطاعة والمذكر باللَّه: عن أمير المؤمنين عليه السلام: "المعين على الطاعة خير الأصحاب"14. وعن النبي أنه سئل عن خير الجلساء فقال: "من ذكركم باللَّه رؤيته وزادكم في علمكم منطقه، وذكركم بالاخرة عمله"15. الأخ والصديق القدوة: كما أن صديق السوء يعدي بسوء خلقه صاحبه أو على الأقل تورده الصحبة موارد التهم فكذلك صحبة واخوة. الخيرين تورث حسن السمعة وحسن ظن الناس من جهة وتعلم الأخلاق الفاضلة. عن أمير المؤمنين عليه السلام: "وقارن أهل الخير تكن منهم"16. وعنه عليه السلام: "خير اخوانك من دعاك إلى صدق المقال بصدق مقاله وندبك إلى أفضل الأعمال بحسن أعماله"17. خاتمة: ولذا فقد أمرنا النبي وأهل البيت عليهم السلام بمصاحبة أهل الصدق والعلماء والحكماء وكرام الناس وكل ذي خلة حسنة. فعن أمير المؤمنين عليه السلام: "جالس العلماء يزدد علمك ويحسن أدبك"18. وعن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله: "أسعد الناس من خالط كرام الناس"19. وعن أمير المؤمنين عليه السلام: "أكثر الصلاح والصواب في صحبه أولى النهي والصواب"20، فأنت وأنا يا عزيزي بالخيار بين أن نكون في زمرة الأخيار وصحبة الأبرار أو في زمرة الأشرار وصحبة الفجار... لا تصاحب هؤلاء: 1- أهل البدع والضلال 2- من يزين لك الفاحشة والمعصية 3- النمام. 4- بذيء اللسان والفحاش. 5- الفاجر. 6- البخيل. 7- الأحمق. 8- الفاسق. 9- القاطع لرحمه. 10- الجبان. 11- الشرير. 12- كاشف العيوب والمتتبع لها. 13- صاحب اللهو. 14- الخائن والمرتاب. | |
إنتبه لصلاتك
بواسطة:أدمن
9:43 ص
وصيتي للمجتمع ولا سيما الشباب هي الأنس بالصلاة والالتذاذ بها، أي أن يقيموا
الصلاة مع فهم معانيها وشعور بالحضور لدى حضرة الرب المتعال.
الصلاة وخلق الإنسان عندما يفتح الإنسان عينيه ويرسل نظره في جولة في ما حوله يرى أين ما حط نظره ايات الدقة والجمال في ما يرى ويشعر كم أن اليد التي أبدعت هذا الكون كانت دقيقة وحاذقة في بناء هذا البنيان الذي اسمه الدنيا فكل شيء في موقعه ومتالف مع باقي المخلوقات ويقوم بالاستفادة من خدمات باقي المخلوقات ويقدم في المقابل خدماته للموجودات الأخرى فلاحظ العلاقة بين توازن الهواء والنبات وبين الزهر والنحل وغير ذلك كل هذا يعمق فينا الإيمان بَأنَّ هناك قدرة أوجدتنا ورزقتنا وأمدتنا بكل ما تحتاجه نفوسنا للحياة في هذه الدنيا. من الغذاء والجمال وأسباب البقاء الأخرى، بصر وسمع وعقل وقدرة وقوة. وماء وهواء وغذاء من النبات والحيوانات. ونور وظلمة وفيء وغير ذلك مما نعجز عن احصائه وعده. هذه القدرة الرحيمة الكريمة... هي اللَّه تبارك وتعالى... وهو إضافة إلى كونه كريماً ورحيماً... فهو حكيم... لا يفعل شيئاً بدون هدف ولذا قال لنا مبيناً هدف خلقنا.﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾1. حيث يعلم اللَّه أن رفعة الإنسان وتكامله ووصوله إلى أرقى المراتب وأعلى المقامات لا يكون إلا بالعبادة. فالإنسان في هذه الحياة مطلوب منه أن يقطع المسافات التي تبعده عن الهدف ليصل إليه... والهدف هنا هو العودة إلى اللَّه تعالى. ولذا فإننا في أثناء مسيرنا إلى اللَّه عزَّ وجلَّ لا بد من أن نبقي الهدف النهائي نصب أعيننا، حاضراً حتى لا تضيع وعلينا دائماً الالتفات للَّه وتذكره لتكون كل حركتنا نحوه... وعلينا مراقبة الهدف لنعرف كم تقدمنا أو تأخرنا في مسيرنا إليه... فما الذي يذكرنا.. وينبهنا ويلفتنا.. ويصوب سيرنا وسعينا إلى اللَّه. إنه الصلاة... فالصلاة هي أهم الأشياء والأفعال التي تقرب الإنسان إلى اللَّه ف"الصلاة قربان كل تقي"2. و"الصلاة معراج المؤمن"3. الصلاة ميزان: إذن فالصلاة من الأمور التي تجعل لحياة الإنسان معنى دونها تغدو تافهة بلا معنى ولا قيمة ولا غاية... ولذا فإنها تغدو مقياساً فعالاً لحيوية دين الإنسان وفاعليته "من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لا صلاة له" وبها يقبل العمل أو يرد:"الصلاة عمود الدين إن قبلت قبل ما سواها وإن ردت رد ما سواه"4. فالصلاة إحدى الوسائل بل أعظم الوسائل الموصلة إلى اللَّه ومن أهم أنواع ما يتزود به الإنسان في الطريق إلى اللَّه لأنها ذكر اللَّه الذي يشكل وسيلة للاتصال باللَّه بما يحول دون الضياع ويمنح الإنسان المعنويات العالية ويعطيه الطمأنينة والنشاط ولا يجعله ينزلق منخدعاً بالمظاهر. في زحمة الحياة وهمومها وخداعها وتزينها. فالصلاة أشبه بجرس انذار ينبه الإنسان في ليله ونهاره ليلتفت إلى نفسه إن الزمن يمضي وإنك تقرب من أجلك وتنبه الإنسان وتلفته إلى ربه حتى لا تأخذه الانشغالات ولا ينسى هدفه وغاية وجود... وهي كذلك وسيلة تمد الإنسان بما يحتاجه في مواجهة أعباء الحياة من روحانيات ومعنويات تساعده على تحمل هذه الأعباء وتجاوز الصعاب ولذا فإن رعاية الصلاة حق رعايتها تؤدي إلى الفلاح الذي يعني تحقيق الأهداف والنجاح في الوصول إلى المقصود.﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُون﴾5. الصلاة صلاتان: ليس كل مصل من المفلحين فبالعودة إلى الاية السابقة من قوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾6. تدل على أن الصلاة صلاتان واحدة توصل إلى المقصد وينجح من يؤديها ويكون من المفلحين... وأخرى يكون صاحبها ومؤديها ضالاً عن الوصول إلى المقصود منها بل يصل إلى عكس ما يريد فبدل الفلاح يسقط في وادٍ من وديان جهنم وهو "ويل" فللصلاة اداب لخصتها الاية بالخشوع وقد قال النبيصلى الله عليه وآله وسلم: "لا صلاة لمن لا يتخشع في صلاته"7. وعن أمير المؤمنين: "يا كميل ليس الشأن أن تصلي وتصوم وتتصدق إنما الشأن أن تكون الصلاة فعلت بقلب نقي وعمل عند اللَّه مرضي وخشوع سوي"8. عاقبة ترك الصلاة: فيا أيها العزيز يا أيها الحبيب أنت اختر أتكون من المصلين وتكون هادفاً عاملاً أو تكون ضائعاً تائهاً بلا هدف ولا غاية. وعليك اختيار أن تكون صلاتك تجعلك من المفلحين أو من الذين يكون مثواهم جهنم ووديانها. فاعمل على أن لا تكون من المتهاونين بصلاتهم واسع لتكون من الخاشعين وتدبر ما تقول فيها ففي الحديث "صلاة ركعتين بتدبر خير من قيام ليلة والقلب ساه". وواظب على أدائها في أول الوقت. فعن الصادق عليه السلام: "فضل الوقت الأول على الأخير كفضل الاخرة على الدني"9. حتى تسعد بصلاتك في الدنيا والاخرة ولا تسحب يوم القيامة على وجهك والناس ينظرون إليك ثم تلقى في نار جهنم. ومما يروي تعالى عن مصير تاركي الصلاة حين يسألهم المؤمنون من أهل الجنة: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾10. ليأتي جواب أهل سقر: ﴿قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾11. إذن فسبب كونهم في سقر هو أنهم لم يكونوا يصلون وهل تدري ما سقر... سقر واد في جهنم شكا يوماً شدة حره إلى اللَّه فإذن له بأن يتنفس فلما تنفس أحرق جهنم... فهل تطيق حر سقر...
دروس وعبر,سلسلة الانشطة الصيفية, نشر: جمعية
المعارف الإسلامية الثقافية*
1- الذاريات:56.
2- منتهى المطلب، 193-1. 3- البحار، 303-79. 4- نهج السعادة، 120-4. 5- المؤمنون:2-1. 6- الماعون:5-4. 7- كنز العمال، 526-7. 8- تحف العقول، 174. 9- ميزان الحكمة، 1643 2. 10- المدثر:42. 11- المدثر:43. | |
حقوق النبي صلّى الله عليه وآله
بواسطة:أدمن
9:41 ص
كان نبينا الأعظم محمد صلى اللّه عليه وآله، المثل الأعلى في سائر نواحي
الكمال، اصطفاه اللّه من الخلق واختاره من العباد، وحباه بأرفع الخصائص
والمواهب التي حبا بها الأنبياء عليهم السلام، وجمع فيه ما تفرق فيهم من
صنوف العظمات والأمجاد ما جعله سيدهم وخاتمهم. وناهيك في عظمته أنه استطاع
بجهوده الجبارة ومبادئه الخالدة، أن يحقق في أقل من ربع قرن من الانتصارات
الروحية والمكاسب الدينية، ما لم يستطع تحقيقه سائر الأنبياء والشرائع في
أكثر من قرون.
جاء بأكمل الشرائع الالهية، وأشدها ملائمة لأطوار الحياة، وأكثرها تكفلاً بإسعاد الانسان مادياً وروحياً، ديناً ودنياً، فأخرج الناس من ظلمة الكفر الى نور الاسلام، ومن شقاء الجاهلية الى السعادة الأبدية. وجعل أمته أكمل الأمم ديناً، وأوفرهم علماً، واسماهم أدباً وأخلاقاً، وأرفعهم حضارة ومجداً. وقد عانى في سبيل ذلك من ضروب الشدائد والأهوال، ما لم يعانه أي نبي. من أجل ذلك، فان القلم عاجز عن تعداد أياديه، وحصر حقوقه على المسلمين سيما في هذا المقال الوجيز. وهي، بعد الايمان بنبوته، وتصديقه فيما جاء به من عند اللّه عز وجل، والاعتقاد بأنه سيد الرسل، وخاتم الأنبياء 1- طاعته: وطاعة النبي فرض محتم على الناس، كطاعة اللّه تعالى، إذ هو سفيره الى العباد، وأمينه على الوحي، ومنار هدايته الوضاء. وواقع الطاعة هو: اتباع شرعته، وتطبيق مبادئه الخالدة، التي ما سعد المسلمون ونالوا آمالهم وأمانيهم، الا بالتمسك بها والحفاظ عليها. وما تخلفوا واستكانوا الا باغفالها والانحراف عنها. أنظر كيف يحرض القرآن الكريم على طاعة النبي صلى اللّه عليه وآله، ويحذر مغبة عصيانه ومخالفته، حيث قال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾(الحشر:7). وقال تعالى: ﴿َمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا﴾(الأحزاب: 36). وقال سبحانه: ﴿وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ. وَمَن يَعْصِ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾(النساء:13-14). وقال عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ فِي الأَذَلِّينَ. كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾(المجادلة:20-21). 2- محبته: تختلف دواعي الحب والإعجاب باختلاف نزعات المحبين وميولهم، فمن الناس من يحب الجمال ويقدسه، ومنهم من يحب البطولة والأبطال ويمجدهم، ومنهم من يحب الاريحية ويشيد بأربابها. وقد اجتمع في النبي الأعظم صلى اللّه عليه وآله كل ما يفرض المحبة ويدعو الى الاعجاب، حيث كان نموذجاً فذاً، ونمطاً فريداً بين الناس. لخص اللّه فيه آيات الجمال والكمال، وأودع فيه أسرار الجاذبية، فلايملك المرء أزائه الا الحب والاجلال، وهذا ما تشهد به شخصيته المثالية، وتأريخه المجيد. قال أمير المؤمنين عليه السلام وهو يصف شمائل رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله: "كان نبي اللّه أبيض اللون، مشرباً حمرة، أدعج العين، سبط الشعر، كث اللحية، ذا وفرة، دقيق المسربة، كأنما عنقه ابريق فضة يجري في تراقيه الذهب، له شعر من لبته الى سرته كقضيب خيط، وليس في بطنه ولا صدره شعر غيره، شثن الكفين والقدمين، اذا مشى كأنه ينقلع من صخر، اذا أقبل كأنما ينحدر من صب، اذا التفت التفت جميعاً بأجمعه، ليس بالقصير ولا بالطويل، كأنما عرقه في وجهه اللؤلؤ، عرقه أطيب من المسك"1. وقال عليه السلام وهو يصف أخلاق الرسول صلى اللّه عليه وآله: "كان أجود الناس كفاً، وأجرأ الناس صدراً، وأصدق الناس لهجة، وأوفاهم ذمة، وألينهم عريكة، وأكرمهم عشرة، من رآه بديهة هابه، ومن خالطه فعرفه أحبه، لم أر مثله قبله ولا بعده"2. ولأجل تلك الشمائل والمآثر، أحبه الناس على اختلاف ميولهم في الحب: أحبه الأبطال لبطولته الفذة التي لا يجاريه فيها بطل مغوار، وأحبه الكرام اذ كان المثل الأعلى في الأريحية والسخاء، وأحبه العباد لتولهه في العبادة وفنائه في ذات اللّه، وأحبه أصحابه المخلصون لمثاليته الفذة في الخَلق والخُلق. قال أمير المؤمنين عليه السلام: "جاء رجل من الانصار الى النبي صلى اللّه عليه وآله، فقال: يا رسول اللّه ما استطيع فراقك، واني لأدخل منزلي فأذكرك، فأترك ضيعتي وأقبل حتى أنظر اليك حباً لك، فذكرت اذا كان يوم القيامة، وأدخلتَ الجنة، فرفعت في أعلى عليين، فكيف لي بك يا نبي اللّه؟، فنزل: ﴿َمَن يُطِعِ اللّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾(النساء:69)، فدعا النبي صلى اللّه عليه وآله الرجلَ فقرأها عليه وبشره بذلك"3. وقال أنس: جاء رجل من أهل البادية، وكان يعجبنا ان يأتي الرجل من أهل البادية يسأل النبي صلى اللّه عليه وآله، فقال: يا رسول اللّه متى قيام الساعة؟ فحضرت الصلاة، فلما قضى صلاته، قال: أين السائل عن الساعة؟ قال: أنا يا رسول اللّه. قال: فما أعددتَ لها؟ قال: واللّه ما أعددت لها من كثير عمل صلاة ولا صوم، الا اني أحب اللّه ورسوله. فقال له النبي صلى اللّه عليه وآله: المرء من أحب. قال أنس: فما رأيت المسلمين فرحوا بعد الاسلام بشيء أشد من فرحهم بهذا4. وعن أبي عبد اللّه عليه السلام، قال: كان رجل يبيع الزيت، وكان يحب رسول اللّه صلي اللّه عليه وآله حباً شديداً، كان اذا أراد أن يذهب في حاجة لم يمض حتى ينظر الى رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله، قد عرف ذلك منه، فاذا جاء تطاول له حتى ينظر اليه. حتى اذا كان ذات يوم، دخل فتطاول له رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله حتى نظر اليه ثم مضى في حاجته، فلم يكن بأسرع من أن رجع، فلما رآه رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله قد فعل ذلك، أشار اليه بيده إجلس، فجلس بين يديه، فقال: مالك فعلت اليوم شيئاً لم تكن تفعله قبل؟ فقال: يا رسول اللّه، والذي بعثك بالحق نبياً، لغشى قلبي شيء من ذكرك حتى ما استطعت ان أمضي في حاجتي، رجعت اليك. فدعا له وقال له خيراً. ثم مكث رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله أياماً لا يراه، فلما فقده سأل عنه، فقيل له: يا رسول اللّه ما رأيناه منذ أيام. فانتعل رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وانتعل معه أصحابه، فانطلق حتى أتى سوق الزيت، فاذا دكان الرجل ليس فيه أحد، فسأل عنه جيرته، فقالوا: يا رسول اللّه، مات... ولقد كان عندنا أميناً صدوقاً، الا انه قد كان فيه خصلة، قال: وما هي؟ قالوا: كان يزهق (يعنون، يتبع النساء). فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله: لقد كان يحبني حباً، لو كان بخاساً لغفر اللّه له5. 3- الصلاة عليه: قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾(الأحزاب: 56). درج الناس على إجلال العظماء وتوقيرهم بما يستحقونه من صور الاجلال والتوقير، تكريماً لهم وتقديراً لجهودهم ومساعيهم في سبيل أممهم. ومن هنا كان السلام الجمهوري والتحية العسكرية فرضاً على الجنود، تبجيلاً لقادتهم وإظهاراً لاخلاصهم لهم. فلا غرابة أن يكون من حقوق النبي صلى اللّه عليه وآله على أمته وهو سيد الخلق وأشرفهم جميعاً تعظيمه والصلاة عليه، عند ذكر اسمه المبارك أو سماعه، وغيرهما من مواطن الدعاء. وقد أعربت الآية الكريمة عن بالغ تكريم اللّه تعالى وملائكته للنبي صلى اللّه عليه وآله "ان اللّه وملائكته يصلون على النبي"، ثم وجهت الخطاب الى المؤمنين بضرورة تعظيمه والصلاة والسلام عليه "يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما". وجاءت نصوص اهل البيت عليهم السلام توضح خصائص ورغبات الصلاة عليه، بأسلوب شيق جذاب. فمن ذلك ما جاء عن ابن أبي حمزة عن أبيه، قال: سألت أبا عبد اللّه عليه السلام عن قول اللّه عز وجل "إن اللّه وملائكته يصلون على النبي، يا أيها الذين امنوا صلوا عليه وسلموا تسليما". فقال: الصلاة من اللّه عز وجل رحمة، ومن الملائكة تزكية، ومن الناس دعاء. وأما قوله عز وجل "وسلموا تسليما"، فانه يعني بالتسليم له فيما ورد عنه. قال: فقلت له: فكيف نصلي على محمد وآله؟ قال: تقولون "صلوات اللّه وصلوات ملائكته وأنبيائه ورسله وجميع خلقه على محمد وآل محمد، والسلام عليه وعليهم ورحمة اللّه وبركاته". قال: فقلت فما ثواب من صلى على النبي وآله بهذه الصلاة؟ قال: الخروج من الذنوب، واللّه، كهيئة يوم ولدته أمه6. وقال الصادق عليه السلام: من صلى على محمد وآل محمد عشراً صلى اللّه عليه وملائكته مائة مرة، ومن صلى على محمد وآل محمد مائة صلى اللّه عليه وملائكته ألفاً، أما تسمع قول اللّه تعالى ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾(الأحزاب:43)7. وقال الصادق عليه السلام: كل دعاء يدعى اللّه تعالى به، محجوب عن السماء حتى يصلى على محمد وآل محمد8. وعن احدهما عليهما السلام قال: ما في الميزان شيء أثقل من الصلاة على محمد وآل محمد، وإن الرجل ليوضع أعماله في الميزان فيميل به، فيخرج صلى اللّه عليه وآله "الصلاة عليه" فيضعها في ميزانه، فيرجح به9. وقال الرضا عليه السلام: من لم يقدر على ما يكفّر به ذنوبه، فليكثر من الصلاة على محمد وآله، فانها تهدم الذنوب هدما10. وجاء في الصواعق (ص87)، قال: ويروى "لا تصلوا عليَّ الصلاة البتراء. فقالوا: وما الصلاة البتراء؟ قال: تقولون اللهم صل على محمد وتمسكون. بل قولوا: اللهم صل على محمد وآل محمد"11. مودة أهل بيته الطاهرين: الذين فرض اللّه مودتهم في كتابه، وجعلها أجر الرسالة، وحقاً مفروضاً من حقوق النبي صلى اللّه عليه وآله، فقال تعالى: ﴿قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾(الشورى:23). وقد اتصف اهل البيت عليهم السلام بجميع دواعي الاعجاب والاكبار، وبواعث الحب والولاء، كما وصفهم الشاعر: من معشر حبهم دين وبغضهم*** كفر وقربهم منجى ومعتصم إن عدّ أهل التقى كانوا أئمتهم*** أو قيل من خير أهل الأرض قيل هم نعم هم صفوة الخلق، وحجج العباد، وسفن النجاة، وخير من أقلته الأرض وأظلّته السماء بعد جدهم الأعظم صلى اللّه عليه وآله حسباً ونسباً وفضائل وأمجاداً. وكيف يرتضي الوجدان السليم محبة النبي صلى اللّه عليه وآله دون أهل بيته الطاهرين، الجديرين بأصدق مفاهيم الحب والود، إنها ولاريب محبة زائفة تنمّ عن نفاق ولؤم، كما جاء عن عبد اللّه بن مسعود قال: كنا مع النبي صلى اللّه عليه وآله في بعض أسفاره، إذ هتف بنا أعرابي بصوت جمهور، فقال: يا محمد. فقال له النبي صلى اللّه عليه وآله: ما تشاء؟ فقال: المرء يحب القوم ولا يعمل بأعمالهم. فقال النبي صلى اللّه عليه وآله: المرء مع من أحب. فقال: يا محمد، اعرض عليَّ الاسلام. فقال: إشهد ان لا إله الا اللّه، واني رسول اللّه، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم شهر رمضان، وتحج البيت. فقال: يا محمد، تأخذ على هذا أجرأ؟ فقال: لا، إلا المودة في القربى. قال: قرباي أو قرباك؟ فقال: بل قرباي. قال: هلمّ يدك حتى أبايعك، لا خير فيمن يودّك ولا يودّ قرباك12. وقد أجمع الامامية أنّ المراد بالقربى في الآية الكريمة، هم الأئمة الطاهرون من أهل البيت عليهم السلام، ووافقهم على ذلك ثلة من أعلام غيرهم من المفسرين والمحدثين، كأحمد بن حنبل، والطبراني، والحاكم عن ابن عباس. كما نص عليه ابن حجر، في الفصل الأول من الباب الحادي عشر من صواعقه، قال: لما نزلت هذه الآية قالوا: يا رسول اللّه من قرابتك هؤلاء الذين وجبت علينا مودتهم؟ قال صلى اللّه عليه وآله: علي وفاطمة وابناهما13. انظر، كيف يحرض النبي صلى اللّه عليه وآله امته على مودة قرباه وأهل بيته، كما يحدثنا به رواة الفريقين: فمما ورد من طرقنا: عن الصادق عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله: من أحبنا أهل البيت فليحمد اللّه على أول النعم. قيل: وما أول النعم؟ قال: طيب الولادة، ولا يحبنا إلا من طابت ولادته14. وعن أبي جعفر الباقر عن ابيه عن جده عليهم السلام قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله: حبي وحب أهل بيتي نافع في سبعة مواطن، أهوالهن عظيمة: عند الوفاة، وفي القبر، وعند النشور، وعند الكتاب، وعند الحساب، وعند الميزان، وعند الصراط15. وعن ابي جعفر عليه السلام قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله: لو أن عبداً عبد اللّه الف عام، ثم يذبح كما يذخ الكبش، ثم أتى اللّه ببغضنا أهل البيت، لرد اللّه عليه عمله16. وعن الباقر عليه السلام عن النبي صلى اللّه عليه وآله قال: لا تزول قدم عبدٍ يوم القيامة من بين يدي اللّه، حتى يسأله عن أربع خصال: عمرك فيما أفنيته، وجسدك فيما أبليته، ومالك من أين اكتسبته وأين وضعته، وعن حبنا أهل البيت17. وعن الحكم بن عتيبة، قال: بينا أنا مع أبي جعفر عليه السلام، والبيت غاص بأهله، إذ أقبل شيخ يتوكأ على عنزة له، حتى وقف على باب البيت فقال: السلام عليك يابن رسول اللّه ورحمة اللّه وبركاته، ثم سكت. فقال ابو جعفر: وعليك السلام ورحمة اللّه وبركاته. ثم أقبل الشيخ بوجهه على أهل البيت وقال: السلام عليكم، ثم سكت، حتى أجابه القوم جميعاً وردّوا عليه السلام. ثم أقبل بوجهه على ابي جعفر عليه السلام، ثم قال: يابن رسول اللّه أدنني منك، جعلني اللّه فداك، فواللّه اني لأحبكم وأحب من يحبكم، وواللّه ما أحبكم وما أحب من يحبكم لطمع في دنيا. واني لأبغض عدوكم وأبرأ منه، وواللّه ما ابغضه وأبرأ منه لوترٍ كان بيني وبينه. واللّه اني لأحلّ حلالكم، وأحرم حرامكم، وأنتظر أمركم. فهل ترجو لي، جعلني اللّه فداك؟! فقال ابوجعفر عليه السلام: اليّ... اليّ، حتى أقعده الى جنبه. ثم قال: أيها الشيخ، إن ابي علي بن الحسين عليه السلام، أتاه رجل فسأله عن مثل الذي سألتني عنه، فقال له أبي: إن تمت ترِد على رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وعلي والحسن والحسين وعلي بن الحسين عليهم السلام، ويثلج قلبك، ويبرد فؤادك، وتقر عينيك، وتستقبل بالرَّوح والريحان مع الكرام الكاتبين لو قد بلغت نفسك هاهنا وأهوى بيده الى حلقه وان تعش تر ما يقر اللّه به عينك، وتكون معنا في السنام الأعلى الخ. ومما جاء من طرق إخواننا: وأخرج ابن حنبل والترمذي، كما في الصواعق ص 91: انه صلى اللّه عليه وآله أخذ بيد الحسنين وقال: من أحبني وأحب هذين وأباهما وأمهما كان معي في درجتي يوم القيامة19. وأخرج الثعلبي في تفسيره الكبير، قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله: ألا من مات على حب آل محمد مات شهيداً، ألا ومن مات على حب آل محمد مات مغفوراً له، الا ومن مات على حب آل محمد مات تائباً، ألا ومن مات على حب آل محمد مات مؤمناً مستكمل الايمان، ألا ومن مات على حب آل محمد بشره ملك الموت بالجنة ثم منكر ونكير، ألا ومات على حب آل محمد يزف الى الجنة كما تزف العروس الى بيت زوجها، ألا ومن مات على حب آل محمد فتح له في قبره بابان الى الجنة، ألا ومن مات على حب آل محمد جعل اللّه قبره مزار ملائكة الرحمة، ألا ومن مات على حب آل محمد مات على السنة والجماعة. ألا ومن مات على بغض آل محمد جاء يوم القيامة مكتوباً بين عينيه آيس من رحمة اللّه الحديث20. وأورد ابن حجر ص 103 من صواعقه حديثاً، هذا نصه: إن النبي خرج على أصحابه ذات يوم، ووجهه مشرق كدائرة القمر. فسأله عبد الرحمن بن عوف عن ذلك، فقال صلى الّله عليه وآله: بشارة اتتني من ربي في اخي وابن عمي وابنتي، بأن زوّج علياً من فاطمة، وأمر رضوان خازن الجنان فهزّ شجرة طوبى، فحملت رقاقاً (يعني صكاكاً) بعدد محبي أهل بيتي، وأنشأ تحتها ملائكة من نور، دفع الى كل ملك صكاً، فاذا استوت القيامة بأهلها نادت الملائكة في الخلائق، فلا يبقى محب لأهل البيت الا دفعت اليه صكاً فيه فكاكه من النار، فصار أخي وابن عمي وابنتي فكاك رقاب رجال ونساء من امتي من النار21. وجاء في مستدرك الصحيحين ج 3، 127، عن ابن عباس قال: نظر النبي صلى اللّه عليه وآله الى علي عليه السلام فقال: ياعلي، أنت سيد في الدنيا وسيد في الآخرة، حبيبك حبيبي، وحبيبي حبيب اللّه، وعدوك عدوي، وعدوي عدو اللّه، والويل لمن أبغضك بعدي22. وأخرج الحافظ الطبري، في كتاب الولاية، باسناده عن علي عليه السلام انه قال: لا يحبني ثلاثه: ولد زنا، ومنافق، ورجل حملت به أمه في بعض حيضها23. وأخرج الطبراني في الأوسط، والسيوطي في إحياء الميت، وابن حجر في صواعقه في باب الحث على حبهم: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله: إلزموا مودتنا أهل البيت، فانه من لقي اللّه وهو يودّنا دخل الجنة بشفاعتنا، والذي نفسي بيده لا ينفع عبداً عمله إلا بمعرفة حقنا24 الى كثير من النصوص التي يطول عرضها في هذا المختصر. ولا ريب أن المراد بأهل البيت عليهم السلام، هم الأئمة الاثنا عشر المعصومون صلوات اللّه عليهم، دون سواهم، لأن هذه الخصائص الجليلة، والمزايا الفذة، لا يستحقها إلا حجج اللّه تعالى على العباد، وخلفاء رسوله الميامين. 1- البحار م 6 في أوصاف خلقه وشمائله. 2- سفينة البحار م 2 ص 414. 3- البحار م 6 في باب وجوب طاعته وحبه. 4- البحار م 6، باب وجوب طاعته وحبه، عن علل الشرائع. 5- الوافي ج 3، ص 143-144. الزهق: غشيان المحارم. والبخس: النقص في المكيال والميزان. 6- البحار م 19، ص 78، عن معاني الأخبار للصدوق رضوان الله عليه. 7- الوافي ج 5، ص 228، عن الكافي. 8- الوافي ج 5، ص 227، عن الكافي. 9- الوافي ج 5، ص 228، عن الكافي. 10- البحار م 19، ص76، عن عيون اخبار الرضا وامالي الشيخ الصدوق رضوان الله عليه. 11- فضائل الخمسة، من الصحاح الستة. 12- البحار م 7، ص 389، عن مجالس الشيخ المفيد رضوان الله عليه. 13- انظر الكلمة الغراء في تفضيل الزهراء، للامام شرف الدين رضوان الله عليه ص 18. 14- البحار م 7، ص 389، عن علل الشرائع ومعاني الأخبار وامالي الصدوق رضوان الله عليه. 15- البحار م 7، ص 391، عن الخصال. 16- البحار م 7، ص 397، عن محاسن البرقي. 17- البحار م 7، ص 389، عن مجالس الشيخ المفيد. 18- الوافي ج 3، ص 139، عن الكافي. 19- الفصول المهمة للامام شرف الدين، ص 41. 20- الفصول المهمة للامام شرف الدين، ص 42. 21- الفصول المهمة، للامام شرف الدين، ص 43. 22- فضائل الخمسة، من الصحاح الستة ج 1 ، ص 200. 23- الغدير ج 4، ص 322. 24- المراجعات، للامام شرف الدين، ص 22. | |
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)










@@ 2015 @@