اهلا وسهلآ بكم حمـاة الشعائـر الحسينيــة

الجمعة، 30 أكتوبر 2015

إنتبه لصلاتك‏

إنتبه لصلاتك‏
وصيتي للمجتمع ولا سيما الشباب هي الأنس بالصلاة والالتذاذ بها، أي أن يقيموا الصلاة مع فهم معانيها وشعور بالحضور لدى حضرة الرب المتعال.

الصلاة وخلق الإنسان‏
عندما يفتح الإنسان عينيه ويرسل نظره في جولة في ما حوله يرى أين ما حط نظره ايات الدقة والجمال في ما يرى ويشعر كم أن اليد التي أبدعت هذا الكون كانت دقيقة وحاذقة في بناء هذا البنيان الذي اسمه الدنيا فكل شي‏ء في موقعه ومتالف مع باقي المخلوقات ويقوم بالاستفادة من خدمات باقي المخلوقات ويقدم في المقابل خدماته للموجودات الأخرى فلاحظ العلاقة بين توازن الهواء والنبات وبين الزهر والنحل وغير ذلك كل هذا يعمق فينا الإيمان بَأنّ‏َ هناك قدرة أوجدتنا ورزقتنا وأمدتنا بكل ما تحتاجه نفوسنا للحياة في هذه الدنيا.

من الغذاء والجمال وأسباب البقاء الأخرى، بصر وسمع وعقل وقدرة وقوة. وماء وهواء وغذاء من النبات والحيوانات. ونور وظلمة وفي‏ء وغير ذلك مما نعجز عن احصائه وعده.

هذه القدرة الرحيمة الكريمة... هي اللَّه تبارك وتعالى... وهو إضافة إلى كونه كريماً ورحيماً... فهو حكيم... لا يفعل شيئاً بدون هدف ولذا قال لنا مبيناً هدف خلقنا.﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ1.

حيث يعلم اللَّه أن رفعة الإنسان وتكامله ووصوله إلى أرقى المراتب وأعلى المقامات لا يكون إلا بالعبادة.
فالإنسان في هذه الحياة مطلوب منه أن يقطع المسافات التي تبعده عن الهدف ليصل إليه... والهدف هنا هو العودة إلى اللَّه تعالى.

ولذا فإننا في أثناء مسيرنا إلى اللَّه عزَّ وجلّ‏َ لا بد من أن نبقي الهدف النهائي نصب أعيننا، حاضراً حتى لا تضيع وعلينا دائماً الالتفات للَّه وتذكره لتكون كل حركتنا نحوه...
وعلينا مراقبة الهدف لنعرف كم تقدمنا أو تأخرنا في مسيرنا إليه...
فما الذي يذكرنا.. وينبهنا ويلفتنا.. ويصوب سيرنا وسعينا إلى اللَّه.
إنه الصلاة...
فالصلاة هي أهم الأشياء والأفعال التي تقرب الإنسان إلى اللَّه ف"الصلاة قربان كل تقي"2.
و"الصلاة معراج المؤمن"3.
الصلاة ميزان:
إذن فالصلاة من الأمور التي تجعل لحياة الإنسان معنى دونها تغدو تافهة بلا معنى ولا قيمة ولا غاية...
ولذا فإنها تغدو مقياساً فعالاً لحيوية دين الإنسان وفاعليته "من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لا صلاة له" وبها يقبل العمل أو يرد:"الصلاة عمود الدين إن قبلت قبل ما سواها وإن ردت رد ما سواه"4.

فالصلاة إحدى الوسائل بل أعظم الوسائل الموصلة إلى اللَّه ومن أهم أنواع ما يتزود به الإنسان في الطريق إلى اللَّه لأنها ذكر اللَّه الذي يشكل وسيلة للاتصال باللَّه بما يحول دون الضياع ويمنح الإنسان المعنويات العالية ويعطيه الطمأنينة والنشاط ولا يجعله ينزلق منخدعاً بالمظاهر. في زحمة الحياة وهمومها وخداعها وتزينها.

فالصلاة أشبه بجرس انذار ينبه الإنسان في ليله ونهاره ليلتفت إلى نفسه إن الزمن يمضي وإنك تقرب من أجلك وتنبه الإنسان وتلفته إلى ربه حتى لا تأخذه الانشغالات ولا ينسى هدفه وغاية وجود...

وهي كذلك وسيلة تمد الإنسان بما يحتاجه في مواجهة أعباء الحياة من روحانيات ومعنويات تساعده على تحمل هذه الأعباء وتجاوز الصعاب ولذا فإن رعاية الصلاة حق رعايتها تؤدي إلى الفلاح الذي يعني تحقيق الأهداف والنجاح في الوصول إلى المقصود.﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُون5.

الصلاة صلاتان:
ليس كل مصل من المفلحين فبالعودة إلى الاية السابقة من قوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ6.
تدل على أن الصلاة صلاتان واحدة توصل إلى المقصد وينجح من يؤديها ويكون من المفلحين...
وأخرى يكون صاحبها ومؤديها ضالاً عن الوصول إلى المقصود منها بل يصل إلى عكس ما يريد فبدل الفلاح يسقط في وادٍ من وديان جهنم وهو "ويل" فللصلاة اداب لخصتها الاية بالخشوع وقد قال النبي‏صلى الله عليه وآله وسلم: "لا صلاة لمن لا يتخشع في صلاته"7.
وعن أمير المؤمنين: "يا كميل ليس الشأن أن تصلي وتصوم وتتصدق إنما الشأن أن تكون الصلاة فعلت بقلب نقي وعمل عند اللَّه مرضي وخشوع سوي"8.

عاقبة ترك الصلاة:
فيا أيها العزيز يا أيها الحبيب أنت اختر أتكون من المصلين وتكون هادفاً عاملاً أو تكون ضائعاً تائهاً بلا هدف ولا غاية. وعليك اختيار أن تكون صلاتك تجعلك من المفلحين أو من الذين يكون مثواهم جهنم ووديانها.

فاعمل على أن لا تكون من المتهاونين بصلاتهم واسع لتكون من الخاشعين وتدبر ما تقول فيها ففي الحديث "صلاة ركعتين بتدبر خير من قيام ليلة والقلب ساه".
وواظب على أدائها في أول الوقت.

فعن الصادق عليه السلام: "فضل الوقت الأول على الأخير كفضل الاخرة على الدني"9.
حتى تسعد بصلاتك في الدنيا والاخرة ولا تسحب يوم القيامة على وجهك والناس ينظرون إليك ثم تلقى في نار جهنم.

ومما يروي تعالى عن مصير تاركي الصلاة حين يسألهم المؤمنون من أهل الجنة: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ10.
ليأتي جواب أهل سقر: ﴿قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ11.
إذن فسبب كونهم في سقر هو أنهم لم يكونوا يصلون وهل تدري ما سقر...
سقر واد في جهنم شكا يوماً شدة حره إلى اللَّه فإذن له بأن يتنفس فلما تنفس أحرق جهنم... فهل تطيق حر سقر...
دروس وعبر,سلسلة الانشطة الصيفية, نشر: جمعية المعارف الإسلامية الثقافية*

1- الذاريات:56.
2- منتهى المطلب، 193-1.
3- البحار، 303-79.
4- نهج السعادة، 120-4.
5- المؤمنون:2-1.
6- الماعون:5-4.
7- كنز العمال، 526-7.
8- تحف العقول، 174.
9- ميزان الحكمة، 1643 2.
10- المدثر:42.
11- المدثر:43.

مسلم بن عقيل



أبوه عقيل بن أبي طالب وأمّه تدعى "عليّة"18.

اقترن مسلم بابنة عمّه رقيّة19 بنت أمير المؤمنين عليه السلام، وكان مسلم في معركة صفّين على ميمنة جيش الإمام عليه السلام22، وفي عهد الإمام الحسن عليه السلام والإمام الحسين عليه السلام كان مسلم بن عقيل مثال التابع المخلص والمطيع إلى جانبهما، وكان شابّاً شجاعاً مقداماً حتّى قيل عنه: بأنّه كان مثل الأسد23.

وبعد وصول رسائل أهل الكوفة إلى الإمام الحسين عليه السلام، قام بإرسال ابن عمّه مسلم بن عقيل إليهم، وأوصاه بالتقوى وكتمان أمره واللطف بالناس، وقال له: "إن رأيت الناس مجتمعين مستوسقين فعجِّل إليَّ بذلك".

وتوجّه مسلم برفقة قيس نحو الكوفة وواجها بعض المشاكل والصعوبات في منزل "المضيق"، وبعد أن كتب إلى الإمام بذلك اتّجه إلى الكوفة بعزم أكبر24.

ولمّا وصل إليها دخل منزل المختار، وبدأ الشيعة يتردّدون إليه، ولكن مع قدوم عبيد الله بن زياد والإجراءات التي وضعها في المدينة قام مسلم بالانتقال من مكانه إلى منزل هانئ، واستمرّ أهل الكوفة بالقدوم عليه وعلى حدّ قول أبي مخنف: فقد بايعه أكثر من ثمانية عشر ألفاً من أهلها.

وما لبث مسلم أن كتب كتاباً للإمام الحسين عليه السلام يخبره ببيعة أهل الكوفة ويستعجله في القدوم إليها25.

واطلع ابن زياد من خلال بعض العيون على مكان مسلم، فقام بالقبض على هانئ وسجنه وكرد فعلٍ على اعتقاله وتعذيبه أوعز مسلم إلى الناس أن ينادى: يا منصور أمت.

فاجتمع حوله أكثر من أربعة آلاف رجلٍ، ومن ناحية أخرى أوعز ابن زياد إلى أشراف أهل الكوفة برفع لواء الأمان لفصل الناس عن مسلم. وكان لهذه الخدعة تأثيرها، فتفرّق الناس عنه جماعات جماعات26.

يروي عبّاس الجدليّ قائلاً: خرجنا مع ابن عقيل أربعة آلاف فما بلغنا القصر إلّا ونحن ثلاثمائة.

وما زالوا يتفرّقون ويتصدّعون حتّى أمسى ابن عقيل وما معه ثلاثون نفساً في المسجد، حتّى صلّيت المغرب، فما صلّى مع ابن عقيل إلّا ثلاثون نفساً، فلمّا رأى أنّه قد أمسى وليس معه إلّا أولئك النفر خرج متوجّهاً نحو أبواب كندة، فما بلغ الأبواب ومعه منهم عشرة، ثمّ خرج من الباب وإذا ليس معه إنسان واحد27.

ومضى مسلم على وجهه تائهاً في أزقّة الكوفة لا يدري أين يذهب، فمشى حتّى انتهى إلى باب طوعة فأجارته، ولكن ابنها وشى به إلى ابن زياد فعرف مكانه، وذكر أنّ ابن زياد كان عارفاً بشجاعة28 مسلم وبطولاته فأمر محمّد بن الأشعث أن يعتقل مسلم، وضمّ إليه ثلاثمائة مقاتل، وهنا رأى سفير الإمام عليه السلام نفسه وحيداً وقد حاصره القوم المجرمون فشدّ عليهم يضربهم بسيفه ويقاتلهم وهو يرتجز:

أَقْسَمْتُ لا أُقْتَلُ إِلّا حُرَّا وَإِنْ رَأَيْتُ المَوْتَ شَيْئاً نُكْرَا

كُلُّ امْرِئٍ يَوْمَاً مُلاقٍ شَرَّا وَيُخْلَطُ البَارِدُ سُخْناً مُرَّا

وفي الجولة الأولى فشل محمّد بن الأشعث ومن معه في القبض على مسلم فطلب المدد والعون من ابن زياد بعد أن قال له: إنّ مسلم يعدّ بألف رجل29، ومع ازدياد الجيش المحاصر له وفي معركة دنيئة استخدم فيها الكوفيّون النّار رموه بها وبالحجارة، وانتهت بالقبض على مسلم، وفي هذه الحال جرت الدموع من عيني مسلم وقال لمحمّد بن الأشعث: هل تستطيع أن تبعث رجلاً من عندك على لساني؟ أن يبلغ حسيناً بأن يرجع وأهل بيته ولا يغرّك أهل الكوفة فإنّهم أصحاب أبيك الذي كان يتمنّى فراقهم بالموت أو القتل إنّ أهل الكوفة قد كذّبوك وكذّبوني وليس لمكذوب رأي30، وكذلك فعل مسلم في مجلس ابن زياد حيث أوصى عمر بن سعد بأن يرسل رسولاً إلى الحسين عليه السلام ليرجع عن طريق الكوفة، ودافع مسلم بن عقيل بكلّ شجاعة عن مواقفه وعمّا أقدم عليه، وقام بفضح ابن زياد ويزيد، وعندها أمرعبيد الله بأن يؤخذ مسلم إلى أعلى القصر، ويقطع رأسه ويرمى بجسده إلى الأرض، فقام بكير بن حميران الأحمريّ بتنفيذ أوامره31.

ويقول المامقانيّ: بأنّ مسلم بن عقيل كان له من العمر عند شهادته ثمانية وعشرون32 عاماً. إلّا أنّ القبول بهذا الرأي بعيدٌ حيث إنّ بعض أولاد مسلم استشهدوا في كربلاء وكانت أعمارهم قريبة إلى هذا العمر تقريباً، فمحمّد استشهد في السابعة والعشرين33من عمره وعبد الله كان في السادسة والعشرين34 أيضاً.

العبّاس عليه السّلام ومقامه عند محبّيه وشيعته



لقد رفع الله مقام أبي الفضل العبّاس عليه السّلام وأعلى منزله في الدنيا والآخرة، ولدى محبّيه وشيعته، بل ولدى الناس أجمعين، حتّى إنّ العلاّمة الدربندي في أسرار الشهادة كما عن معالي السبطين، قال وهو يصف بعض ما لأبي الفضل العبّاس عليه السّلام من الجاه والمقام عند الناس: 

ثمّ انظر إلى اسمه الشريف عند المخالف والموالف، فإنّه قد جعل قريباً من أسماء الأئمّة الحجج، ولا تمضي ساعة إلاّ وقد وقع الحلف باسمه الشريف، بل الرعب منه أكثر من غيره، بحيث لا يحلفون باسمه كذباً، خوفاً من الابتلاء والافتضاح، وقد شاهدوا ذلك باُمّ أعينهم. 

وقصة التوسل به في قضاء الحوائج معروفة، بحيث إنّه لا يمضي أسبوع واحد إلاّ وقد علا أحدهم المنارة العبّاسيّة المباركة، وأخذ ينادي بأعلى الصوت: رفع الله راية العبّاس، وبيّض وجهه، فإنّه قد قضيت حوائجنا بتوسّلنا به إلى الله تعالى، ونزولنا بفنائه، ولجوئنا ببابه، ثمّ قال: وكيفيّة النذورات له وكثرتها معلوم وواضح.

ويشهد لهذا التصريح المذكور في معالي السبطين، والمحكي عن أسرار الشهادة، التاريخ الغابر والمعاصر، وكلّ مَنْ توفّق لأن يقصد أبا الفضل العبّاس عليه السّلام ويتشرّف بالحضور في روضته المباركة، ويزوره في كربلاء المقدّسة عن كثب، حيث إنّه يشاهد كلّ هذه الاُمور قائمة في روضته المباركة على قدم وساق، ولا عجب من ذلك، إذ هو الذي منحه الله تعالى وسام ( باب الحوائج )، وآلى على نفسه أن لا يردّ صاحب حاجة من بابه عليه السّلام خائباً، ولا مؤمّلاً به محروماً، بل يردّهم بحوائجهم مفلحين منجحين، وسالمين غانمين 1.

1-الخصائص العبّاسيّة / محمّد إبراهيم الكلباسي النجفي ص120_123.

الأبعاد المعنوية في شخصية الإمام الحسين عليه السلام


إن من جملة عشرات بل مئات الخصائص التي تنفرد بها الأمة الإسلامية بفضل القرآن والإسلام وأهل البيت، هي أن لهذه الأمة قدوات كبيرة ومشرفة نصب عينيها، وللقدوات أهميتها في حياة الشعوب، فإذا ما وجد لدى أمة شخصية فيها نفحة عظمة، فإن تلك الأمة لا تنفك عن تمجيد تلك الشخصية والتغني بها وتخليد اسمها، من أجل توجيه المسار العام لحركة تلك الأمة في الاتجاه المتوخي لها، وقد لا يكون هناك في الواقع أي وجود حقيقي لمثل هذه الشخصية وإنما يستقى من شخصية خيالية مطروحة في القصص والأشعار والأساطير الشعبية، وهذا كله نابع من حاجة الأمة لرؤية قدوات كبار أمام عينيها من أبنائها، وهذه الظاهرة موجودة في الإسلام على نحو وافر ومنقطع النظير، ومن جملة أكابر تلك القدوات هي شخصية أبي عبد الله عليه السلام إمام المسلمين وسبط الرسول، والشهيد الكبير في تاريخ الإنسانية. 

إن لشخصية أبي عبد الله الحسين عليه السلام أبعاداً شتّى يستلزم كل واحد منها بياناً وتوضيحاً شاملاً، أشير هنا إلى أن من جملتها الإخلاص، والإخلاص معناه الالتزام بالواجب لإلهي وعدم إدخال المصالح الذاتية والفئوية والدوافع المادية فيه، والبعد الآخر هو الثقة بالله، إذ أن ظواهر الأمور كانت تقضي بأن تلك الشعلة ستخفت في صحراء كربلاء، ولكن كيف يرى ذلك الفرزدق الشاعر في حين لم يكن يراه الحسين، ويراه الناصحون القادمون من الكوفة، ولا يراه الحسين بن علي الذي كان عين الله، لقد كانت ظواهر الأمور توحي بهذا المآل، إلا أن الثقة بالله كانت توجب عليه اليقين ـ رغم كل هذه الظواهر ـ بأن الغلبة ستكون لكلامه الصدق ولموقفه الحق، وجوهر القضية هو أن تتحقق نيّة لمرء وغايته، والإنسان المخلص لا تهمه ذاته فيما إذا تحققت الغاية التي يرمي إليها. 

رأيت ذات مرة أحد أكابر أهل السلوك والمعرفة كتب في رسالة:إننا إذا افترضنا ـ على سبيل المحال ـ أن كل الأعمال التي كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يطمح لى تحقيقها قد تحققت، ولكن باسم شخص آخر، فهل كان ذلك يغيظ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؟ وهل كان قد يقف منها موقفاً سلبياً مادامت باسم شخص آخر، أو انه يقف منها موقفاً ايجابياً بدون الالتفات إلى الإسم الذي تحقق على يده؟ إذن فالغاية هي المهمة، والإنسان المخلص لا يأبه كثيراً بالشخص وبالذات وبالأنا، باعتباره إنساناً مخلصاً وله ثقة بالله، وموثقاً بأن الباري تعالى سيحقق هذا الهدف، لأنه تعالى قال:﴿وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُون   فالكثير من الجنود الغالبين يخرّون صرعى في ميادين الجهاد، إلا انه تعالى قال في الوقت ذاته:﴿وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ  . 

أما البعد الثالث فهو إدراك الموقف، وعدم الوقوع في الخطأ في اتخاذه، فقد كان الإمام الحسين عليه السلام متصدياً لزمام المسؤولية، والإمامة مدة عشر سنوات، مارس خلالها نشاطات أخرى ليست من طراز الفعل الاستشهادي في كربلاء، ولكن بمجرد أن سنحت له الفرصة للإتيان بعمل كبير استغلّ تلك الفرصة ووثب وتمسّك بها، ولم يدعها تفلت من بين يديه. 
 

*الثورة الحسينية,نشر جمعية المعارف الاسلامية الثقافية,الطبعة الاولى نيسان,2001/1422-ص:60
 

المجالس الحسينية والطريق إلى شكر النعمة




إن الحقيقة التي لا ريب فيها هي أن الله سبحانه وتعالى سوف يسأل الإنسان يوم القيامة عن جميع النعم التي منّ بها عليه.وإن من أعظم النعم الإلهية علينا هي مجالس العزاء التي تقام إحياء لذكرى فاجعة عاشوراء الإمام الحسين عليه السلام . 

وللأسف فإن إخواننا من المسلمين غير الشيعة قد حُرموا من هذه النعمة العظيمة التي بإمكانهم استثمارها إذا أرادوا، طبعاً هناك القليل منهم من يقيم مراسم العزاء لأبي عبد الله عليه السلام لكنه ليس رائجاً عندهم كما هو رائج عند الشيعة بهذا الشكل الواسع الذي يعرفه الجميع. 

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا، ما هي الفائدة التي يجب أن تجنى من هذه الذكرى ومن هذه المجالس؟ وما هو الطريق لشكر هذه النعمة؟ أما الجواب على هذه الأسئلة وأمثالها فهو ملقى على عاتقكم أنتم. 

فهذه النعمة الكبيرة هي التي تربط القلوب بمنابع الإيمان بالله وبالغيب مباشرة، وهي التي جعلت الحكام الطواغيت على طول التاريخ يرتجفون خوفاً وفزعاً من عاشوراء، ومن قبر الإمام الحسين عليه السلام فقد بدأ هذا الخوف منذ زمن بني أمية وتواصل إلى يومنا هذا. 

وقد شاهدتم نموذجاً لهذا الخوف والفزع أثناء أحداث الثورة الإسلامية المباركة، فحينما حلّ شهر محرم ـ في أيام الثورة الإسلامية لم يتمكن النظام الشاهنشاهي الرجعي الكافر والفاسد من القيام بأي عمل وشلَّ عن الحركة تماماً. 

وتشير التقارير المتبقية من زمن ذلك النظام المنحط بصراحة إلى أن النظام البهلوي ومع حلول شهر محرم الحرام قد فقد السيطرة على كل شيء فلت زمام المبادرة من يده في جميع أرجاء البلاد. 

وقد عرف إمامنا الراحل قدس سره ـ ذلك الرجل الحكيم وصاحب النظرة الثقافية ـ كيف يستغل أيام عاشوراء من أجل السعي إلى تحقيق أهداف الإمام الحسين عليه السلام العظيمة، فقد أعلن قدس سره بأن محرم هو شهر انتصار الدم على السيف، وبهذا المنطق ـ وببركة شهر محرم ـ انتصر الدم على السيف في إيران الإسلامية وكما خطط له الإمام الراحل قدس سره . 

هذه إحدى النماذج التي شاهدتموها ولمستموها في أثناء أحداث ثورتنا الإسلامية المباركة. 

إذن لا بد من استثمار حركة هذه النعمة الإلهية بشكل كامل وبنّاء من قِبَل العلماء وأبناء الشعب معاً.أما استثمار أبناء الشعب لهذه النعمة فيتمثل في إقامة مجالس العزاء وتوسيعها على أكبر نطاق ممكن والمشاركة الفعّالة والجادّة فيها. 

ويجب أن تكون تلك المشاركة بقصد الاستفادة الحقيقية وليس مجرد إتلاف للوقت أو محاولة الحصول على الثواب الأخروي ـ بالشكل الذي يتصوره بعض السذّج من الناس ـ فمن المؤكد أن المشاركة والحضور في هذه المجالس يستتبعه الثواب الأخروي، ولكن السؤال:ما هو السبب في الحصول على الثواب من خلال المشاركة في مجالس عزاء الإمام الحسين عليه السلام ؟ 

فمن المسلّم أن هذا الثواب يتحصل نتيجة لسبب من الأسباب وما لم يتحقق ذلك فإن الثواب سوف لا يحصل قطعاً، ولكن البعض يغفل ـ وللأسف ـ عن هذه النقطة ويعتبر أن مجرد الجلوس في المجالس الحسينية كافٍ على الثواب الأخروي. 

إذن يجب على أبناء الأمة معرفة القيمة الحقيقية والأهمية البالغة لتلك المجالس والمشاركة الجادّة فيها وجعلها وسيلة لتعميق الارتباط القلبي بينهم وبين الحسين عليه السلام وآل النبي صلى الله عليه وآله وسلم واتخاذها ـ تلك المجالس ـ للوصل بينهم وبين روح الإسلام والقرآن.

*الثورة الحسينية,نشر جمعية المعارف الاسلامية الثقافية,الطبعة الاولى نيسان,2001/1422-ص:130 

التكليف في ظل الانحراف


لو انحرف المجتمع الإسلامي وبلغ الانحراف درجة بحيث خيف انحراف أصل الإسلام والمبادئ الإسلامية ـ لأن الانحراف على قسمين ـ فتارة ينحرف الناس ، وهذا ما يقع كثيراً، لكن تبقى أحكام الإسلام سليمة، وتارة ينحرف الناس ويفسد الحكّام والعلماء ومبلغو الدين، فيحرفوا القرآن والحقائق، وتبدّل الحسنات سيئات والسيئات حسنات، ويصبح المعروف منكراً والمنكر معروفاً ، ويحرف الإسلام 180 درجة ـ فلو ابتلي النظام والمجتمع الإسلامي بمثل هذا الأمر ، فما هو التكليف حينئذ؟

لقد بيّن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وحدّد القرآن التكليف﴿مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ  . إضافة إلى آيات وروايات كثيرة أخرى. 


لكن هل تمكّن النبي صلى الله عليه وآله وسلم من العمل بهذا الحكم الإلهي؟ كلا، لأن الحكم الإسلامي يطبق في عصر ينحرف فيه المجتمع الإسلامي ويبلغ حداً يخاف فيه من ضياع أصل الإسلام، والمجتمع الإسلامي لم ينحرف في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولم ينحرف في عهد أمير المؤمنين عليه السلام بتلك الصورة، وكذا في عهد الإمام الحسن عليه السلام عندما كان معاوية على رأس السلطة، وإن ظهرت الكثير من علائم ذلك الانحراف، لكنه لم يبلغ الحد الذي يخاف فيه على أصل الإسلام، نعم، يمكن أن يُقال انه بلغ في برهة من الزمن الحد، لكن في تلك الفترة لم تتاح الفرصة ولم يكن الوقت مناسباً للقيام بهذا الأمر.

إن هذا الحكم الذي يعتبر من الأحكام الإسلامية لا يقلّ أهمية عن الحكومة ذاتها، لأن الحكومة تعني إدارة المجتمع، فلو انحرف المجتمع وفسد، وتعطّل الحكم الإلهي، ولم يوجد عندنا حكم وجوب تغيير الوضع وتجديد الحياة أو بتعبير اليوم "الثورة "فما الفائدة في الحكومة في الإسلام، فالحكم الذي يرتبط بإرجاع المجتمع المنحرف إلى الخط الصحيح لا يقل أهمية عن الحكومة ذاتها، ويمكن أن يقال إنه أكثر أهمية من جهاد الكفار ومن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الطبيعيين في المجتمع الإسلامي، بل وحتى من العبادات الإلهية العظيمة، كالحج، لماذا؟ لأن هذا الحكم ـ في الحقيقة ـ يضمن إحياء الإسلام بعد أن أشرف على الموت أو مات وانتهى.

إن الذي يجب عليه أداء هذا الحكم وهذا التكليف هو خليفة النبي الذي يقع في عصره هذا الانحراف بشرط أن يكون الوقت مناسباً للقيام بذلك، لأن الله لا يكلّف بشيء لا فائدة فيه، طبعاً ليس معنى " أن يكون الوقت مناسباً " هو عدم وجود الخطر، كلا، ليس هذا المقصود، بل يجب أن يكون الوقت مناسباً، أي أن الإنسان يعلم أن هذا العمل الذي يقوم به تترتب عليه نتيجة إبلاغ النداء إلى الناس وإفهامهم وعدم بقائهم على خطأهم، وربما أن الإسلام قد انحرف في عصر الإمام الحسين عليه السلام وكان الوقت مناسباً، لذا وجب على الحسين عليه السلام أن يثور، فالشخص الذي تولى السلطة بعد معاوية لم يراع حتى جوهر الإسلام، وكان منغمساً في الخمر والمجون والتهكم بالقرآن وترويج الشعر الإباحي المرفوض من قِبَل الإسلام، فكان يخالف الإسلام علناً، وكان بعمله هذا كنبع الماء العفن الذي يفسد كل ما حوله، وهكذا يكون الحاكم الفاسد، فيما انه يتربَّع على قمّة المرتفع، فما يصدر منه لا يبقى في مكانه، بل ينتشر ليملأ ما حوله، خلافاً للناس العاديين حيث يبقى فسادهم لأنفسهم أو للبعض ممن حولهم، طبعاً كل من شغل مقاماً ومنصباً رفع في المجتمع الإسلامي كان ضرر فساده أكبر، لكن لو فسد من يقع على رأس السلطة لانتشر فساده وشمل كل الأرض، كما انه لو كان صالحاً، لامتدّ الصلاح إلى كل مكان.

فشخص كهذا أصبح خليفة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فهل هناك انحرافاً أكبر من هذا؟ 

إذن الأرضية ممهدة، وما معنى أن الأرضية ممهدة؟ هل معناه عدم وجود الخطر؟ كلا، فالخطر موجود، فلا معنى أن يبقى من هو على رأس السلطة ساكتاً أمام معارضيه ولا يخلق لهم المخاطر، بل من البديهي أن يوجه لهم الضربات، فعندما نقول الوقت المناسب، فمعناه أن الظروف في المجتمع الإسلامي مواتية لأن يبلغ الإمام الحسين عليه السلام نداءه إلى الناس في ذلك العصر وعلى مرّ التاريخ.

فلو أراد الإمام الحسين عليه السلام الثورة في عصر معاوية لما سمع نداؤه وذلك لأن الحكم والسياسات كانت بشكل لا يمكن للناس فيها سماع قول الحق، لذلك فإن الإمام الحسين عليه السلام لم يقدم على شيء ولم يثر أيام خلافة معاوية، مثلما أن الإمام الحسين عليه السلام لم يثر على معاوية، لأن الظروف لم تكن مواتية، وليس معنى ذلك أن الإمام الحسن عليه السلام لم يكن أهلاً لذلك، فلا فرق بين الإمام الحسن عليه السلام وبين الإمام الحسين عليه السلام ، ولا بين الإمام الحسين والإمام السجاد عليه السلام ، ولا بين الإمام الحسين عليه السلام والإمام علي الهادي عليه السلام أو الإمام الحسن العسكري عليه السلام ، طبعاً منزلة الإمام الحسين عليه السلام ـ الذي أدّى هذا الجهاد ـ أرفع من الذين لم يؤدوه ولكنهم سواء في منصب الإمامة، ولو وقع في عصر أي منهم هذا الأمر لثار ذلك الإمام ونال تلك المنزلة.

فالإمام الحسين عليه السلام واجه مثل هذا الانحراف، والظروف كانت مواتية، فلا محيص للإمام عليه السلام من تأدية هذا التكليف، لهذا فعندما قال له عبد الله بن جعفر ومحمد بن الحنفية وعبد الله بن عباس ـ الذين كانوا من العلماء والعارفين بأحكام الدين ـ أن تحركك فيه خطر فلا تذهب، أرادوا أن يقولوا:إن التكليف قد سقط عنك لوجود الخطر، لكنهم لم يدركوا أن هذا التكليف ليس بالتكليف الذي يسقط بوجود الخطر، لأن مثل هذا التكليف فيه خطر دوماً، فهل يمكن لإنسان أن يثور ضد سلطة مقتدرة في الظاهر ولا يواجه خطراً. 

لقد كانوا يقولون للإمام الخميني قدس سره إن الخطر في مواجهتهم للشاه، فهل أن الإمام لم يكن يعلم بالخطر؟ ألم يكن الإمام يعلم أن جهاز الأمن البهلوي يعتقل ويقتل ويعذب؟

بلى فالذي حدث في عصر الإمام الحسين عليه السلام حدث في عصر الإمام الخميني ، فقد كان هدف الإمام الحسين عليه السلام وهدف إمامنا العظيم مشتركاً وهو إرجاع الإسلام والمجتمع الإسلامي إلى الصراط المستقيم والخط الصحيح بعد أن انحرف عن المسير وانحرف المسلمون نتيجة جهل وظلم واستبداد وخيانة البعض وكانت الظروف مواتية في عصرنا مثلما كانت مواتية في زمن الإمام الحسين عليه السلام ، فأقدم الإمام قدس سره على نفس العمل، لكن مع فارق وهو أن الثورة ضد الحكم الباطل في عصرنا انتهت بإقامة الحكومة الإسلامية والحمد لله، لكن ثورة الإمام الحسين عليه السلام كانت نتيجتها الشهادة، فهل أن الثورة في الصورة "الثانية"لا تصبح واجباً؟ وهل لا فائدة فيها إن كانت نتيجتها الشهادة؟ كلا، إن الثورة واجبة وإن انتهت بالشهادة، ولا فرق في ذلك سواء انتهت بالشهادة أو الحكم، لكن لكل منهما نوع من الفائدة.

 

*الثورة الحسينية, نشر جمعية المعارف الاسلامية الثقافية, الطبعة الاولى نيسان, 2001/1422-ص:73

خواص الحق ومغريات الدنيا



 إن خواص الحق يُقسمون إلى فريقين
أ- الفريق الأول هم الذين يتغلبون في الصراع مع مغريات الدنيا والحياة من الجاه والشهوة والمال واللذة والرفاه والسمعة. 

ب- والفريق الآخر هم الذين يخفقون في هذا الصراع، هذه ـ أي اللذة والسمعة والجاه وما شابه ـ كلها أمور حسنة، وكلها من مباهج الدنيا "متاع الحياة الدنيا". والقرآن حينما يصفها بأنها متاع الحياة الدنيا فلا يعني ذلك أنها قبيحة، فالمتاع جعله الله ليتمتع به الإنسان، ولكن إذا انغمس فيها إلى الحد الذي يعجز عن اجتنابها فيما إذا استدعت التكاليف الصعبة منه ذلك.فهذا شيء، وإذا استمتع فيها إلى الحد الذي يستطيع معه الكف عنها بكل سهولة عند حصول أي امتحان عسير، فهذا شيء آخر. 

هذه الأمور تستدعي إعمال النظر فيها، وتستلزم الدراسة والدقة لأن أفراد المجتمع والنظام والثورة لا يمكن ضمان مستقبلهم اعتباطاً، فكل مجتمع يوجد فيه هذان النمطان من نصار الحق، إذا ؤكان الفريق الصالح منهما، أي الذين يستطيعون عند الحاجة الانتهاء من متاع الدنيا، هم الأكثر، فلن يقع المجتمع بما وقع فيه على عهد الإمام الحسين عليه السلام ، وكونوا على ثقة أن المستقبل سيكون مضموناً إلى الأبد. 

أما إذا كانوا قلّة، وكان ذلك الفريق من الخواص، أي المناصرين للحق ولكن في الوقت نفسه تنهار معنوياتهم أمام المغريات الدنيوية، بما فيها من ثروة، ودار وشهرة ومنصب وجاه والذين يعرضون عن سبيل الله لأجل أنفسهم فيلتزمون الصمت حيثما يجب قول الحق، حفاظاً على أرواحهم أو مناصبهم أو أعمالهم أو ثرواتهم أو لحب الأولاد والأسرة والأقارب والأصدقاء. هؤلاء إذا كانوا هم الكثرة فالويل الويل حينئذ عندها ينزل السائرون على خطى الحسين إلى أرض الشهادة ويُقادون إلى مسالخ الذبح، ويتسلّط أتباع يزيد على مقاليد الأمور، وسيحكم بنو أُمية الدولة التي أسسها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ويطول حكمهم ألف شهر، وتتحول الإمامة إلى ملك وسلطان. 

فالمجتمع الإسلامي مجتمع الإمامة، أي يكون الإمام فيه على راس السلطة وهو الشخص الذي يكون بيده زمام الأمور، والناس ينقادون له انقياداً قلبياً نابعاً من الإيمان.أما السلطان فهو على خلاف ذلك يحكم الناس بالقهر والغلبة، والناس لا يعتقدون به ولا يقبلون حكمه ولا يميلون إليه، والمقصود من الناس هنا ذوو الفهم والوعي. 

لقد بدّل بنو أمية الإمامة في الإسلام إلى سلطنة وملكية، وحكموا هذه الدولة الإسلامية الكبرى ألف شهر أي تسعين سنة، حينذاك وضعت أسس بناء هش انتهى إلى الثورة ضد بني أمية الذين انقرضوا وجاء بعدهم بنو العباس، وحكموا العالم الإسلامي ستة قرون أي ستمائة سنة على أساس أنهم خلفاء الرسول. 

وبنو العباس الذين كان خلفاؤهم أو بتعبير أدق ملوكهم يمارسون الفساد والفسق وشرب الخمور والفجور والفحشاء والخبائث وجمع الثروات واللهو والملذات وآلاف أنواع المفاسد الأخرى، كانوا يحضرون المساجد أيضاً ـ كما هو حال سائر الملوك في العالم ـ ويؤمّون الناس في الصلاة، وكان الناس يصلّون خلفهم اضطراراً ـ وان لم يبلغ 
اضطرارهم ذلك الحد ـ أو من باب الاعتقاد المغلوط وهو ما أدى بالنتيجة إلى تخريب معتقدات الناس!

إذا أصبح الخواص المناصرون للحق في مجتمع ما ـ كلهم أو أكثرهم ـ يخافون على حياتهم وعلى فقدان الأموال والمناصب والجاه والمكانة الاجتماعية ويخشون العزلة بسبب تعلقهم بالدنيا. حينذاك لا يناصرون الحق ولا يضحّون بأنفسهم. وحينما تصير الأمور إلى هذا الحال، حينئذ يقع في طليعة الأمور استشهاد الإمام الحسين عليه السلام بتلك الصورة المأساوية، ويكون آخرها تسلط بني أمية والعصابة المروانية ومن بعهدهم بنو العباس. ثم سلسلة السلاطين الذين حكموا العالم الإسلامي إلى يومنا هذا.

*الثورة الحسينية,نشر جمعية المعارف الاسلامية الثقافية,الطبعة الاولى نيسان,2001/1422-ص:39

الخميس، 29 أكتوبر 2015

السيد حسن نصر الله ضد التطبير

الشيخ فاضل المالكي ينسف بدعة التطبير


رأي السيد كمال الحيدري في التطبير

الأربعاء، 28 أكتوبر 2015

لماذا فاق يوم الحسين(ع)أيام غيره من الشهداء؟




 إلا إذا دمـه فـي كربـلا سفكـافما رأى السبط للدين الحنيف شفاً
 إلا بـنفـس مـداويـه إذا هلكـاو ما سمعنا عليـلا لا علاج لـه
 بنفسـه و بـأهلـية ومـا ملـكـانفسـي الفداء لفادي شـرع والده
 وبـالعـراء ثلاثـا جسمـه تركـايـا ميتا تـرك الألبـاب حائـرة
 تطبق الـدور والأرجـاء والسككـافي كل عام لنـا بالعشر واعيـة
حتى السماء رمت عن وجهها الحبكاوكـل مسلمـة ترمـي بزينتهـا

يرد هذا التساؤل بكثرة والحاح وهو: 
أولا: لماذا يعنى الشيعة باحياء ذكرى شهادة الحسين عليه السلام وثورته اكثر من غيره من الثوار والشهداء..؟ 

وثانيا: لقد مضى على يوم الحسين عليه السلام زمن طويل يقارب الأربعة عشر قرنا فلماذا يعاد وتجدد ذكراه والاحتفال به في كل عام بكل جدية واهتمام؟ 

فللإجابة على السؤال الأول نقول: لأن ثورة الحسين عليه السلام أظهر مصداق للثورات التحررية في تاريخ العالم كله واستشهاده عليه السلام أوضح وأجلى صورة للاستشهاد في سبيل الله تعالى وذلك هو لأن الحسين عليه السلام قام باداء أعظم فريضة من فرائض الاسلام وهي فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. قام بادائها على أصعب مراتبها وأشد صورها وارفع مستوياتها. فالله سبحانه وتعالى احتفظ بيوم الحسين حيا خالدا ليكون حجة على الناس وقدوة للمسلمين ومثلا أعلى لكل رجال الدين والمسؤولين في كل زمان ومكان في القيام لهذا الفرض الأعظم.

أما كون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أعظم الفرائض الاسلامية فهو صريح الأحاديث الشريفة والنصوص المؤكدة الصادرة عن المعصومين عليه السلام ففي الحديث عن النبي صلى الله عليه واله: لا تزال أمتي بخير ما تآمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر فإذا تركوا ذلك تسلط عليهم شرارهم ثم يدعون فلا يستجاب لهم. وفي حديث آخر عنه صلى الله عليه واله: إذا رأيت امتي تهاب الظالم أن تقول له أنت ظالم فتودع منها. 

واشتهر عنه صلى الله عليه واله قوله: كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته... وهاك استمع إلى هذا النص الجلي عنه صلى الله عليه واله حيث يقول: ما أعمال البر كلها في جنب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا كقطرة في البحر المحيط. وأخيراً قوله صلى الله عليه واله: كيف بكم إذا فسق شبانكم وفسدت نسائكم وتركتم الأمر المعروف والنهي عن المنكر. قالوا أو يكون ذلك يارسول الله؟ قال نعم وشر من ذلك كيف بكم أذا أمرتم بالمنكر ونهيتم عن المعروف؛ قالوا أو يكون ذلك يارسول الله؟ قال نعم وشر من ذلك كيف بكم إذا رأيتم المنكر معروفا والمعروف منكرا. ولا تنس قوله صلى الله عليه واله: سيد الشهداء عمي حمزة بن عبد المطلب ورجل قام في وجه سلطان جائر فأمره بالمعروف ونهاه عن المنكر فقتله. 

وقوله صلى الله عليه واله من رأى منكم منكرا فلينكره بيده ومن لم يستطع فبلسانه وإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الايمان... وفيما ورد عن الامام أمير المؤمنين عليه السلام قوله في عهده إلى نجله الامام الحسن عليه السلام قال يا بني وامر بالمعروف تكن من أهله وانكر المنكر بيدك ولسانك وباين من فعله بجهدك وخض الغمرات الى الحق ولا تأخذك في الله لومة لائم. وقال عليه السلام في وصيته قبيل وفاته لا تتركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيولى شراركم ثم تدعون فلا يستجاب لكم.. 

وفيما ورد عن الامام محمد الباقر عليه السلام قوله يأتي في آخر الزمان أناس حمقى لا يوجبون أمرا بمعروف ولا نهيا عن منكر إلا إذا أمنوا الضرر يقبلون على الصلاة والصيام مما لا يكلفهم شيئا من أموالهم وابدانهم ولو كلفتهم الصلاة شيئافي أموالهم وأبدانهم لتركوا الصلاة والصيام كما تركوا أشرف الاعمال، أي الامر بالمعروف والنهي عن المنكر. 

وهكذا وإلى غير ذلك مما لا يسعنا في هذا المقام استقصاؤه؛ ومن الواضح أن كل هؤلاء يعبرون عما نطق به القرآن الكريم حيث أعطى هذه الفريضة أهمية كبرى فوق كل الفرائض الاخرى. كما هو صريح قوله تعالى﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ انظر كيف حصرت الآية أفضلية هذه الامة على سائر الامم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ثم في الايمان بالله...

وقال سبحانه وتعالى «والعصر ان الانسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر» انظر كيف خصص التواصي بالحق عن عمل الصالحات. حيث يوحي بأن كل أعمال الصالحات في جهة والتواصي بالحق والصبر في جهة اخرى... وقال سبحانه وتعالى في معرض بيان الأسباب التي أدت إلى شقاء بعض الامم السالفة ﴿كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ. 

والخلاصة أن فريضة الأمر بالمعروف أعظم الفرائض أهمية في الاسلام وذلك لأن على قيام هذه الفريضة يتوقف قيام الشريعة كلها فهي فريضة المحافظة على النظام وضمان تطبيقه والرقابة الشعبية القائمة عليه ولذا لم تسقط عن أي مسلم ومسلمة في أي مستوى كان. الساكت عن الحق شيطان أخرس. 

ولا خلاف ولا شك في أن كافة الأنبياء والأوصياء والعلماء من الصحابة والتابعين وكثير من المؤمنين قاموا باداء هذه الفريضة العظمى وأدوا هذا الواجب حسب ظروفهم وأحوالهم وامكانياتهم. غير أن الحسين عليه السلام قام باداء هذا الواجب على نحو من الصعوبة والمشقة لم يسبقه فيه سابق ولم يلحقه لاحق. أجل لقد وقف الأنبياء والأوصياء في وجه الطغاة والظالمين وكلفهم ذلك تضحيات كبيرة في أموالهم وأبنائهم وأنفسهم وأهاليهم ولكن لم يتفق لأحد منهم أن ضحى بكل هذه الأشياء وغيرها مجتمعة وفي آن واحد مثل الحسين عليه السلام ضحى بستة أو سبعة من اخوته وبثلاثة من أبنائه اثنان منهم أطفال رضع وسبعة عشر شابا من بني عمومته وأبناء اخوته وبنيف وسبعين رجلا من خلص أصحابه وأخيرا بحياته الزكية وبعياله وحرمه وخيامه وماله ومتاعه وكل ما ملكت يداه. 

ضحى بكل هذه الأشياء وغيرها بشكل من القسوى والعنف والشدة تقشعر منه الجلود وسيتعصي على الشرح والبيان فهو عليه السلام بكل حق وجدارة قدوة الآمرين بالمعروف والمثل الأعلى بين رجال التضحية والفداء: 
وما سمعنـا عليلا لا علاج       له إلا بنفس مداوية إذا هلكا 
نفسي الفداء لفادي شرع         والده بنفسه وأهليه وما ملكـا 


فلا عجب بعد هذا إذا عرفنا السبب والعلة حيث يقال إذا عرف السبب زال العجب ومنه نعرف أسباب حرص المسلمين عامة والشيعة منهم خاص على احياء ذكرى الحسين ونشرها ولفت الأنظار اليها بكل الوسائل والشعائر. لأن الحسين عليه السلام أعظم داعية للجهاد في سبيل الله وأظهر مثل للثبات والاستقامة على المبدأ وأرفع منار على طريق الشعور بالمسؤولية وادائها. ولولا حرمة النحت والتماثيل في الاسلام لكان من المفيد جدا بالاضافة إلى ذلك؛ ان نقيم التماثيل للحسين عليه السلام في كل الساحات والشوارع بل في كل بيت لأننا كلما تذكرنا الحسين عليه السلام تذكرنا الله والدين والحق والعدل والانسانية المثالية. 

وكلما نسينا أو تغافلنا عن الحسين التبس علينا وجه الحق وفقدنا الموازين الانسانية والمقاييس التي تفرق وتشخص الحق عن الباطل. وعند ذلك الويل والشقاء حسب ما ورد في الحديث الشريف كيف بكم... كيف بكم إذا رأيتم المعروف منكرا والمنكر معروفا، ولقد أحسن من قال: لقد تحمل من ارزائها محنا لم يحتملها نبي أو وصي نبي وقال الآخر: أحسين فيما أنت قد حملته أشغلت فكر العالمين جميعا.

وأما جوابنا عن السؤال الثاني فنقول: ليس كل حادثة تتأثر بطول العهد ومرور الزمن عليها فتفقد أهميتها وأثرها في النفوس أو يطويها الزمن في ملف المهملات. كلا. بل ترى بالوجدان ان في العالم حوادث وشخصيات يستحيل على الزمن هضمها وعلى التاريخ استهلاكها وتصريفها. فمن الحوادث مثلا الثورات الشعبية الكبرى كالثورة الفرنسية وأمثالها التي يحتفل بذكراها رغم مرور الزمن الطويل عليها. ومن الشخصيات مثلا السيد المسيح عيسى ابن مريم عليه السلام الذي لا يزال يحتفل بذكرى ميلاده كل عام رغم مرور ما يقارب الألفي سنة على ولادته. 

فإذا خلود الشخصيات والحوادث أو عدم خلودها إنما يدور مدار آثار تلك الحوادث والشخصيات لا مدار مرور الزمن. ومما لا شك فيه بين ذوي البصائر والمعرفة أن شخصية الحسين بن علي عليه السلام وثورته ضد الدولة الأموية هما في رأس قائمة الشخصيات العالمية والحوادث الجلية من حيث الآثار والنتائج لأنها غيرت أو أثرت في مجرى تاريخ الامة الاسلامية وصانت الشريعة الاسلامية من التحريف والتزييف وحفظت كيان المسلمين من الزوال والذوبان.

ولذا فليس من مصلحة الانسانية نسيان تلك الشخصية المثالية او تناسي تلك الثورة المقدسة. حيث أن في نسيان شخصية الحسين نسيان للانسانية المثلى في كل زمان كما أن في تناسي ثورته المقدسة فقدان لأعظم درس في الحرية والعزة والتضحية المقدسة. فإلى مزيد من تذكر الحسين عليه السلام وإلى مزيد من أحياء ذكرى ثورته المقدسة أيها المؤمنون 1.

1-مأساة الحسين عليه السلام بين السائل والمجيب

هل هناك ثمرة من ثورة الحسين عليه السلام؟



أيها القارئ الكريم لا تظن أن ثورة الحسين عليه السلام وتضحياته السخية المباركة قد خدمت التشيع فحسب. كلا. وبل وخدمت المسلمين كأمة واحدة وبأجمعهم أيضاً وذلك بما ولدته فيهم من وعي وإحساس تنبهوا بهما إلى أمر خطير وغلط كبير جداً كان محدقاً بهم وكاد أن يبدل دينهم وهم لا يشعرون. 

وهو أن المسلمين من حيث العموم كانوا ينظرون إلى الخلفاء والأمراء الذين حكموهم منذ أن قبض النبي محمد صلى الله عليه واله بصفة مزدوجة هي صفة المشرعين والمنفذين في آن واحد أي كانوا يتصورون أن الخليفة له صلاحية التشريع والتحليل والتحريم والتغيير والتبديل. كما له حق التطبيق وصلاحية التنفيذ قياساً لهم على رسول الله صلى الله عليه واله الذي كان هو المشرع والمنفذ معاً ومن هذه النظرة الخاطئة من المسلمين إلى حكامهم تجرأ بعض أولئك الحكام على الاجتهاد ضد نصوص الكتاب والسنة الشريفة وعلى التلاعب بأحكام الإسلام حسب شهواتهم ومصالحهم. 

فما أن التحق رسول الله صلى الله عليه واله بالرفيق الأعلى حتى بدأ الاختلاف بين سيرته وسيرة المسؤولين بعده إلى أن جاء دور عثمان فكان الاختلاف بين سيرته وسنة رسول الله بلغ الى حد قالت عنه أم المؤمنين عائشة وقد أخرجت ثوباً من ثياب النبي صلى الله عليه واله تعرضه على الناس. انظروا هذا ثوب رسول الله بعد لم يبل وعثمان قد ابلى سنته.

والخطر الأكبر الذي كان يكمن في تلك الظاهرة هو أن المسلمين كانوا يأخذون تلك التصرفات الشاذة عن نصوص القرآن والسنة الشريفة من قبل الخلفاء بعين الاعتبار وبأنها من صميم الإسلام وشريعة الله تعالى. لذا فقد استغل الأمويون تلك النظرة أكبر فرصة لهم في سبيل تحقيق مؤمراتهم العدوانية ضد الإسلام ونبي الإسلام فأخذوا يحرفون ويشوهون ويتلاعبون بشعائره ومقدساته حيثما شاءوا. فمن ذلك مثلاً أن معاوية صلى بهم ذات مرة صلاة الجمعة يوم الأربعاء فصلوها معه. وسن لهم سب الإمام أمير المؤمنين على المنابر وفي صلاة الجمعة. 

وأعطى الجزية للرومان مقابل سحبه المرابطين على الحدود ليحارب بهم أمير المؤمنين عليه السلام ولبس الحرير والذهب وشرب الخمر وقتل النفوس المحترمة على الظنة والتهمة وألحق زياد بن سمية بأبيه أبي سفيان خلافاً لنص الحديث الشرف: الولد للفراش وللعاهر الحجر وحول الخلافة الإسلامية الى ملك وراثي عضوض. والخ. وإلى ذلك من بدعه ومخالفاته التي يطول شرحها وكان الناس يأخذون تلك البدع بعين الاعتبار وإنها من الدين كما قدمنا.

ولكن بعد ثورة الحسين عليه السلام تغيرت نظرة المسلمين الى الحكام والأمراء وظهروا أمام الرأي العام الإسلامي على أنهم سلاطين جور وحكام بالقهر والغلبة وملوك دنيويون ليس لهم صفة شرعية ولا سلطة تشريعية. فالإسلام شيء وسيرة الحكام والأمراء الذين يحكمون المسلمين شيء آخر لا يمثل أحدهما الآخر في شيء أبداً.

ولهذا التبدل والفصل بين الحكام وأعمالهم من جهة وبين الإسلام والمسلمين من جهة أخرى بقي الإسلام محفوظاً ومصاناً على الصعيد الفكري إلى يومنا هذا. ولولا ذلك لكان الإسلام خبراً بعد عين ولكان المسلمون اليوم أمة جاهلية أباحية لا تعرف الله ولا تؤمن بنبي ولا تقرأ كتاباً. 

وليس أدل على ذلك أي على ما قلناه من أن ثورة الحسين عليه السلام عزلت الحكام عن الشعب وانتزعت منهم صلاحية التشريع وصفة الشرعية عن سلوكهم. من ظهور الطوائف ، وتعدد المذاهب وتزايد الفرق الإسلامية بعد عصر الحسين عليه السلام مباشرة. ووجه الدلالة فيه هو من حيث أن الحكام لما شعروا بمقت الأمة لهم وتنفر الرأي العام منهم وان الحسين عليه السلام قد انتزع بثورته المقدسة الخالدة. السلطة الروحية من أيديهم وبالتالي تبين لهم أنهم أصبحوا معزولين عن الشعب روحياً ودينياً لذا حاولوا أن يستعبدوا سلطتهم على الأمة. وسيطرتهم على الشعب ولو من طريق غير مباشر أي بواسطة عملاء لهم من رجال الدين والعلماء الذين تغريهم المناصب وتستغويهم الأموال ليكون هؤلاء العملاء كحلقة وصل بين الشعب والحكام ينفذون سياسة الحكام ويبررون اجرامهم ويدعون سلطانهم اللاشرعي ومن ثمة يكونوا سلاحا بيد السلطات يحاربون بهم الدين ويدافعون بهم عن حكمهم وسلطانهم القائم باسم الدين.

وهكذا كان. فقد بدأ الحكام بعد الحسين سياسة التفرقة الطائفية وتمزيق وحدة المسلمين بالطائفية وتعدد المذاهب التي بلغت في أواسط الدولة العباسية إلى أكثر من ثلاثمائة طائفة وفرقة وكل طائفة تنتمي وتنتسب إلى رجل دين أو عالم أو محدث إما مساير للسياسة والحكام كلياً. أو سلبي مجامل لهم على أحسن الفروض وبذلك نجحت سياسة (فرق تسد) في خدمة الحكام نجاحاً كبيراً وظلوا محتفظين بكراسيهم وسيطرتهم من هذا الطريق. 

وظل أئمة الهدى من أهل البيت عليهم السلام ومعهم شيعتهم وأصحابهم هم الطائفة الوحيدة بين تلك الطوائف الإسلامية الكثيرة الذين يمثلون الحزب المعارض لتلك الحكومات الجائرة والذين يقفون في وجه أولئك العلماء الدجالين ورجال الدين المنافقين السائرين في ركاب الحكام والأمراء. فهذا مثلاً الإمام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام بعث اليه المنصور الدوانيقي مرة يقول له يا ابا عبد الله هلا تغشانا وتزورنا كما يغشنا غيرك من العلماء. فأرسل اليه الإمام عليه السلام يقول له ليس عندنا من الدنيا ما نخافك عليه وليس عندك من الآخرة ما نرجوك له ولست في نعمة حتى نهنيك ولا ترى نفسك في مصيبة حتى نعزيك وقد قال رسول الله صلى الله عليه واله إذا رأيتم العلماء على أبواب الأمراء فقولوا بئس العلماء وبئس الأمراء وإذا رايتم الأمراء على أبواب العلماء فقولوا نعم العلماء ونعم الأمراء. فعلام نصحبك بعد هذا. فأرسل اليه المنصور ثانية يقول له تصحبنا لتنصحنا. فقال الإمام عليه السلام ان من يريد الدنيا لا ينصحك وان من يريد الآخرة لا يصحبك. 

ولقد بذل الحكام جهوداً كثيراً وحاولوا شتى المحاولات لكي يستميلوا أهل البيت عليه السلام نحوهم ويجذبوهم الى جانبهم ليكسبوا تأيدهم. ولكن فشلوا وخاب ظنهم وما وجدوا من آل محمد صلى الله عليه واله إلا الاستقامة على الحق والتصلب ضد الباطل واعلان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا تأخذهم في الله لومة لائم. لذلك قابلوهم بكل ظلم واضطهاد وحاربوهم بكل قسوة وعنف واضطهدوا شيعتهم ومنعوا الناس من الوصول اليهم وأغلقوا أبوابهم وتركوهم شتى مصارعهم وأجمعها فظيعة:
حشـاشتـه نقـيعـهفمكابد للسم قد سقيت
عـزه وأبى خضوعهومضرج بالسيف آثر
مـا قـاسـا جميعهومصفد لله سلم أمـر
الهم مهجهـا لسيعـهو سبية باتت بأفعـى

وهذا الاضطهاد والتعسف الذي مارسه الحكام ضد أئمة الهدى من آل البيت عليه السلام هو السبب في انقسام الشيعة أنفسهم إلى عدة فرق وطوائف ايضاً لأن امام الحق كان ممنوعاً من اظهار نفسه والدعوة اليه وكان بسطاء من الشيعة يخدعون بالدعايات المضلة والمظاهر الجذابة فيلتفون حول بعض الأشخاص من أبناء الأئمة عليهم السلام أو من أقاربهم ويقولون بإمامتهم. مثل الكيسانية الذين دانوا بإمامة محمد بن الحنفية  بعد الحسين عليه السلام لما كان يتحلى به محمد من علم وشجاعة وانه ابن الإمام علي عليه السلام وأخو الحسين عليه السلام وبالتالي هو أكبر من الإمام زين العابدين عليه السلام. 

ثم الزيدية الذين دانوا بإمامة زيد بن علي بن الحسين عليه السلام بدل الإمام محمد الباقر عليه السلام.
ثم الاسماعيلية الذين قالوا بإمامة اسماعيل بن الصادق عليه السلام بدل أخيه الإمام موسى الكاظم عليه السلام. وهكذا الى غيرها من الفرق الشيعية الأصل والتي شذت عن طريق الحق بسبب اختفاء صوت امام الحق أو الارهاب الذي كان يحول دون وصولهم إلى امام الحق وقد أبيد أكثر تلك الطوائف والفرق ولم يبق منها الى اليوم سوى الطائفة الزيدية في اليمن والطائفة الاسماعيلية في الهند والباكستان. إلى جانب الطائفة الحقة الجعفرية الإمامية الذين يشكلون أكبر طائفة إسلامية في العالم والذي ساروا مع التشيع الصحيح إلى آخر الشوط ودانوا بإمامة الأئمة الاثني عشر المنصوص عليهم من رسول الله صلى الله عليه واله بالإمامة وهم علي بن أبي طالب ثم ابنه الحسن عليه السلام ثم أخوه الحسين عليه السلام ثم ابنه علي زين العابدين عليه السلام ثم ابنه محمد الباقر عليه السلام ثم ابنه جعفر الصادق عليه السلام ثم ابنه موسى الكاظم عليه السلام ثم ابنه علي الرضا عليه السلام ثم ابنه محمد الجواد عليه السلام ثم ابنه علي الهادي عليه السلام ثم ابنه الحسن العسكري عليه السلام ثم ابنه محمد المهدي عليه السلام صاحب العصر والزمان عليهم السلام جميعاً صلوات الله وسلامه. 

وهنا بمناسبة ذكر صاحب الزمان يتولد سؤال كثيراً ما يتسائل به شباب عصرنا الحاضر حول هذا الإمام الثاني عشر عند الشيعة الجعفرية الذي يعتقد في أنه غاب عن الأبصار بعد وفاة أبيه الامام الحادي عشر الحسن العسكري عليه السلام وذلك قبل أكثر من ألف ومائة وعشرين عاماً اي في سنة 260من الهجرة وهو لا يزال حياً يرزق حتى الآن في هذه الدنيا إلى أن يأذن الله له بالظهور فيظهر ويطهر العالم من الظلم والجور والفساد في وقت لا يعرفه على وجه التحديد إلا الله تعالى.

والسؤال في هذا الموضوع يدور غالباً حول بقائه حياً هذه المدة الطويلة وانه كيف يعيش انسان حوالي ألف ومائة وعشرين سنة ولا يزال حياً إلى ما شاء الله؟ 
الجواب:
 أولاً من الناحية العلمية لا مانع في ذلك ولا استحالة. لأن العلم لم يحدد عمر الانسان وإنما حدد أسباب الوفاة وهي تتلخص في اختلال المزاج والتوازن الصحي واصابة الأعضاء الرئيسية في الجسم بعطب خطير فكلما حافظ الانسان على توازن صحته وسلامة أعضائه الرئيسية كلما استمر بقائه وطالت حياته ومن هنا يختلف الناس في طول البقاء وقصره تبعاً لسلامة أجسامهم من الأمراض.

ومما لا شك فيه أن الإمام المعصوم المؤيد من قبل الله تعالى يكون أعرف الناس بقوانين الوقاية الصحيحة واكثر الناس عملاً بها وتمسكاً بها فلا بد أن يكون أطول الناس عمراً وأكثرهم بقاء في هذه الحياة. وقد حدثنا التاريخ عن أشخاص عمروا في الدنيا مئات السنين مثل نوح عليه السلام الذي عمر أكثر من ألف وخمسمائة سنة وغيره كثيرون ممن عمر مدداً ترواح بين المائة سنة والألف سنة وأحوالهم مذكورة في بطون كتب التاريخ والمعمرين ومنهم مثلاً سطيح كاهن الشام الذي عاش ثلاثين قرناً حسب نصوص التاريخ ومات بعد ولادة النبي محمد صلى الله عليه واله بمدة قليلة وقصته معروفة... والواقع أن البحث حول الإمام المهدي عليه السلام يحتاج إلى تفصيل واسع لا يسعه المقام وسنعود اليه بمناسبة أخرى إن شاء الله. 

والخلاصة هي: ان ثورة الحسين عليه السلام حفظت للمسلمين اسلامهم من خطر انقلاب جاهلي ماحق وعرفتهم بأعدائهم المتسترين بثياب الإسلام والحاكمين باسم الإسلام وبعثت فيهم روح الثورة والمعارضة ضد أولئك الأعداء وحفظت لهم شخصيتهم الإسلامية وقد أجاد المرحوم السيد جعفر الحلي حيث قال:
 
 لـه حميـة ديـن الله إذ تركـايوم بحامية الإسلام قـد نهضـت
والرشد لم تـدرِ قـومٌ أية سلكـارأى بـأن سبيـل الغنـيّ متّبــعٌ
كأن مـن شرع الإسلام قد أفكـاو النـاس عادت اليهـم جاهليتهـم
 يمسي و يصبح بالفحشاء منهمكـاوقـد تحكـم بالإسـلام طـاغيـة
وكيـف صار يزيـد بينهم ملكـالم أدرى أين رحال المسلمين مضوا
 و من خساسة طبع يعصر الودكـاالعاصر الخمـر من لئـم بعنصره
 فسيفه بحشـا التوحيـد قـد فتكالئن جرت لفظة التوحيد مـن فمـه
ومـا إلى أحد غيـر الحسين شكاقد أصبح الدين منه يشتكـي سقمـاً
 إلا إذا دمـه فـي كربـلا سفكـافما رأى السبط للدين الحنيف شفـاً
إلا بنفـس مـداويـة إذا هلـكـاو ما سمعنـا عليـلاً لا علاج لـه
 بنفـسـه وبـأهليـه ومـا ملكـانفسـي الفداء لفـادٍ شـرع والـده
وكلمـا ذكرتـه المسلمـون ذكـا 1.بقتلـه فـاح للاسـلام نشر هـدى

1-مأساة الحسين عليه السلام بين السائل والمجيب

الأربعاء، 21 أكتوبر 2015


المشرف : الشيخ ابو علي الفاطمي @@ 2015 @@

Designed by Templateism