اهلا وسهلآ بكم حمـاة الشعائـر الحسينيــة

الجمعة، 1 يناير 2016

ما سرّ دعوة الله نبيّه محمّدًا للاستغفار من ذنبه؟



أورد الله تعالى في القرآن الكريم عدّة آيات دعا فيها نبيَّه محمّدًا صلى الله عليه وآله وسلم إلى الاستغفار من ذنبه، قال تعالى:
﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ1.
﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا2.
﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا * لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ3.

فكيف نفسِّر هذه الآيات، مع قطعنا بعصمة النبيّ محمّد صلى الله عليه وآله وسلم بالدليل العقليّ المتقدِّم، والذي لا بدّ أن يُفسَّر النصّ في ضوئه، لكون العقل القطعيّ هو الذي أوصلنا من خلال حكمة الله تعالى إلى النصّ القرآنيّ، وبالتالي لا يمكن أن يعارض هذا النصّ، فإذا كان ظاهره معارضًا له فلا بدَّ أن نؤوّله بما يوائم ذلك الدليل العقليّ القطعيّ، وحال هذه الآيات هو حال تلك الآيات التي عرضنا في الكتاب السابق "يسألونك عن الله"، والتي تفيد بأنّ لله تعالى يَدَيْن، بقوله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ4، وبأنّ له وجهًا، بقوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ5، وبأنّ له عينًا، بقوله تعالى: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي6، وبأنّ له ساقًا، بقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ7، فقد عرضنا في ذلك الكتاب تأويلاً لهذه الآيات بما يتواءم مع الدليل العقليّ المفيد بأنّ الله تعالى غنيّ، وبالتالي فهو غير مركّب، لأنّ المركّب محتاج إلى أجزائه، وبالتالي فهو ليس له جسم، لأنّ الجسم مركّب، وعليه فلا بدّ من تأويل تلك الآيات بما ينسجم مع الدليل العقليّ، بأن نقول: يُراد من اليدين يد الثواب ويد العقاب، أو يد القوّة ويد النعمة، ويُراد من الوجه الذات، ومن العين الرعاية، ومن الساق الشدّة، كما تقدّم ذلك في كتابنا الآنف الذكر، وعليه، فكيف نفسِّر آيات ذنب النبيّ محمّد صلى الله عليه وآله وسلم؟

جواب عام نلاحظ أنّ العديد من الآيات القرآنيّة جرى فيها الخطاب إلى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، لكنّها في الواقع ليست موجَّهة إليه صلى الله عليه وآله وسلم، بل كانت من باب المَثَل القائل: "إيّاك أعني، واسمعي يا جارة"، وذلك مثل قوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا8، مع أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم نشأ يتيمًا بلا والدين.

بناءً عليه، يمكن حمل الآيات الداعية إلى الاستغفار ونحوه بأنّها موجَّهة، من الظاهر، إلى الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، إلاّ أنّها في الحقيقة موجَّهة إلى سائر المسلمين.

جواب خاص

إنَّ معنى الذنب في اللغة "الجُرم"9، وهو من المفاهيم النسبية التي يَختلف انطباقها بحسب حال الإنسان وموقعه وبيئته، حاله في ذلك حال معنى العيب، فإنه أيضًا من المفاهيم النسبية، إذ نلاحظ أنّ بعض تصرفات الإنسان البدويّ في بيئته ليست عيبً، بينما التصرّف نفسه يُحكم عليه بالعيب في البيئة الحضرية، وكذلك نُلاحظ أنّ أكْلَ شابٍّ عاديٍّ في شارع عام ربّما لا يُعتبر عيب، ولكن لو أنّ عالم دين ذا مكانة فعل ذلك فقد يُلام، ويُعتبر ذلك منه عيب، بل قد يراه البعض مُسقطاً للمروءة.

واللافت في نظرة الناس إلى نسبيَّة الذنب أنهم قد يعتبرون الفعل نفسه حسنًا من ناحية، وذنبًا من ناحية أُخرى، وقد يكون منشأ هذا الأمر مقام الإنسان وشأنيَّته، فلو أنّ شاباً متدينًا ليس له تميّز في موقعه وشأنه الاجتماعيّ، طلب من أحد الأشخاص البعيدين عن أجواء التدين والأخلاق مساعدةً لأجل نشاط إسلاميّ، فقام ذلك الشخص ووبَّخه، وطرده، رافضًا إعطاءه أيَّ مساعدة، فما هو موقفنا من عمل هذا الشاب؟

من الطبيعي أن نثني على عمله، ونعتبره حسنً، وإن لم تحصل النتيجة المطلوبة.
ولكن لو أنَّ مرجعًا دينيًا، أو قائدًا كبيرًا، قام بهذا الطلب، وطرده ذلك الرجل، فهنا قد نُعاتب المرجع أو القائد: بأنّ هذا العمل غير لائق ومناسب لمقامه وشأنه، فلا نعدُّ ما صدر عنه حسناً باعتبار شأنيَّته وموقعه، فهذا الفعل هو حسن باعتبار، وهو ليس كذلك باعتبار آخر.

ولتقريب الفكرة أكثر، أُعطي مثالاً يتعلق بالحكم على الشيء تارة بلغة العقل وأُخرى بلغة القلب.
فقد ورد في الأدب العالمي قصص حبٍّ وعشقٍ خرجت عن مألوف الناس، كعشق روميو لجوليت في الأدب الإنكليزي، وشيرهاد لشيرين في الأدب الفارسي، وقيس لليلى في الأدب العربي الذي ورد فيه أنَّ قيسًا كان يتبدّل حاله بين العقل والجنون بسبب لقائه ليلى.

وبغضّ النظر عن واقعية تلك القصة، واعتمادًا على المعروف منه، فلو أنَّ قيسًا كان يجلس مع ليلى، فهو يعتبر أنّ جلوسه معها يُمثِّل قمة السعادة، وغاية الكمال المنشود، فلو أنه أثناء جلوسه مع معشوقته اضطرَّ إلى تركها نصف ساعة ليُعطي الدواء لأُمِّه المريضة، ثم عاد إليه، فما هو الحكم المناسب لذهابه إلى والدته لأجل مداواتها؟

فمن الواضح أنّ هذا العمل، بلغة العقل والمجتمع، هو حسن، بل من أوجب الواجبات، وأفضل ما يقوم به الإنسان في حياته من أعمال.
ولكن إذا أردنا الحديث عن موقف قيس حينما يرجع إلى ليلى -وهي عارفة بما قام به- وقد تركها نصف ساعة، فهل يعود بشكل طبيعي بدون اعتذار؟ أو أنه يعتذر إليها لغيابه عنها نصف ساعة، على رغم ضرورة ما قام به؟ الجواب بلغة القلب: أنه يعتذر إليه، على قاعدة أنّ للعقل لغة، وللقلب لُغة أُخرى، ففعله بلغة العقل حسنٌ، وبلغة القلب بحاجة إلى اعتذار.

وهكذا هو حال الأنبياء عليه السلام، في كثير من حالاتهم التي يعتبرون فيها أنّ خلوتهم مع الله تعالى، وقيامهم بين يديه - عزَّ وجل - تُمثِّل لهم قمة الكمال الإمكانيّ، والعبوديّة الإنسانيّة، لذا فهم حينما ينصرفون من بين يدي الله تعالى لأجل القيام بأمور لا تخلو من حُسْن، فإنَّهم يرجعون إلى الله تعالى في خلوتهم معه، معتبرين ما صدر عنهم بأنه ذنب، وعليهم أن يستغفروا الله بسببه. وهذا من مصداق القول المعروف: "حسنات الأبرار سيِّئات المقرّبين"10.

والخلاصة:
أوّلاً:
إنّ الذنب لا يعني -دائمًا- الإثم باعتباره معصية لأوامر الله الإلزامية.
ثانياً: إنّ الذنب قد يُطلق على أمر حسن بذاته، لكنّه ليس كذلك باعتبار مقام بعض الناس وأولويّاتهم.
ثالثاً: إنّ الذنب قد يُطلق على أمرٍ ليس فيه قبح ذاتي، إلاّ أنّه يُعدّ جرمًا لبعض الاعتبارات دون بعضها الآخر.

الذنب في آية الفتح

إنَّ ما تقدَّم يصحّ جوابًا على الآية الأولى والثانية المتقدِّمتين في طيَّات السؤال السابق، أمّا آية الفتح، وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا * لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ11، فإنّ لها تفسيرًا خاصًّ، هو أنّ المراد من الذنب منها هو التبعة السيّئة التي كانت لدعوته صلى الله عليه وآله وسلم عند المشركين، فقد تأذَّى المشركون كثيراً من دعوة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، التي اعتبروها مقوِّضة لأركان تراثهم، وما يعتبرونه دِيناً لهم، وبالتالي لعزّتهم وكرامتهم أمام سائر العرب وغيرهم. لذا كانوا يعتبرون ما قام به النبِّي صلى الله عليه وآله وسلم من الدعوة إلى الإسلام، ومناهضة عبادتهم للأوثان ذنبًا كبيرًا، أرادوا أن يؤكِّدوا نظرة الناس إليه كذَنْب، ويروِّجوا ذلك في أوسع بقعة يتمكنون منها.

ولأجل ذلك شنّوا هجومًا على النبي صلى الله عليه وآله وسلم منذ بداية الإعلان عن دعوته، من خلال الدعاية المُشوِّهة لصورته ودينه الذي كان صلى الله عليه وآله وسلم يدعوهم إليه، فنعتوه بالساحر والمجنون والشاعر المختلق للقرآن، بل ورد أنهم كانوا في مواسم الإقبال على مكة يجعلون بعض رجالهم قرب النَّبي صلى الله عليه وآله وسلم، ليشوِّشوا عليه، ويشوِّهوا صورته بنعته بتلك الصفات السلبية.

وقد أثَّرت هذه الدعاية بشكل كبير في العرب، فحالت بين عقولهم، وتأثُّرها بالمنطق النبويّ، وبين قلوبهم، وتوجُّهها نحو رسالته الإلهية.
نعم لقد اختلق أهل قريش قضية كاذبة حول شخصية النَّبي صلى الله عليه وآله وسلم ودعوته، وعمَّموها على البلدان، وسيطروا بها على عقول كثير من العرب وقلوبهم، فأصبحت عقولهم وقلوبهم مُغلقة أمام دعوة الإسلام.

لقد كان عمل أهل قريش يُركّز على إدراك الإنسان، لأنّ من يستطيع السيطرة عليه يُمكنه تسيير الإنسان بالوجهة التي يريد، إذ أنّ سلوك الإنسان تابع لإدراكه وعلمه، وليس لواقعيّة الشيء، فالإنسان الذي تقترب منه أفعى سامّة، وهو لا يعلم بوجودها، فإنّه لا يتحرك من مكانه، ولا يهرب منها، فإذا علم بها، فإنه يتحرك هاربًا، وهذا يدلُّ على أنّ الذي يحرِّك الإنسان، ويؤثِّر في سلوكه، هو إدراكه، وليس وجود الشيء الواقعيّ.

وهكذا نلاحظ أنّ نظرة الإنسان إلى الإنسان الآخر، وسلوكه معه، لا يكونان بحسب ما هو عليه الآخر من واقع، بل بحسب إدراك الإنسان الذي قد يكون وهمًا لا حقيقة. بل إنّ الإنسان قد لا يتفاعل مع قيمة عالية لعدم إدراكه لها، فقد يطوف المؤمن حول الكعبة الشريفة وكتفه إلى جنب كتف إمام الزمان وصاحب العصر عجل الله تعالى فرجه الشريف، لكنه لا يتأثّر بذلك بسبب عدم معرفته به، في حين أنّه لو عرفه ستكون حالته مما يصعب توصيفها. وقد يعتقد الإنسان بمقام إنسان آخر، فيقدِّره، ويحترمه، ويجلّه، مع أنّه قد يكون واهمًا في اعتقاده.

إذًا ما يحرِّك الإنسان ويؤثِّر في سلوكه هو إدراكه، وليس الواقع المجرَّد عن ذلك الإدراك.
وهذا يسري على حال الفرد والمجتمع، فإنّ من يريد أن يغيِّر مجتمعًا ما عليه أن يسيطر على إدراك أبنائه ليحصل التغيير، فيمكن للإنسان أن يحوِّل أسطورة وهمية إلى حقيقة في أذهان الناس، ويتمكّن من جعلهم يعتبرونها قضية حقَّة، يرتِّبون عليها الآثار والنتائج،كما هو الحال في اختراع اليهود قصة "الهولوكست" (المحرقة اليهودية)، التي استطاعوا أن يزرعوها كحقيقة في أذهان الكثير من الناس في العالم، كقضية تعبِّر عن قمة المظلوميّة للشعب اليهودي، حتى أثَّر ذلك في الحكومات التي تدَّعي حُرِّية التعبير والفكر في العالم الغربي، فإذا بها تحكم بالسجن والملاحقة على مُفكِّرين كبار، لأنهم شكَّكوا في قصة "الهولوكوست".

وكذلك قصة "الماسادا" التي تحكي عن قتل 900 يهودي لم يُسلِّموا أنفسهم للرومان في ملحمة بطوليّة مزعومة، فإنّ المحققين يؤكِّدون أنَّها لا أثر لها في التاريخ، سوى ما رُويَ عن مجموعة من المشاغبين اليهود، انتحروا أثناء حصارهم من قبَل الرومان.ومع ذلك جعل اليهود "الماسادا" رمزًا للتضحية، حتى إنّ الجنديّ الإسرائيليّ يذهب إلى نُصب "الماسادا" حينما يريد أن يقسم يمين الولاء للكيان الصهيونيّ.

وهكذا حال الكثير من القضايا المُخترَعة التي يُحوِّلها الإعلام من خلال معركة الإدراك والوعي إلى ما يعتقده الآخرون حقائق. كما تفعل اليوم أمريكا في حربها الناعمة ضدّ الإسلام وقيمه.

وبالعودة إلى أهل قريش الكافرين، فقد مارسوا لعبة الإدراك بذكاء وشيطنة، حتى استطاعوا أن يؤثِّروا في عقول العرب وقلوبهم بشكل كبير، بحيث إنَّ الدعاية المنتشرة المشوِّهة لصورة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ودينه أضحت قابلة للاستمرار بشكل مركّز في المستقبل.

فعقول العرب وقلوبهم كانت مُغلقة بشكل مُحكم، قابل للاستمرار والبقاء، بحيث كان ذلك مانعًا من دخولهم إلى دين الله تعالى.وبعبارة أُخرى كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم في نظرهم مُذنبًا ذنبًا كبيرًا، كما تقدَّم في ما قام به من الدعوة، وسيستمرُّ ذنبه في المستقبل طالما هو سائر في دعوته.

من هنا كان هذا الإغلاق للعقول والقلوب مانعًا من دخول الناس في دين الله أفواجًا، فكان فتح مكّة هو فتح لعقول الناس وقلوبهم، وهو محوٌ للدعاية السابقة المشوَّهة لصورة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، كما كان دافعًا لتلك الدعاية اللاحقة، بهذا المعنى، غفر الله للنبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم ذنبه المتقدِّم والمتأخِّر معًا.
* كتاب يسألونك عن الأنبياء، سماحة الشيخ أكرم بركات.

1- سورة غافر، الآية 55..
2- سورة النصر، الآية 3.
3- سورة الفتح، الآيتان 1-2.
4- سورة المائدة، الآية 64.
5- سورة القصص، الآية 88.
6- سورة طه، الآية 39.
7- سورة القلم، الآية 42.
8- سورة الإسراء، الآية 23.
9- ابن فارس،أحمد، معجم مقاييس اللغة، تحقيق عبد السلام هارون، (لا.ط)، قم مكتب الإعلام الإسلامي، 1404 هـ،ج 22 ص 349- الجوهري، الصحاح تحقيق أحمد عبد الغفور عطار، ط4،
بيروت، دار العلم للملايين،، 1407 ه، ج1، ص 129.
10- الحرّ العاملي، محمد بن الحسن، الجواهر السنية،(لا،ط)، النجف، مطبعة النعمان، 1964م. ص83.
11- سورة الفتح، الآيتان 1-2.

الإساءات الماديّة إلى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم



الإساءات الماديّة إلى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم

يقول الله تعالى في محكم كتابه: ﴿وَإِن كَادُواْ لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأَرْضِ لِيُخْرِجوكَ مِنْهَا وَإِذًا لاَّ يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلاَّ قَلِيلاً1.

الإساءات الماديّة

1- قتل المسلمين
لمّا عجزت قريش عن مواجهة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، ولم تستطع التخلّص منه بسبب حماية أبي طالب عليه السلام له، ولم تستطع الحدّ من عدد المسلمين، عمدت إلى التصفية الجسديّة واستئصالهم ليكونوا عبرةً لغيرهم، فكان أوّل شهيد وشهيدة في الإسلام ياسر وسميّة والدا عمّار الصحابيّ الجليل رضي الله عنهم، ولكنّ الثبات على المبدأ والاستعداد للتضحية في سبيله، أظهر قوّة الإسلام في نفوس المسلمين ممّا جعل المتردّدين يقبلون أكثر نحو هذا الدين الجديد.

2- الإخراج من مكّة والحصار في شعب أبي طالب عليه السلام
قال تعالى: ﴿وَإِن كَادُواْ لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأَرْضِ لِيُخْرِجوكَ مِنْهَا وَإِذًا لاَّ يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلاَّ قَلِيلاً2، فإنّهم عمدوا إلى إخراجه صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين من مكّة، ولكن ما لبثوا حتّى قتلوا ببدر3، فإنّ من يلجأ إلى الله في الشدائد لا بدّ أن يأتيه بالفرج.

3- محاولة القتل
قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ4، وذلك عندما شعرت قريش بحجم الخطر فيما لو التحق النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بأصحابه، خاصّة بعدما قدَّرت أنّ المدنيّين سيحمونه وينصرونه بعدما بايعوه، فاتخذت قراراً حاسماً بالتخلُّص من النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم قبل فوات الأوان، واستطاعت أن تنتزع قراراً بمشاركة كلِّ قبائل قريش في عمليّة الاغتيال، من أجل أن يتفرّق دمه في القبائل كلّها؛ فلا يعود بإمكان بني هاشم أن يثأروا لدمه، ولكنّ الله تعالى أخبر رسوله صلى الله عليه وآله وسلم بهذه المؤامرة، وأمره بالخروج ليلاً من مكّة وأن يجعل عليّاً عليه السلام مكانه ليبيت على فراشه من أجل التمويه والإيهام، وليردّ كيدهم عليهم، فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى غار ثور وبات عليّ عليه السلام على فراشه تلك الليلة. وعندما اقتحم المشركون دار النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وجدوا أنفسهم أمام عليّ عليه السلام، ونظراً للتضحية الكبرى الّتي قدّمها الإمام عليّ عليه السلام، أنزل الله تعالى بحقّه قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ وَاللّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ5.

4- الحرب ضد
بعد هجرة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة، أقام نواة دولة، ممّا جعل أمر الإسلام ينتشر بين القبائل العربيّة، بعد أن كان محصوراً في قريش، بسبب التعتيم على الدعوى الحقّة، فرأى زعماء قريش أن لا مناص إلّا بقمع الإسلام بقوة السلاح والحرب، فصار الصراع عسكريّاً، ولكنّ الله أنزل نصره على نبيّه صلى الله عليه وآله وسلم، قال تعالى: ﴿أَلاَ تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّواْ بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُم بَدَؤُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤُمِنِينَ* قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ6، فحثّ الله المؤمنين على قتال الّذين أخرجوهم والرسول صلى الله عليه وآله وسلم من بيوتهم، وأن لا يخشونهم، بل يخشون الله فإنّه سينصر النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم على أيديهم.

وقال تعالى: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ * ثُمَّ أَنَزلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَعذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَذَلِكَ جَزَاء الْكَافِرِينَ7، فنصرهم الله وأنزل سكينته على رسوله صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين، وأنزل الملائكة، فمن ينصر الحقّ ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ينصره الله ويعذّب الكافرين.

وقال تعالى: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاء حَسَناً إِنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ 8، فالله هو الّذي قتل وهو الّذي رمى، وهو الّذي أوهن كيد الكافرين.

5- محاولة الاغتيال
من الأحداث المُهمَّة الّتي وقعت مع النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم خلال عودته من تبوك محاولة اغتياله، فقد ذكرت المصادر التاريخيّة أنّه حين وصل الجيش الإسلاميّ إلى العقبة بين المدينة والشام قال صلى الله عليه وآله وسلم: "من شاء منكم أن يأخذ بطن الوادي فإنّه أوسع لكم" فأخذ الناس بطن الوادي وسلك هو طريق العقبة، وكان يقود ناقته عمّار بن ياسر ويسوقها حذيفة بن اليمان، فرأى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في ضوء القمر فرساناً قد تلثّموا ولحقوا به من ورائه في حركةٍ مُريبة فغضب صلى الله عليه وآله وسلم وصاح بهم وأمر حذيفة أن يضرب وجوه رواحلهم؛ فتملّكهم الرعب وعرفوا بأنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم قد علم بما أضمرته نفوسهم بمؤامرتهم، فأسرعوا تاركين العقبة ليُخالِطوا الناس ولا تنكشف هويّتهم.

وطلب حذيفة من الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أن يبعث إليهم من يقتلهم بعدما عرفهم من رواحلهم، ولكنّ رسول الرحمة عفا عنهم وأوكل أمرهم إلى الله تعالى9.

هذا سرد مختصر لما تحمّله قلب نبيّنا أرواحنا فداه من أذى وإساءات، ولم نذكر مثلاً أذى اليهود واستهزاءهم بالنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم من التشكيك به ومحاولة تعجيزه، وتحريض المشركين عليه والتجسّس عليه لصالحهم، وإثارة الفتن بين المسلمين، وتآمرهم على حياة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم مراراً، ونقض العهود والمواثيق الّتي أبرموها معه صلى الله عليه وآله وسلم.

ولو أردنا حصرها لاستوعبت مجلّدات، فإنّه حتّى آخر عمره الشريف شهد أقسى الإساءات، من عصيان أمره صلى الله عليه وآله وسلم بتجهيز جيش أسامة، والحيلولة دون كتابة الوصية، والتنازع عنده واتهامه في عقله، وغير ذلك.

الخاتمة

لقد كشف لنا التاريخ أنّ مخالفي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الّذين استهزأوا به وأساءوا إليه، ما كان لهم حجّة بل حجّتهم داحضة، وفي يومنا هذا واستمراراً لإساءات واستهزاء المشركين، يتابع الغربيون هذه المعركة.

فقد عرفوا أنّ الإسلام يملك من قوّة الحجّة، بمعجزته الخالدة القرآن الكريم

الّذي أعجز الناس على أن يأتوا بمثله ماضياً وحاضراً، وبرسوله الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم الّذي لا ينكر نوره وعظمته.

فلم يبق لهم في مواجهة الإسلام ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم وكتابه، سوى السبّ والشتم والإساءة، برسوم وأفلام وغير ذلك، وما أساليبهم هذه إلّا لضعف حجّتهم ومنطقهم، فالضعيف هو من يلجأ إلى هذه الأساليب الّتي تؤكّد ضعف وضحالة مرتكزات حضارتهم الماديّة، وهذا أذان بسقوط حضارتهم، وقرب زوالهم وهلاكهم، فإنّه ما تجرّأ قوم على الله واستهزؤوا بأنبيائه عليهم السلام إلّا انتقم الله منهم.

قال تعالى: ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِىءَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُواْ مِنْهُم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِؤُونَ10.

وقال تعالى: ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِىءَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ11.

وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا12.

وقال تعالى: ﴿سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُّسُلِنَا وَلاَ تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلاً13.

عسى أن يبصّرنا الله سبحانه وتعالى زوالهم وفناءهم بما آذوا رسوله صلى الله عليه وآله وسلم وأمّة رسوله، وبما تجرّؤوا على الله سبحانه وعلى نبيّه صلى الله عليه وآله وسلم.
* كتاب إلا رحمة للعالمين، إعداد ونشر جمعية المعارف الإسلامية الثقافية.


1- سورة الإسراء، الآية: 76.

2- سورة الإسراء، الآية: 76.

3- تفسير القمّي، ج‏2، ص24.

4- سورة الأنفال، الآية: 30.

5- سورة البقرة، الآية: 207.

6- سورة التوبة، الآية: 13.

7- سورة التوبة، الآيتان: 25 26.

8- سورة الأنفال، الآيتان: 17 18.

9- بحار الأنوار، العلامة المجلسي، ج21، ص247.

10- سورة الأنعام، الآية: 10.

11- سورة الرعد، الآية: 32.

12- سورة الكهف، الآية: 106.

13- سورة الإسراء، الآية: 77.

الصلاة على محمّد وآل محمّد



أهميّة الصلوات

يقول الله تعالى في محكم كتابه: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا1.

تمهيد

أغلب الأدعية والمناجاة والزيارات الواردة عن أئمّة أهل البيت عليهم السلام ، تبدأ بالصلاة على محمّد وآل محمّد أو تختم بها، فالصلاة على النبيّ وآله من الآداب العامّة الّتي يراعيها الداعي قبل وبعد أيّ دعاء، والصلوات أيضاً قد يتكرّر ذكرها في أثناء المناجاة والأدعية، تماماً كما في كثير من أدعية الصحيفة السجّاديّة الواردة عن الإمام زين العابدين عليه السلام.

وقد بلغت الصلوات درجة من الأهمّيّة حتّى أصبحت جزءاً من التشهّد، وتبطل الصلاة فيما لو تُركت عمداً، وهذا ما أشار له الشافعيّ وهو أحد الأئمّة الأربعة عند أهل السنّة في شعره بمدح أهل البيت عليهم السلام قائلاً: (1)
كفاكم من عظيم القدر أنّكم من لم يصلّ عليكم لا صلاة له2 فالصلاة الّتي هي علاقة فرديّة وشخصيّة مع الله سبحانه نجد أنّه لا بدّ أن تُذكر الصلوات فيها، وهذا الوجوب في التشهّد ليس حكماً خاصّاً بأتباع مدرسة أهل البيت عليهم السلام ، وإنّما هو حكم متّفق عليه لدى الفريقين الشيعة والسنة.
 
بعض الملاحظات حول الصلوات

ولأجل هذه العلاقة الخاصّة ينبغي الإشارة إلى بعض الملاحظات حول الصلوات.

الملاحظة الأولى
ورد من جملة آداب الدعاء أن تُذكر الصلوات قبل وبعد الدعاء وذلك لأجل استجابة الدعاء، وقد ذكر في بيان هذا الأمر أنّه الدّعاء الّذي تُذكر الصلوات قبله وبعده في الحقيقة هو ثلاثة أدعية، لأنّ معنى الصلوات هو طلب الرحمة الخاصّة للنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته الأطهار عليهم السلام ، وهذه الصلوات وبعبارة ثانية هذان الدعاءان قبل وبعد الدعاء من المؤكّد أنّها محلّ العناية الإلهيّة ومورد القبول والإجابة، وذلك لأنّه لا يُعقل ولا يمكن أن لا يستجيب الله سبحانه أخلصَ الأدعية لأفضل عباده وهم النبيّ وأهل بيته الأطهار، ومِن البعيد عن ساحة الفضل والكرم والجود الإلهيّة أن لا يستجيب الدعاء الّذي هو في الوسط بين الدعاءَين، طبعاً فيما لو كان هذا الدعاء الشخصيّ مستوفياً لكلّ شرائط الإجابة، ولم يكن بصدد طلب معصية أو على خلاف المصلحة الشخصيّة أو خلاف مصالح الآخرين.

وعليه سيكون هذا الدعاء الّذي في الوسط مظنّة الإجابة، ويكون محلّ العناية الإلهيّة والسمع الإلهيّ.

سؤال وجواب
ما هي حكمة الصلوات في التشهّد؟ علماً أنّ هذه الصلوات ليس قبلها ولا بعدها أيّ دعاء خاصّ، وإنّما هي واقعة بعد ذكر الشهادتين: "أشهد أن لا إله إلّا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمّداً عبده ورسوله، اللهمّ صلِّ على محمّد وآل محمّد"، وقد ورد بعدها السلام وهو: "السلام عليك أيّها النبيّ ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته"، وكذلك الأمر بالنسبة للصلوات المذكورة في الآية القرآنية الكريمة: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا3، حيث لا يوجد أيّ دعاء لنا، ولا أيّ طلب أو حاجة خاصّتَين بنا، فما هي حكمة هذه الصلوات؟

وقبل الإجابة على هذا السؤال لا بدّ من بيان ثلاث مقدّمات:
1ـ إنّ كلّ إنسان عاقل يضع هدفاً لأيّ عمل يقوم به عن اختيار منه، وعليه فإنّ الداعي لا بدّ أن يكون هادفاً وقاصداً لاستجابة دعائه.

2ـ نحن لا نعلم شيئاً عن الدعاء الّذي ندعو به، هل يصبّ في مصلحتنا أولا، وعليه هل يُقبل أو لا، لكنّنا نعلم علم اليقين أنّ الصلوات يستجيبها الله سبحانه، من هنا فالإنسان العاقل عليه أن يدعو الدعاء الّذي يستجيبه الله تعالى.

3ـ عندما نقوم بالصلوات على رسول الله وأهل بيته عليهم السلام ففي الواقع نحن نطلب الرحمة لهم عليهم السلام ، ويُعتبر ذلك بمثابة الهديّة لهم عليهم السلام وهم خير من تأدّب وتخلّق بالأخلاق الإلهيّة، الّتي منها ما وردت الإشارة إليه في قوله تعالى: ﴿هَلْ جَزَاء الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ4.

لذلك فإنّ مقتضى كرم أهل البيت عليهم السلام أن يقوموا بردّ هديّتنا بل ومضاعفتها لنا، ويقومون بالدعاء لنا نحن، ومن المؤكّد أنّ دعاءهم مستجاب إن شاء الله تعالى.

وعليه لو قمنا بالدعاء لأنفسنا فلا نعلم أنّه مستجاب أم لا، ولكن لو قام النبيّ وأهل بيته الأطهار بالدعاء لنا، فإنّ دعاءهم مستجاب بإذن الله تعالى.

إذاً بحكم العقل إن كنّا بصدد طلب المنفعة لأنفسنا، علينا أن نبدأ بالصلوات على النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته عليهم السلام مع غضّ النظر عن إدراج دعائنا الشخصيّ بين الصلوات في الابتداء والصلوات في ختام الدعاء.

الملاحظة الثانية
إنّ الدعاء بالصلوات على النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته الأطهار عليهم السلام ترجع مصلحتها للإنسان الداعي، وذلك لأنّ الداعي يقوم بطلب الرحمة للنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته عليهم السلام ووجودهم المقدّس مليء بالرحمة الإلهيّة ولا يحتاج وأيّ إضافة عليه، لذا فإنّ هذه الرحمة عندما تُفاض عليهم سوف ترشح وتفيض منهم عليهم السلام إلى غيرهم ممّن هو متعلّق بهم ويعدّ تابعاً وتحت ولايتهم، ولو أردنا تشبيه هذه الحالة فإنّ أفضل مثال لها هو شخص عنده كوب مليء بالماء، فكلّما سُكب ماء داخل الكوب فإنّه سوف تفيض على الصحن الّذي تحته، والّذي يستفيد من هذا الماء المسكوب هي الموجودات المتعلّقة أو الموجودة بالصحن؛ وعليه فإنّ من يدعو ويصلّي على النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته تعود نفع هذه الصلوات إليه، لأنّ وجودهم مليء بالرحمة فتفيض منهم عليهم السلام على الشخص الداعي، ولذلك ورد في الدعاء: "اللهم صلِّ على محمّد وآل محمّد صلاة تغفر بها ذنوبنا، وتصلح بها عيوبنا..."5.

ونتيجة ما تقدّم: إنّ الصلوات على النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وآل بيته عليهم السلام ترجع فائدتها إلى شخص الداعي، هذا بالإضافة إلى أنّ هذه الهدية الّتي يُقدّمها لهم عليهم السلام يقابلونها بالهدية وبالدعاء له ويستفيد أكثر من هذا الدعاء.

الملاحظة الثالثة
عندما يريد إنسانٌ أن يطلب شيئاً ما من رجل عظيم أو جليل وفي نفس الوقت لا يرى لنفسه أنّه أهل لهذا الطلب، أو يليق بأن يطلب من هذا العظيم، فإنّه ينبغي عليه بناء لما في علم النفس أن يلفت نظر هذا العظيم أوّلاً، ثمّ يقوم بطلب حاجته منه، وعلى سبيل المثال، يبدأ أوّلاً بإظهار المحبّة له، والعلاقة به، والطاعة وغير ذلك، ويسعى قدر الإمكان لتهيئة الظروف شيئاً فشيئاً حتّى تحين الفرصة في طلب حاجته.

ونحن الناس لا نملك اللياقة أن نطلب من الله سبحانه، ولا نستحقّ منه الإجابة؛ وذلك بسبب ما ارتكبناه من ذنوب، وتجرّأنا بالمعاصي، وواجهناه بالسيّئات، وفي نفس الوقت ليس لدينا سبيل غير الطلب منه سبحانه، لذلك لا بدّ من تحصيل هذه اللياقة للطلب، وأفضل وسيلة هي طلب الرحمة للنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته عليهم السلام ، فبطلب الرحمة لهم وإظهار المحبّة لهم نستطيع تحصيل لياقة الطلب من الله سبحانه.

وحقيقة المسألة هي أنّ الصلوات تعطينا الجرأة للحديث مع الله سبحانه وأن نطلب حاجاتنا في محضر العظمة الإلهيّة، وقبل أن نقوم بأيّ طلب لأنفسنا نبتدئ بطلب الرحمة لأحبّائه وأوليائه، وهذا الأسلوب هو المستخدم في ميدان المحبّة والعشق، حيث يستخدم أسلوب الإيثار ولغة المحبّة والرحمة، فكأنّنا نقول لأهل البيت عليهم السلام: "نحن وإن كنّا عين الفقر والحاجة، وغارقين في مستنقع الاحتياج، لكن مع ذلك نطلب من الله سبحانه أن يتفضّل عليكم بالرحمة والخير، وما هذا الدعاء والإيثار الصادر منّا إلّا إبرازاً وتعبيراً لشدّة محبّتنا لكم".

إذاً عندما لم يكن أهل بيت النبوّة عليهم السلام بحاجة لدعائنا وطلبنا لهم من الله، ولكن دعاءنا لهم يشبه تصرّف الفقير المسكين الّذي يقف أمام دار أحد الأغنياء ويقول له: "الله يطيل عمرك ويعطيك الصحة والسلامة، الله يرزقك من ماله..." فإنّ هذا التصرّف من الفقير والطلب من الله سبحانه ليس إلّا للفت نظر الغنيّ، لذلك لا يقول الغنيّ أبداً: "إنّني سالم وصحّتي جيّدة وما عندي من مالٍ يكفيني و..." وذلك لأنّه يعلم أنّ هذا الفقير لا يستطيع عمل شيء غير هذا الدعاء، وهذا النحو من الأدعية لا يمكن تفسيرها وتحليلها بالطرق العقلية، وهي ليست سوى بيان للمحبّة وإبراز للعشق ولفت للانتباه.

بعض آثار الصلوات

1- كفّارة الذنوب: عن الإمام أمير المؤمنين عليّ عليه السلام قال: "الصلاة على النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أمحق للخطايا من الماء للنار, والسلام على النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أفضل من عتق رقاب"6.

وعن الإمام الرضا عليه السلام: "من لم يقدر على ما يكفّر به ذنوبه فليكثر من الصلاة على محمّد وآل محمد فإنّها تهدم الذنوب هدماً"7.

عن الإمام الصادق عليه السلام, عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "من صلّى عليّ إيماناً واحتساباً استأنف العمل"8.

2- محبّة الله: عن عبد العظيم الحسني قال: سمعت عليّ بن محمّد العسكري عليه السلام يقول: "إنّما اتّخذ الله عزّ وجلّ إبراهيم خليلاً لكثرة صلاته على محمّد وأهل بيته صلوات الله عليهم"9.

3- تعديل الميزان: عن الإمام جعفر بن محمّد, عن أبيه, عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "أنا عند الميزان يوم القيامة, فمن ثقلت سيّئاته على حسناته جئت بالصلاة عليّ حتّى أثقل بها حسناته"10.

وعن الإمام الصادق عليه السلام قال: "ما في الميزان شيء أثقل من الصلاة على محمّد وآل محمّد, وإنّ الرجل لتوضع أعماله في الميزان فتميل به فيخرج صلى الله عليه وآله وسلم الصلاة عليه فيضعها في ميزانه فترجح"11.

4- زيادة الحسنات: عن الإمام أبي عبد الله عليه السلام قال: "وجدت في بعض الكتب: من صلّى على محمّد وآل محمّد كتب الله له مائة حسنة, ومن قال: صلّى الله على محمّد وأهل بيته, كتب الله له ألف حسنة"12.

5- تذهب بالنفاق: عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "الصلاة عليّ وعلى أهل بيتي تذهب بالنفاق"13.

وعن الإمام أبي عبد الله عليه السلام, قال: سمعته يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "ارفعوا أصواتكم بالصلاة عليّ فإنّها تذهب بالنفاق"14.
* كتاب إلا رحمة للعالمين، إعداد ونشر جمعية المعارف الإسلامية الثقافية.

1- سورة الاحزاب، الآية: 56.
2- ينابيع المودّة، ج 3، ص 103.
3- سورة الأحزاب، الآية: 23.
4- سورة الرحمن، الآية: 60.
5- المراقبات، السيد ابن طاووس، ج 1، ص 76.
6- وسائل الشيعة، الحرّ العاملي، ج7، ص194.
7- م.ن، ج7، ص195.
8- م.ن، ج7، ص197.
9- م.ن، ج7، ص194.
10- م.ن،ج7، ص196.
11- م.ن، ج7، ص192.
12- الوسائل م.س، ج7، ص196
13- م.ن، ج7، ص193.
14- م.ن، ج7، ص193.

حياة لقمان



لقمان الحكيم أحد أعظم الحكماء الحقيقيّين الّذين شهد القرآن الكريم بحكمتهم بتعبير صريح وبليغ قائلاً : «وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا لُقْمَـنَ الْحِكْمَةَ» ، وسرد بعض تعاليمه الحكمية للأجيال اللاّحقة . وهكذا فقد دعا الجميع إلى البحث عن حِكمه وتعلّمها . 

ومن المؤسف أنّه لا تتوفّر معلومات دقيقة عن حياة هذا الحكيم البارع ، ولكن يمكن استعراض معالم إجمالية عن حياته استنادا للبحث الشامل نسبيا الّذي اُجري في هذا المضمار :

أصله ونسبه
ذهب البعض إلى القول بأنّ لقمان هو ابن «ناحور بن تارح» ، بينما قال آخرون إنّه ابن «باعور بن تارح» ، وقال آخرون إنّه ابن «باعوراء» ، وقال آخرون إنّه ابن
ليان بن ناحور بن تارح» ، وقالت جماعة إنّه ابن «عنقاء بن سرون» ، بينما قال غيرهم إنّه ابن «عنقاء بن مربد» ، وقال آخرون إنّه ابن «عنقاء بن ثيرون» ، بينما قال غيرهم إنّه ابن «كوش بن سام بن نوح» . 
ومن البديهي أنّ ترجيح أحد الأقوال على غيره ليس سهلاً ولا ضروريا ، ولكن يمكن القول بأنّ لقمان لم يكن ذا نسب معروف ، كما جاء في رواية عن الإمام الصادق عليه السلام قال فيها : 
أما وَاللّه ِ ما اُوتِيَ لُقمانُ الحِكمَةَ بِحَسَبٍ ولا مالٍ ولا أهلٍ ولا بَسطٍ في جِسمٍ ولا جَمالٍ ...» . 

عِرقُه وصفاته الظاهرية
يُعتبر لقمان من حيث الانتماء العنصري من العنصر الزنجي ، ومن المسلّم أنّه كان يفتقر إلى الجمال الظاهري ، كما يُلاحظ هذا في الرواية المعروضة آنفا . وقد ذكر الطبرسي قدس سرهفي مجمع البيان أنه : 
«قيل للقمان : ما أقبح وجهك ! قال : تعتب على النقش أو على فاعل النقش» . 
وأمّا ما ورد من أوصافه في بعض الأخبار الّتي صوّرته بأنّه «قصير أفطس» أو «أفطس الأنف» أو «مشقّق القدمين» أو «غليظ الشفتين» أو «غليظ المشافر ومصفّح القدمين» ، فليس ثمّة دليل قاطع عليها .

رِقّه
كان لقمان عبدا حبشيا ، واستنادا إلى رواية تنتهي إلى الإمام عليّ عليه السلام إنّه كان اول عبد اعتق على اثر مكاتبته مع مولاه :
أوّل من كاتب لقمان الحكيم ، وكان عبدا حبشيا» . 
ولكن استنادا إلى ما ذكره الثعالبي وابن قُتيبة يُفهم ان لقمان كان عبدا حبشيا لرجلٍ من بني إسرائيل ، ثمّ أعتقه ومنحه مالاً . وقالوا : إنّ لقمان قد بيع أوّلاً بما قيمته ۳۰ مثقالاً أو ۵/۳۰ مثقالاً من الذهب .

تاريخ حياته
تاريخ حياة هذا الحكيم الإلهي غير واضحة على وجه الدقّة ، واستنادا إلى ما ذكره صاحب مروج الذهب فإنّه قد ولد في السنة العاشرة من حكم داوود عليه السلام وبقي على قيد الحياة إلى عهد النبي يونس عليه السلام . ولكن هناك أخبار اُخرى تفيد بأنّ لقمان كان في عهد النبيّ داوود عليه السلام شيخا كبيرا 
. ويرى البعض أنّه كان يعيش في الفترة الممتدّة بين بعثة النبيّ عيسى عليه السلام والنبيّ محمّد صلى الله عليه و آله. 
ويُستفاد من بعض الأخبار أنّ ذروة شهرة لقمان كانت مقارنة لعهد سلطنة «كيقباد» الّذي كان على رأس سلالة الكيانيين في إيران . وهناك رأي يقول بأنّ لقمان ولد في ما يقارب عام ۵۵۴ قبل الميلاد ، وبناءً على ذلك يمكن تخمين أنّه قد مرّت منذ حياة لقمان وحتّى الآن بين ۲۵۰۰ إلى ۳۰۰۰ سنة أكثر من ذلك .

موطنه
يستفاد من بعض الوثائق التاريخية أنّ بلاد الشام كانت هي المكان الّذي نشأ فيه لقمان وترعرع وعاش . ويرى البعض أنّ لقمان كان من أهل آسيا الصُغرى ، وأنّه قد ولد في قرية تُدعى «آموريوم» . وأشارت مصادر تاريخية اُخرى إلى أنّه كان من أهالي ايلة . 

ويتبيّن من بعض الروايات أنّ لقمان قضى شطرا من عمره في الموصل وهي إحدى المدن المهمّة في شمال العراق . 
والمدينة الاُخرى الّتي قيل بأنّها كانت موطنه في السنوات الأخيرة أو الأيّام الأخيرة من عمره هي مدينة الرملة . 
عمله هناك أخبار شتّى أيضا حول العمل أو المهنة الّتي كان يمارسها لقمان ، حيث نُسب إليه أنّه كان يعمل خيّاطا ، ونجّارا ، وراعيا ، وحطّابا . وقال عنه آخرون إنّه كان نجّادا ، والنجّاد هو من يعالج البسط والفرش والوسائد ويخيّطها . ولكن جميع هذه الأخبار والأقوال لا تستند إلى دليل رصين . 
وذُكِر في بعض الأخبار أنّه كان يزاول القضاء بين بني إسرائيل = ، لكن مثل هذه الأخبار تخالف الروايات الّتي تعتبر منشأ حِكمَة لقمان رفضه للقضاء . 
ويعتقد بعض الباحثين بأنّ هناك وثائق معتبرة تدلّ على أنّ لقمان كان يتّقن
إضافة إلى ما كان يتّصف به من الحكمة ـ الطبابة ومعرفة الأمراض .

نقش خاتمه
نقل الغزالي في إحياء علوم الدين بأنّ خاتم لقمان كان منقوشا عليه هذه الجملة: 
«الستر لما عافيت أحسن من إذاعة ما ظننت» . 

تلاميذه
ذكر حمد اللّه المستوفي في كتابه تاريخ گزيده أنّ فيثاغورث الحكيم اليوناني الّذي ينحدر من أصل لبناني ، وجاماسب حكيم بلاد فارس القديمة ، كانا من تلاميذ لقمان الحكيم . 
وقال أيضا بأنّ انباذقلس الحكيم اليوناني المعروف تعلّم الحكمة من لقمان في بلاد الشام ونقلها إلى اليونان .
وقال البعض بأنّ لقمان بن عاد الّذي كان يعيش في زمن النبيّ هود عليه السلام ، كان هو الآخر من تلاميذ لقمان . يقول المحدّث القمّي : 
قيل إنّ بطليموس كان تلميذ جالينوس ، وجالينوس تلميذ بليناس ، وبليناس تلميذ أرسطو ، وأرسطو تلميذ أفلاطون ، وأفلاطون تلميذ سقراط ، وسقراط تلميذ بقراط ، وبقراط تلميذ جاماسب ، وجاماسب أخو كشتاسب وهو من تلامذة لقمان الحكيم مثل فيثاغورث الحكيم المشهور . 

طول عمره
هناك أخبار متضاربة أيضا حول طول عمر لقمان ، ففي بعضها أنّه عمّر
مئتي سنة ، بينما ذكرت أخبار اخرى أنّ عمره كان ألف سنة . وقد ورد في كتاب كليات سعدي : 
«لم يعمّر أحد من بني آدم كعمر لقمان ، إذ أنّه عاش ثلاثة آلاف سنة ، وعندما حان أجله وجاءه ملك الموت وجده جالسا بين القصب يحوك زنبيلاً ، فقال له : يا لقمان لقد عمّرت ۳۰۰۰ سنة فلماذا لم تبنِ لنفسك دارا ؟ 
قال : مغفَّل من تكون لديه جرأة على بناء دار وأنت تطلبه» . 
وجاء في خبر آخر أنّ لقمان عاش ۳۵۰۰ سنة . وذهب آخر إلى ما هو أبعد من ذلك حين قال : «ان لقمان وعظ ابنه عشت أربعة آلاف سنة ، وخدمة أربعة آلاف نبيّا ...» . 
ولابدّ من القول بأنّه ليس ثمّة دليل قاطع يثبت صحّة أيّاً من هذه الأقوال ، كما إنّه لا دليل ينفيها . ولكن لعلّه من الممكن إثبات طول عمره من خلال مجموع هذه الأخبار مضافا للوارد في بعض الروايات. 

مرقده
ذكرت المصادر التاريخية عدّة مواضع لمدفن لقمان . وقال بعض المؤرّخين إنّه مدفون في أيلة ، وقال آخرون إنّ ضريحه يقع في مدينة الرملة ، وذكر بعض الرحّالة في كتب رحلاتهم عن زيارتهم لقبر لقمان في مدينة الاسكندرية الواقعة في شمال مصر . وجاء في كتاب معجم البلدان ما يلي : 
«وفي شرقي بحيرة طبرية قبر لقمان الحكيم وابنه ، وله باليمن قبر ، واللّه أعلم بالصحيح منهما» . 

هل كان لقمان نبيّا؟
نُسب إلى عدد من العلماء أنّهم يعتبرون لقمان نبيّا ، ولكن ورد في تفسير الثعلبي ما يلي : 
اتّفق العلماء على أنّه كان حكيما ولم يكن نبيّا ، إلاّ عكرمة فإنّه قال : كان لقمان نبيّا ، تفرّد بهذا القول». 
أمّا الطبرسي قدس سره فقد قال في مجمع البيان ما يلي : 
اختُلف في لقمان ، فقيل : إنّه كان حكيما ولم يكن نبيّا ، عن ابن عبّاس ومجاهد وقتادة وأكثر المفسّرين ، وقيل : إنّه كان نبيّا ، عن عكرمة والسدي والشعبي» . 
والروايات الواردة عن أهل البيت عليهم السلام تنفي نبوّة لقمان صراحة ، كما نُقل عن رسول اللّه صلى الله عليه و آله أنّه قال : 
«حقّا أقول : لم يكن لقمان نبيّا ...» . 
تجدر الإشارة إلى أنّه إن كان مراد القائلين بنبوّته ، هو النبوّة الإنبائية أمكن التوفيق بين رأيهم وبين ما ورد في الروايات .

سِرّ نيل لقمان الحكمة
آخر وأهمّ ملاحظة في حياة لقمان ، وأكثرها بعدا تربويّا ، هي السرّ الكامن وراء نيله الحكمة . ويمكن القول بعبارة اُخرى ما الّذي فعله لقمان في حياته فمنّ اللّه عليه بنعمةِ الحكمة ؟ فلو كُشف عن هذا السرّ لغدا بميسور الآخرين أيضا أن يُسخّروا طاقاتهم وجهودهم لنيل نور الحكمة . 
وتتلخّص الإجابة الاجمالية عن هذا السؤال في أنّ لنور الحكمة ـ وفقا لمقتضيات السنّة الإلهية ـ مبادِئه الخاصّة ، وأهمّ هذه المبادئ هو : الإيمان ، والإخلاص ، والعمل الصالح ، والزهد ، وأكل الحلال . ومِن ألمَع الأقوال الجامعة لمبادئ الحكمة ، قول منسوب إلى امام الحكماء عليّ عليه السلام يقول فيه : 
«مَن أخلَصَ للّه ِِ أربَعينَ صَباحا ، يَأكُلُ الحَلالَ ، صائِما نَهارَهُ ، قائِما لَيلَهُ ، أجرَى اللّه ُ سُبحانَهُ يَنابيعَ الحِكمَةِ مِن قَلبِهِ عَلى لِسانِهِ» . 
أمّا الإجابة التفصيلية عن التساؤل الآنف ذكره بشأن لقمان ، فقد اُشير في روايات مختلفة إلى اُمور متعدّدة من مبادئ الحكمة ، كالّذي ورد في الحديث النبويّ الشريف : 
«حَقّا أقولُ : لَم يَكُن لُقمانُ نَبِيّا ولكِن كانَ عَبدا كَثيرَ التَّفَكُّرِ ، حَسَنَ الَيقينِ أحَبَّ اللّه َ فَأَحَبَّهُ وَ مَنَّ عَلَيهِ بِالحِكمَةِ» . 
وجاء في رواية اُخرى : 
«وَقَفَ رَجُلٌ على لُقمانَ الحَكيمِ فَقالَ : أنتَ لُقمانُ أنتَ عَبدُ بَني النَّحّاسِ ؟ 
قالَ : نَعَم . 
قالَ : فَأَنتَ راعِي الغَنَمِ الأَسوَدُ؟ 
قالَ : أمّا سَوادي فَظاهِرٌ ، فَمَا الَّذي يُعجِبُكَ مِن أمري ؟ 
قالَ : وَط ءُ النّاسِ بِساطَكَ ، وغَشيُهُم بابَكَ ، ورِضاهُم بِقَولِكَ . 
قالَ : يَا ابنَ أخي ، إن صَنَعتَ ما أقولُ لَكَ كُنتَ كَذلِكَ . 
قالَ : ما هُوَ ؟ 
قالَ لُقمانُ : غَضّي بَصَري ، وكَفّي لِساني ، وعِفَّةُ مَطعَمي ، وحِفظي فَرجي ، وقِيامي بِعُدَّتي ، ووَفائي بِعَهدي ، وَتكرِمَتي ضَيفي ، وحِفظي جاري ، وتَركي ما لا يَعنيني ، فَذاك الَّذي صَيَّرَني كَما تَرى» . 
ونقرأ في نقلٍ آخر : 
«قيلَ لِلُقمانَ : ألَستَ عَبدَ آلِ فُلانٍ ؟ 
قالَ : بَلى . 
قيلَ : فَما بَلَغَ بِكَ ما نَرى ؟ 
قالَ : صِدقُ الحَديثِ ، وأداءُ الأَمانَةِ ، وتَركُ ما لا يَعنيني ، وغَضُّ بَصَري ، وكَفُّ لِساني ، وعِفَّةُ طُعمَتي ، فَمَن نَقَصَ عَن هذا فَهُوَ دوني ، ومَن زادَ عَلَيهِ فَهُوَ فَوقي ، ومَن عَمِلَهُ فَهُوَ مِثلي» . 
وجاء في رواية اُخرى : 
إنَّ رَجُلاً مَرَّ بِلُقمانَ عليه السلام وَالنّاسُ عِندَهُ ، فَقالَ : ألَستَ عَبدَ بَني فُلانٍ ؟
قالَ : بَلى . 
قالَ : الَّذي كُنتَ تَرعى عِندَ جَبَلٍ كَذا وكَذَا ؟ 
قالَ : بَلى . 
قالَ : مَا الَّذي بَلَغَ بِكَ ما أرى ؟ 
قالَ : صِدقُ الحَديثِ ، وطولُ السُّكوتِ عَمَّا لا يَعنيني» . 
وقال قطب الدين الراوندي في كتاب لبّ اللباب : 
«إنَّ لُقمانَ رَأى رُقعَةً فيها بِسمِ اللّه ِ ، فَرَفَعَها وأكَلَها ، فَأَكرَمَهُ بِالحِكمَةِ» . 
واجمع كلمة تضمنت اسباب نيل لقمان للحكمة ، هي ما قاله الصادق عليه السلام : 
«أما وَاللّه ِ ما اُوتِيَ لُقمانُ الحِكمَةَ بِحَسَبٍ ولا مالٍ ولا أهلٍ ولا بَسطٍ في جِسمٍ ولا جَمالٍ ، ولكِنَّهُ كانَ رَجُلاً قَوِيّا في أمرِ اللّه ِ ، مُتَوَرِّعا فِي اللّه ِ ، ساكِتا ، سَكينا ، عَميقَ النَّظَرِ ، طَويلَ الفِكرِ ، حَديدَ النَّظَرِ ، مُستعبرا بِالعِبَرِ ، لَم يَنَم نَهارا قَطُّ . ولَم يَرَهُ أحَدٌ مِنَ النّاسِ عَلى بَولٍ ولا غائِطٍ ولاَ اغتِسالٍ ؛ لِشِدَّةِ تَسَتُّرِهِ وعُمقِ نَظَرِهِ وتَحَفُّظِهِ في أمرِهِ. 
ولَم يَضحَك مِن شَيءٍ قَطُّ ؛ مَخافَةَ الإِثمِ ، ولَم يَغضَب قَطُّ ، ولَم يُمازِح إنسانا قَطُّ ، ولَم يَفرَح بِشَيءٍ إن أتاهُ مِن أمرِ الدُّنيا ، ولا حَزِنَ مِنها عَلى شَيءٍ قَطُّ . 
وَقَد نَكَحَ مِنَ النِّساءِ ووُلِدَ لَهُ الأَولادُ الكَثيرَةُ ، وقَدَّمَ أكثَرَهُم إفراطا ، فَما بَكى عَلى مَوتِ أحَدٍ مِنهُم . وَلَم يَمُرَّ بِرَجُلَينِ يَختَصِمانِ أو يَقتَتِلانِ إلاّ أصلَحَ بَينَهُما ، ولم يَمضِ عَنهُما حَتّى يَحابّا ، ولَم يَسمَع قَولاً قَطُّ
مِن أحَدٍ استَحسَنَهُ إلاّ سَأَلَ عَن تَفسيرِهِ وعَمَّن أخَذَهُ . وكانَ يُكثِرُ مُجالَسَةَ الفُقَهاءِ وَ الحُكَماءِ ، وكانَ يَغشَى القُضاةَ وَالمُلوكَ وَالسَّلاطينَ، فَيَرثي لِلقُضاةِ مِمَّا ابتُلوا بِهِ ، ويَرحَمُ المُلوكَ وَالسَّلاطينَ لِغِرَّتِهِم بِاللّه ِ وطُمَأنينَتِهِم في ذلِكَ ، ويَعتَبِرُ ويَتَعَلَّمُ ، ما يَغلِبُ بِهِ نَفسَهُ ، ويُجاهِدُ بِهِ هَواهُ ، ويَحتَرِزُ بِهِ مِنَ الشَّيطانِ ، فَكانَ يُداوي قَلبَهُ بِالفِكرِ ويُداوي نَفسَهُ بِالعِبَرِ ، وكانَ لا يَظعَنُ إلاّ فيما يَنفَعُهُ . 
فَبِذلِكَ اُوتِيَ الحِكمَةَ ومُنِحَ العِصمَةَ» . 
تجدر الإشارة إلى أنّ هذه الروايات لا اختلاف ولا تعارض بينها ؛ وذلك لأنّ كلّ واحدة منها تشير إلى جوانب من مبادئ الحكمة الحقيقية الّتي اُعطيها لقمان . 
وبعبارة اُخرى لكلّ هذه الخطوات دورها وتأثيرها في انبثاق نور الحكمة الّتي حباها اللّه عزّوجلّ للقمان .

أمثال لقمان في الاُمّة الإسلامية
تفيد البحوث الّتي اُجريت في هذا المضمار بأنّ ثلاثة من بين أصحاب رسول اللّه صلى الله عليه و آله وأهل بيته يضاهون لقمان في حكمته ، وهؤلاء الثلاثة هم : 

1- سلمان 
وردت في هذا الصدد رواية عن الإمام الصادق عليه السلام قال فيها : قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله ذات يوم لأصحابه : 
أيُّكُم يَصومُ الدَّهرَ ؟ 
فَقالَ سَلمانُ رحمه الله : أنَا يا رَسولَ اللّه ِ . 
فَقالَ رَسولُ اللّه ِ صلى الله عليه و آله : فَأَيُّكُم يُحيِي اللَّيلَ ؟
فَقالَ سَلمانُ : أنَا يا رَسولَ اللّه ِ . 
قالَ فَأَيُّكُم يَختِمُ القُرآنَ في كُلِّ يَومٍ ؟ 
فَقالَ سَلمانُ : أنَا يا رَسولَ اللّه ِ . 
فَغَضِبَ بَعضُ أصحابِهِ فَقالَ : يا رَسولَ اللّه ِ ، إنَّ سَلمانَ رَجُلٌ مِنَ الفُرسِ يُريدُ أن يَفتَخِرَ عَلَينا مَعاشِرَ قُرَيشٍ ؛ قُلتَ أيُّكُم يَصومُ الدَّهرَ ؟ فَقالَ : أنَا وهُوَ أكثَرَ أيّامِهِ يَأكُلُ! وقُلتَ : أيُّكُم يُحيِي اللَّيلَ ؟ فَقالَ أنَا وهُوَ أكثَرَ لَيلَتِهِ نائِمٌ! وقُلتَ : أيُّكُم يَختِمُ القُرآنَ في كُلِّ يَومٍ ؟ فَقالَ : أنا وهُوَ أكثَرَ نَهارِهِ صامِتٌ!! 
فَقالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه و آله : مَه يا فُلانُ ، أنّى لَكَ بِمِثلِ لُقمانَ الحَكيمِ سَلهُ فَإنَّهُ يُنَبِّئُكَ . 
فَقالَ الرَّجُلُ لِسَلمانَ : يا أبا عَبدِ اللّه ِ ، ألَيسَ زَعَمتَ أنَّكَ تَصومُ الدَّهرَ ؟ 
فَقالَ : نَعَم . 
فَقالَ : رَأَيتُكَ في أكثَرِ نَهارِكَ تَأكُلُ! 
فَقالَ : لَيسَ حَيثُ تَذهَبُ إنّي أصومُ الثَّلاثَةَ فِي الشَّهرِ ، قالَ اللّه ُ عَزَّوجَلَّ : «مَن جَآءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا» ، وأصِلُ شَعبانَ بِشَهرِ رَمَضانَ فَذلِكَ صَومُ الدَّهرِ . 
فَقالَ : ألَيسَ زَعَمتَ أنَّكَ تُحيِي اللَّيلَ ؟ 
فَقالَ : نعم. 
فقال: أنت أكثر ليلتك نائم! فقال ليس حيث تذهب ، ولكنّي سمعت حبيبي رسول اللّه صلى الله عليه و آله يقول : مَن باتَ عَلى طُهرٍ فَكَأَنَّما أحيَا اللَّيلَ
كُلَّهُ ، فَأَنَا أبيتُ عَلى طُهرٍ . 
فَقالَ : ألَيسَ زَعَمتَ أنَّكَ تَختِمُ القُرآنَ في كُلِّ يَومٍ ؟ 
قالَ : نَعَم . 
قالَ فَأَنتَ أكثَرَ أيّامِكَ صامِتٌ! 
فَقالَ : لَيسَ حَيثُ تَذهَبُ ، ولَكِنّي سَمِعتُ حَبيبي رَسولَ اللّه ِ صلى الله عليه و آله يَقولُ لِعَلِيٍّ عليه السلام : يا أبَا الحَسَنِ ، مَثَلُكَ في اُمَّتي مَثَلُ سورة التوحيد «قُل هُوَ اللّه ُ أَحدٌ» فَمَن قَرَأَها مَرَّةً قَرَأَ ثُلُثَ القُرآنِ ، ومَن قَرَأَها مَرَّتَينِ فَقَد قَرَأ ثُلُثَي القُرآنِ ، ومَن قَرَأَها ثَلاثا فَقَد خَتَمَ القُرآنَ ، فَمَن أحَبَّكَ بِلِسانِهِ فَقَد كَمَلَ لَهُ ثُلُثُ الإِيمانِ ، ومَن أحَبَّكَ بِلِسانِهِ وقَلبِهِ فَقَد كَمَلَ لَهُ ثُلُثَا الإِيمانِ ، ومَن أحَبَّكَ بِلِسانِهِ وقَلبِهِ ونَصَرَكَ بِيَدِهِ فَقَدِ استَكمَلَ الإِيمانَ ، وَالَّذِي بَعَثَني بِالحَقِّ يا عَلِيُ لَو أحَبَّكَ أهلُ الأَرضِ كَمَحَبَّةِ أهلِ السَّماءِ لَكَ لَما عُذِّبَ أحَدٌ بِالنّارِ ، وأنَا أقرَأَ «قُل هُوَ اللّه ُ أحدٌ» في كُلِّ يَومٍ ثَلاثَ مَرّاتٍ . 
فَقامَ وكَأَنَّهُ قَد اُلقِمَ حَجَرا . 
وروي عن الامام عليّ عليه السلام أنّه قال في وصف سلمان : 
مَن لَكُم بِمِثلِ لُقمانَ الحَكيمِ ، وذلِكَ امرُو مِنّا أهلَ البَيتِ ، أدرَكَ العِلمَ الأَوَّلَ وأدرَكَ العِلمَ الآخِرَ ، وقَرَأَ الكِتابَ الأَوَّلَ وقَرَأَ الكِتابَ الآخِرَ ، بَحرٌ لا يُنزَفُ» . 
وبالتأمّل في هذه الرواية يمكن القول بأنّ المراد من الرواية التي تشبّه سلمان
بلقمان هو أنّه مساوٍ له في الحكمة ، وإلاّ فلا يُستبعد أن يكون سلمان أرجح من لقمان في الفضل ، كما صرّحت بذلك رواية منقولة عن الإمام الصادق عليه السلام قال فيها : 
«سَلمانُ خَيرٌ مِن لُقمانَ» . 

2- أبو حمزة الثمالي ثابت بن دينار 

3- يونس بن عبد الرحمن 
الحكيمان الآخران اللذان وصفا في روايات أهل البيت بأنّهما يضاهيان لقمان في الحكمة ، هما : أبو حمزة الثمالي ، ويونس بن عبد الرحمن . 
يقول الفضل بن شاذان في هذا الصدد : «سَمِعتُ الثِّقَةَ، يَقولُ : سَمِعتُ الرِّضا عليه السلام يَقولُ : أبو حَمزَةَ الثُّمالِيُّ في زَمانِهِ كَلُقمانَ في زَمانِهِ ، وذلِكَ أنَّهُ قَدِمَ أربَعَةً مِنّا : عَلِيَّ بنَ الحُسَينِ ، ومُحَمَّدَ بنَ عَلِيٍّ ، وجَعفَرَ بنَ مُحَمَّدٍ ، وبُرهَةً مِن عَصرِ موسَى بنِ جَعفَرٍ عليه السلام . ويونُسُ بنُ عَبدِ الرَّحمنِ كَذلِكَ هُوَ سَلمانُ في زَمانِهِ» .

* كتاب حكم لفمان / العلامة الريشهري.

المشرف : الشيخ ابو علي الفاطمي @@ 2015 @@

Designed by Templateism