اهلا وسهلآ بكم حمـاة الشعائـر الحسينيــة

الثلاثاء، 10 نوفمبر 2015

القسم المتوفر فيها الموظوع :

الإمام السجّاد عليه السلام في كلام الولي دام ظله



الظروف الاجتماعية والسياسية
إنّ الحديث عن الإمام السجّاد عليه السلام وكتابة سيرته عمل صعب، لأنّ أساس تعرّف الناس إلى هذا الإمام تمّ في أجواء غير مساعدة إطلاقاً. ففي ذهن أغلب كتّاب السيرة والمحلّلين أنّ هذا الإنسان العظيم قد انزوى للعبادة ولم يكن له أي تدخّل في السياسة. حتّى أنّ بعض المؤرّخين وكتّاب السيرة ذكروا هذه المسألة بشكل صريح. أمّا الّذين لم يقولوا هذا الأمر بصراحة فإنّ مفهومهم عن حياة الإمام السجّاد عليه السلام ليس سوى هذا الأمر. وهذا المعنى موجود في الألقاب الّتي تُنسب إليه والتعابير الّتي يطلقها الناس عليه: كما يطلق عليه بعض الناس لقب "المريض"، في حين أنّ مرضه لم يستغرق أكثر من عدّة أيّام في واقعة عاشوراء. ومن الطبيعيّ أنّ كلّ إنسان يمرض في حياته عدّة أيّام، وإن كان مرض الإمام للمصلحة الإلهيّة حتّى لا يُكلّف هذا العظيم بالدفاع والجهاد في سبيل الله في تلك الأيّام، ليستطيع في المستقبل أن يحمل الحمل الثقيل للأمانة والإمامة على عاتقه، ويبقى حيّاً بعد والده لمدّة 35 أو 34 سنة، تُعدّ أصعب مراحل عصور الإمامة عند الشيعة. أنتم عندما تنظرون إلى ماضي حياة الإمام السجّاد عليه السلام سوف تجدون حوادث متنوّعة ولافتة جدّاً، كما حدث لبقيّة أئمّتنا، وربّما إذا جمعنا سير الأئمّة عليهم السلام معاً فلن نجد مثل سيرة السجّاد عليه السلام .

إنّ سيرة كلّ إنسان بالمعنى الواقعيّ للكلمة تتّضح عندما نعرف التوجّه العامّ الّذي سار عليه، ومن بعدها نقوم بملاحظة الحوادث الجزئية في حياته. فإذا عُرف التوجّه العامّ، فإنّ الحوادث الجزئية سوف تصبح ذات معنى، أمّا إذا لم يُعرف ذلك التوجّه أو فُهم خطأ، فإنّ تلك الحوادث الجزئية سوف تصبح دون معنى أو بمعنى خاطئ. وهذا لا يختصّ بالإمام السجّاد عليه السلام أو باقي أئمّتنا عليهم السلام فقط، بل إنّ هذا يصدق وينطبق على سيرة الجميع.

مثلاً في خصوص الإمام السجّاد عليه السلام نجد أنّ رسالته إلى محمّد بن شهاب الزهريّ تُعتبر نموذجاً لأحد الحوادث في حياته. فلو أخذنا هذه الحادثة بنفسها، وبمعزل عن بقية الحوادث في تلك المرحلة، لا يمكن أن نفهم شيئاً. فقد تُفهم هذه الرسالة على أنّها من أحد الّذين ينتسبون إلى آل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، لأحد العلماء المعروفين في ذلك الزمان، في هذا المجال توجد عدّة آراء: هذه الرسالة يمكن أن تكون جزءاً من جهادِ واسعِ وأساس، ويمكن أن تكون نهياً بسيطاً عن منكر، ويمكن أن تكون اعتراضَ شخصيّة على شخصية أخرى كالاعتراضات الّتي تُشاهد كثيراً على طول التاريخ بين شخصيّتين أو عدّة أشخاص. ولا يمكن فهم شيءٍ من هذه القضيّة بشكلٍ تلقائيّ وبمعزل عن بقية أحداث تلك المرحلة. والهدف من هذه المسألة هو أنّنا إذا التفتنا إلى الحوادث الجزئية وقطعنا النظر عن التوجّه العامّ في حياة الإمام فلن تُفهم سيرته، لذلك لا بدّ من أن نعرف التوجّه العامّ في سيرته.

إنّ بحثنا الأوّل هو حول التوجّه العام للإمام السجّاد عليه السلام في الحياة ونقرنه بكلماته، وأيضاً بالمفهوم العامّ لحياة الأئمّة عليهم السلام ثمّ نوضحه.

نحن نشاهد بعد صلح الإمام الحسن عليه السلام ، الّذي وقع في السنة الأربعين للهجرة، أنّ أهل البيت لم يلتزموا البقاء داخل البيت والاقتصار على بيان الأحكام الإلهيّة كما يفهمونها فقط، بل نجد منذ أوّل أيّام الصلح أنّ برنامج كلّ الأئمّة عليهم السلام كان يقوم على تهيئة المقدّمات لإقامة الحكومة الإسلامية بحسب النهج الّذي يرونه. وهذا ما نلاحظه بوضوح في حياة الإمام المجتبى عليه السلام وكلماته.
من هذه الجّهة كان عمل الإمام الحسن عليه السلام عملاً عميقاً جدّاً وتأسيسيّاً. لقد عاش الإمام الحسن عليه السلام مع كلّ تلك التحوّلات عشر سنوات، اجتمع حوله، في هذه المدّة، أفراد وتربّوا على يديه. توزّع قسم منهم في كلّ زاوية لمواجهة نظام معاوية وإضعافه بشهادتهم واعتراضاتهم وصرخاتهم.

وفيما بعد وصل الدور إلى الإمام الحسين عليه السلام . وهذا العظيم تابع ذلك المنهج نفسه في المدينة ومكّة ومناطق أخرى حتّى هلك معاوية وجرت واقعة كربلاء. وإن كانت واقعة كربلاء ثورة مفيدة جدّاً ومربّية لمستقبل الإسلام، لكنّ ذاك الهدف الّذي كان الإمام الحسن عليه السلام والإمام الحسين عليه السلام يسعيان لأجله، تأخّر بسبب ذلك لأنّ الناس أصبحوا مرعوبين خائفين وجرت تصفية الأتباع المقرّبين للإمام الحسن والإمام الحسين عليهما السلام ، وتسلّط الأعداء ووقع ذلك الحادث بشكلٍ طبيعيّ. لو لم تحدث نهضة الإمام الحسين عليه السلام بهذا الشكل، فيبدو أنّه فيما بعده وفي المستقبل القريب كان هناك مجالٌ للتحرّك ينتهي إلى تسليم الحكومة للشيعة. ولا يعني هذا الكلام عدم وجوب نهوض الإمام الحسين عليه السلام ، بل إنّ الظروف الّتي كانت في هذه الثورة كانت تفرض أن تحدث في ذلك الوقت ولا شكّ في ذلك أبداً. لكن لو لم تكن تلك الظروف، ولو لم يستشهد الإمام الحسين عليه السلام في تلك الواقعة، فالاحتمال الأكبر أنّ المستقبل الّذي تطلّع إليه الإمام الحسن عليه السلام كان سيتحقّق بسرعة. 

لقد كان الأئمّة عليهم السلام وراء هذا الخطّ وهذا الهدف، وكانوا يسعون دائماً لأجل تشكيل الحكومة الإسلامية. عندما استشهد الإمام الحسين عليه السلام في واقعة كربلاء، وأسر الإمام السجّاد عليه السلام وهو في تلك الحالة من المرض، بدأت في الحقيقة منذ تلك اللحظة مسؤولية الإمام السجّاد عليه السلام . ولو قُدّر في ذلك التاريخ أن ينجح الإمام الحسن عليه السلام والإمام الحسين عليه السلام في تأمين ذلك المستقبل لقام الإمام السجّاد عليه السلام في ذلك الوقت بالتحديد بهذا الأمر ومن بعده الأئمّة الباقون عليهم السلام .

بناءً على هذا، ينبغي أن نبحث في مجمل حياة الإمام السجّاد عليه السلام عن هذا الهدف الكلّي والمنهج الأصليّ، وأن نعرف دون شك أنّ الإمام السجّاد عليه السلام كان يسعى لأجل تحقيق ذلك الهدف الّذي كان يسعى لأجله الإمام الحسن والإمام الحسين عليهما السلام .

كان الإمام السجّاد عليه السلام ، في الفترة ما بين تسلّمه للإمامة منذ عاشوراء 61 هـ. واستشهاده مسموماً عام 94 هـ، يتابع مسؤولية تحقّق ذلك الهدف. لذلك ينبغي أن نفسّر جزئيات عمل الإمام والمراحل الّتي مرّ بها والأساليب الّتي استعملها، والتوفيقات الّتي حصلت، وكلّ الأمور الّتي بيّنها، وكلّ التحرّكات الّتي قام بها، والأدعية والمناجاة الّتي جمعت في الصحيفة السجّادية... كلّ هذا ينبغي أن يفسّر بالنظر إلى الخطّ العامّ. ومن المواقف الّتي اتّخذها طوال مدّة الإمامة:

1. موقفه مقابل عبيد الله بن زياد ويزيد، الّذي تميّز بالبطولة والشجاعة والفداء. 
2. موقفه من "مسرف بن عقبة" الّذي تميّز بالهدوء، هذا الرجل الّذي قام بتدمير المدينة واستباح أموالها بأمر من يزيد في السنة الثالثة من حكمه. 
3. حركة الإمام مقابل عبد الملك بن مروان، أقوى خلفاء بني أميّة وأمكرهم، حيث تميّز موقفه بالشدّة حيناً والاعتدال حيناً آخر. 
4. تعامل الإمام عليه السلام مع عمر بن عبد العزيز. 
5. تعامل الإمام مع أصحابه وأتباعه ووصاياه لأصحابه. 
6. موقف الإمام من وعّاظ السلاطين وأعوان الظلمة. 

كل هذه المواقف والتحرّكات ينبغي أن تُدرس بدقّة. ووفق تصوّري أرى أنّه بالالتفات إلى النهج العام، فإنّ كل هذه الجزئيات والحوادث سوف تكتسب معانٍ مناسبة وواضحة. وسوف نجد عندها أنّ هذا الإنسان العظيم قد قضى كلّ حياته وسعيه في طريق الهدف المقدّس وهو عبارة عن إقامة حكومة الله على الأرض وتطبيق الإسلام، وقد استفاد من أنضج وأفضل الوسائل، وتقدّم بالقافلة الإسلامية، الّتي كانت بعد واقعة عاشوراء في تشرذم وتفرّق مهول، وأنجز مهمّته العظمى ومسؤوليته الأصيلة (الّتي سوف نشير إليها بالتفصيل لاحقاً)، والّتي قام بها كلّ أئمّتنا وجميع الأنبياء والصالحين، مراعياً أصول السياسة والشجاعة والدقّة في الأعمال. وبعد 35 سنة من الجهاد المستمرّ، الّذي لم يعرف الراحة أبداً، رحل عن الدنيا كريماً مرفوع الرأس موكلاً حمل ثقل الرسالة من بعده إلى الإمام الباقر عليه السلام .

إنّ انتقال الإمامة إلى الإمام الباقر عليه السلام ، وهي تحمل مهمّة إقامة حكومة الله على الأرض، تظهر بصورة واضحة في الروايات. ففي رواية، نجد أنّ الإمام السجاد عليه السلام يجمع أبناءه مشيراً إلى محمّد بن علي الباقر عليه السلام ويقول: "... احمل هذا الصندوق وخذ هذا السلاح وهذه الأمانة بيدك"، وحينما فتح الصندوق كان فيه القرآن والكتاب1.

لعلّ ذلك السلاح يرمز إلى القيادة الثوريّة، وذلك الكتاب يرمز إلى الفكر والعقيدة الإسلامية، وقد أودعهما الإمام السجّاد عليه السلام الإمام الّذي سيأتي من بعده مودّعاً الدنيا، راحلاً إلى جوار الرحمة الإلهيّة بنفس مطمئنّة ووجدان هادئ ورأس مرفوع. كانت هذه هي الصورة العامّة لحياة الإمام السجّاد عليه السلام . ولكن إذا أردنا أن ندرس تفاصيل الأحداث، علينا أوّلاً أن نمهّد لها بالوضع السابق لها، إذ يوجد في حياة الإمام السجاد فصل قصير ومحدّد نذكره أولاً، ثمّ نقوم بعدها بشرح المسير العاديّ لحياة الإمام وتفصيل الأوضاع وأحوال الزمان والظروف الّتي كانت سائدة.(مجلة باسدار اسلام، 6)

لقد بدأت حياة الإمام السجاد بمرحلة مليئة بالصعاب، حيث جرت حادثة كربلاء، الّتي لم تهزّ كيان الشيعة فقط، وإنّما هزّت الأمّة الإسلاميّة بأجمعها. ومع أنّ القتل والأسر والتعذيب كان شائعاً آنذاك، لكنّ قتل أولاد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وأسر العائلة النبويّة ووضع رؤوس آل محمّد صلى الله عليه وآله وسلم على الرماح والاستهانة بمن كان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم يقبّل ثناياه، كلّ هذا قد زلزل العالم الإسلاميّ وصعقه. فلم يكن أحد يتوقّع أنّ الأمر سوف يصل إلى هذه المرحلة. ولا أدري مدى صحّة الشعر المنسوب للسيدة زينب عليها السلام : "ما توهّمت يا شقيق فؤادي كان هذا مقدّراً مكتـوباً"2، فقد كان يشير إلى هذه النقطة وهي استنتاج جميع الناس. ففجأةً انتشر الشعور بأنّ السياسة أضحت سياسة مختلفة، والتشديد الّذي كان يشعر به الجميع أصبح أشدّ. فهذا البيت يشير بلا شك إلى أنّ هذا الحدث كان غير متوقّع آنذاك. فلهذا أخذ الهول والفزع ينتاب الأمّة الإسلاميّة حيث شاهدت ورأت ما لم تكن تتوقّعه من التنكيل والتعذيب.

لذا انتشر الخوف في كافّة المناطق الإسلاميّة إلّا الكوفة وهذا بفضل التوّابين والمختار وثورتهم. أمّا المدينة وحتّى مكّة المكرّمة مع وجود عبد الله بن الزبير، والّذي ثار بعد مدّة، فعاشت حالة الرعب غير المسبوق في العالم الإسلاميّ، بسبب حادثة كربلاء المفجعة. والعامل الآخر هو الفساد السياسيّ.

فما ذكرنا كان وضع كبار الشخصيات الّذين تشبّثوا بفضلات الحياة المادية لرجال الحكومة آنذاك. وأمثال هؤلاء محمّد بن شهاب الزهري، فهذه الشخصية كانت تُعتبر من الكبار ومن تلامذة الإمام السجّاد عليه السلام ، والإمام عليه السلام استطاع أن يفضح حقيقة هؤلاء من خلال رسالة كتبها لتكون حجّة للتاريخ وتبيّن العلائق المادّية الّتي كانوا يتمسّكون بها.

وهناك الكثير من أمثال محمّد بن شهاب، حيث نقل العلّامة المجلسيّ عن ابن أبي الحديد ما يثير ويهزّ المشاعر. فقد نقل في البحار عن جابر أنّ الإمام السجاد عليه السلام قال: "ما ندري كيف نصنع بالناس، إن حدّثناهم بما سمعنا من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ضحكوا" (فإنّهم لا يكتفون بالرفض وإنما يضحكون استهزاءً)، "وإن سكتنا لا يسعنا"3. ومن ثمّ يذكر ابن أبي الحديد أسماء عدد من الشخصيات ورجال ذلك الزمان من الّذين كانوا من أتباع أهل البيت عليهم السلام ثمّ انحرفوا فيما بعد.

كان يجب أن يصلح دين الأمّة، وأن تُهذّب أخلاق الناس وأن يُخلّص الشعب من الفساد الّذي كان سائداً آنذاك وأن تُوجّه الأمّة معنوياً كي يرجع أساس الدين إلى الأمّة والمجتمع. لذا ترون أنّ أكثر الكلام المنقول عن الإمام السجّاد عليه السلام هو في الزهد. وحتى في بداية كلامه وخطبه، الّتي كانت تتضمّن معنىً سياسيّاً، نجده يبدأها بالكلام حول الزهد، حيث يقول عليه السلام : "إنّ علامة الزاهدين في الدنيا الراغبين عنها في الآخرة...إلخ"4. وفي كلام آخر يصف الدنيا قائلاً "أوَلا حرّ يدع هذه اللماظة لأهلها فليس لأنفسكم ثمن إلا الجنّة ألا فلا تبيعوها بغيرها"5.

إنّ كلمات الإمام عليه السلام كلّها كانت تحمل بين طيّاتها الزهد والمعارف الإسلامية، وكان الإمام يطرح المعارف الإسلامية ويبيّنها من خلال الدعاء، وذلك لأنّ الظروف الصعبة والقمع الّذي كان مسيطراً على الشعب لم يكن يسمح للإمام السجّاد عليه السلام بأن يتكلّم ويطرح آراءه بصورة صريحة وواضحة، فليست السّلطة وحدها كانت مانعة له، وإنّما الناس أنفسهم كانوا يرفضون هذا. المجتمع كان قد أصبح مجتمعاً ضائعاً وكان من الواجب إصلاحه.

كانت حياة الإمام السجاد عليه السلام من عام 61 هـ إلى 95 هـ، على ما ذكرنا. وكلّما كان يمضي الوقت كان الوضع يتحسّن، حتّى قال الإمام الصادق عليه السلام ، كما ذكرناه سابقاً، "ارتدّ الناس بعد الحسين..." إلى أن قال "ثم إنّ الناس لحقوا وكثروا".

وفي زمن الإمام الباقر عليه السلام تحسّن الوضع عمّا كان عليه في زمن السجّاد عليه السلام وهذا بفضل سعي الإمام السجّاد خلال 35 سنة. (28/04/1365)

يظنّ بعض الناس أنّ الإمام فيما لو أراد أن يقاوم نظام بني أميّة لكان ينبغي أن يرفع راية المقاومة العسكرية، أو أن يلتحق بالمختار، أو عبد الله بن حنظلة، أو أن يقودهما معلناً بذلك المقاومة المسلّحة بكلّ وضوح. لكنّنا نفهم من خلال النظر إلى ظروف زمان الإمام السجاد عليه السلام أن هذا ظنٌّ خاطئ وذلك بالالتفات إلى هدف الأئمّة عليهم السلام .

لو قام الأئمّة عليهم السلام ، ومن جملتهم الإمام السجّاد عليه السلام ، في تلك الظروف بمثل هذه التحرّكات العلنية والسلبية، فباليقين لما بقي للشيعة باقية، ولما بقيت الأرضية أو فسح المجال لاستمرار ونموّ مدرسة أهل البيت ونظام الولاية والإمامة فيما بعد. لهذا نجد أنّ الإمام السجّاد عليه السلام في قضيّة المختار لم يعلن التعاون معه، وبرغم ما جاء في بعض الروايات عن ارتباطٍ سريّ بينهما، إلاّ أنّه ودون شكّ، لم يكن ارتباطاً علنياً، حتّى قيل في بعض الروايات إنّ الإمام السجّاد عليه السلام كان يذمّ المختار، ويبدو هذا الأمر طبيعياً جداً من ناحية التقيّة، وذلك حتّى لا يُشعر بوجود أيّ ارتباط بينهما، مع العلم بأنّ المختار فيما لو انتصر فإنّه بالتأكيد كان سيعطي الحكومة لأهل البيت عليهم السلام ، ولكن في حال هزيمته، ومع وجود أدنى ارتباط واضح وعلنيّ، لكانت النّقمة شملت وبشكل قطعيّ الإمام السجّاد عليه السلام وشيعة المدينة واجتثّت جذور التشيّع أيضاً. لأجل ذلك لم يُظهر الإمام عليه السلام أيّ نوع من الارتباط العلنيّ به.

ورد في رواية أنّه عندما دخل مسلم بن عقبة إلى المدينة في واقعة الحرّة، لم يشكّ أحدّ على الإطلاق في أنّ أوّل شخص سيقع ضحيّة نقمته هو عليّ بن الحسين عليه السلام ، لكنّ الإمام السجّاد عليه السلام بتدبيره الحكيم تصرّف بحيث دفع البلاء عنه، وبذلك حافظ على استمرار المحور الأصليّ للشيعة.

وهناك روايات في بعض الكتب - منها "بحار الأنوار" - تحكي عن إظهار التذلّل من قبل السجّاد عليه السلام عند مسلم بن عقبة، ولكن هذه الروايات كاذبة قطعاً وذلك للأسباب التالية:
أولاً: لا تستند هذه الروايات إلى أيّ سندٍ صحيح.
ثانياً: توجد روايات أخرى تكذّبها وتدفعها من حيث المضمون.

ففي لقاء الإمام عليه السلام مع مسلم بن عقبة توجد روايات عديدة لا تنسجم أيّة واحدة منها مع الأخرى، ولأنّ بعض تلك الروايات ينطبق وينسجم أكثر مع نهج الأئمّة وسيرتهم، فنحن بصورة طبيعية نقبلها.

على كلّ حال، مع أنّنا لا نقبل تلك الروايات الّتي تتحدّث عن صدور مثل هذه الأفعال عن الإمام، ولكنّنا لا نشك أيضاً في أنّ الإمام لم يقابل مسلم بن عقبة بتصرّف معادٍ، لأنّ أيّ تصرّف من هذا القبيل سوف يؤدّي إلى قتل الإمام، وهذا سيؤدّي بدوره إلى خسارة عظيمة لا تُجبر بلحاظ الدّور الّذي ينبغي أن يقوم به الإمام السجّاد عليه السلام بالنسبة لثورة الإمام الحسين عليه السلام وتبليغ حقيقتها. لهذا يبقى الإمام عليه السلام - وكما قرأنا في رواية الإمام الصادق عليه السلام - ويلحق الناس به شيئاً فشيئاً ويزداد عددهم. وفي ظلّ تلك الظروف الصعبة وغير المساعدة يبدأ عمل الإمام السجّاد عليه السلام .

في تلك الفترة ساد حكم عبد الملك - حيث إنّ معظم مدّة إمامة الإمام السجّاد، البالغة ثلاثين سنة ونيّف، كانت في ظل هذه الحكومة - وكان نظامه يقوم بالرّصد التام والمراقبة الدائمة لحياة الإمام السجّاد عليه السلام ، ويستخدم الجواسيس والعيون الكثيرة الّتي كانت تنقل إليه أدقّ التفاصيل حتّى المسائل الداخلية والخاصّة بالإمام عليه السلام .

أهداف حركة الإمام السجاد عليه السلام 

بعد أن توضّحت ساحة عمل الإمام السجّاد عليه السلام أشير بشكلٍ مختصر إلى الهدف والمنهج الّذي اعتمده الأئمّة. وبعد ذلك نقوم بدراسة جزئيات حياة هذا الإمام فيما يتعلّق بهذا النهج.

ممّا لا شكّ فيه أنّ الهدف النهائيّ للسّجاد عليه السلام كان إيجاد الحكومة الإسلامية، وكما جاء في كلام الصادق عليه السلام فإنّ الله تعالى وقّت عام 70 لقيام الحكومة الإسلامية، ثمّ بسبب قتل الإمام الحسين عليه السلام سنة 60 فإنّ الله أخّرها إلى سنة 147 - 148هـ، فهذا يحكي بشكلٍ واضح عن أنّ الهدف النهائيّ للإمام السجّاد عليه السلام وسائر الأئمّة هو إيجاد الحكومة الإسلامية. ولكن كيف يمكن أن تُقام الحكومة الإسلامية في مثل تلك الظروف؟ إنّ هذا يحتاج إلى عدّة أمور:

1- ينبغي أن تدوّن وتُدرس وتُنشر المدرسة الإسلامية الحقيقية الّتي يحمل علمها الأئمّة عليهم السلام ، هذه المدرسة الّتي هي أيضاً المبنى الأساس للحكومة الإسلامية. بعد أن انفصل المجتمع الإسلاميّ ولمدّة طويلة من الزمن عن الفكر الإسلاميّ الصحيح، كيف يمكن إقامة حكومة على أسس الفكر الإسلاميّ الأصيل في حين أنّ الأرضية الفكريّة لم يتمّ تحقيقها بين الناس، ولم تدّون تلك الأحكام الأصيلة؟

إنّ أعظم الأدوار الّتي مارسها الإمام السجّاد عليه السلام هي أنّه دوّن الفكر الأصيل للإسلام: كالتوحيد، والنبوّة، وحقيقة المقام المعنويّ للإنسان، وارتباطه بالله. وأهمّ دور أدّته الصحيفة السجّادية هو في هذا المجال. فانظروا إلى هذه الصحيفة، ثمّ جولوا ببصركم في أوضاع الناس على صعيد الفكر الإسلامي في ذلك الزمن ستجدون مدى المسافة الّتي تفصل بين الاثنين.

ففي ذلك الزمن الّذي كان المسلمون في كلّ أنحاء العالم الإسلاميّ يسيرون نحو الحياة المادية والملذّات، بدءاً من شخص الخليفة عبد الملك بن مروان، إلى العلماء المحيطين به (ومن جملتهم محمّد بن شهاب الزهريّ، وسوف أذكر أسماء علماء البلاط فيما بعد)، نزولاً إلى الجميع الّذين كانوا يغوصون في بحر الدنيا والماديات، يقف الإمام السجّاد عليه السلام ويقول مخاطباً الناس: "أوَلا حرّ يدع هذه اللماظة لأهلها؟".

ففي هذه الجملة يوضح الإمام أنّ الفكر الإسلاميّ الأصيل كان عبارة عن جعل الهدف للمعنويات والتحرّك نحو الوصول إلى الأهداف المعنوية والإسلامية، وجعل الإنسان يرتبط بالله عبر التكليف. وهذا هو الموقف المقابل تماماً لحركة الناس المادية في ذلك الزمن. كان على الإمام السجّاد عليه السلام أن يقوم بعملٍ كبيرٍ لأجل أن يحفظ الفكر الأصيل للإسلام في فضاء المجتمع الإسلاميّ. وكانت هذه الحادثة بداية أعمال الإمام السجّاد عليه السلام .

2- تعريف الناس إلى أحقّية أولئك الّذين ينبغي أن يتسلّموا زمام الحكم. إذ كيف يمكن لأهل البيت تشكيل حكومة في الوقت الّذي كان الإعلام والتبليغ ضدّ آل الرسول قد ملأ العالم الإسلاميّ طوال عشرات السنين حتّى عصر الإمام السجّاد عليه السلام ، وفيه ظهرت الأحاديث الموضوعة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والّتي تخالف حركة أهل البيت بل إنّها في بعض الموارد تشتمل على سبّهم ولعنهم، وقد نُشرت بين أناس ولم يكن لديهم أي اطّلاع على المقام المعنويّ والواقعيّ لأهل البيت.
لهذا، فإنّ أحد الأهداف والتحرّكات المهمّة للإمام السجّاد عليه السلام كان يرتبط بتعريف الناس إلى أحقّية أهل البيت، وأنّ مقام الولاية والإمامة والحكومة حقٌّ ثابت لهم وهم الخلفاء الواقعيّون للنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم . وهذا الأمر، إضافة لما له من أهميّة عقائدية وفكرية، له ماهيّة سياسية وهي الارتباط بالحركة السياسية المناهضة للنظام الحاكم.

3- كان على الإمام السجّاد عليه السلام أن يؤسّس الأجهزة والتشكيلات الّتي يمكن أن تكون منطلقاً أصلياً للتحرّكات السياسية المستقبلية، ففي مجتمع ممزّق، يعيش تحت أنواع القمع والفقر والتضييق الماليّ والمعنويّ، حتّى أنّ الشيعة عاشوا من الرعب والتضييق إلى درجة أنّ تشكيلاتهم تلاشت فكيف يمكن للإمام السجّاد عليه السلام أن يبدأ عمله وحيداً أو مع مجموعة قليلة وغير منظّمة؟ لهذا كان همّ الإمام السجاد عليه السلام أن يبدأ بتشكيل هذه التنظيمات الّتي كانت، برأينا، موجودة منذ أيّام أمير المؤمنين عليه السلام غير أنّها ضعفت وتلاشت إثر واقعة عاشوراء والحرّة وثورة المختار.

بالنتيجة نجد أنّ عمل الإمام كان يدور ضمن ثلاثة محاور أساس:

الأول: تدوين الفكر الإسلاميّ بصورة صحيحة وطبق ما أنزل الله، بعد مرور أزمنة من التحريف والنسيان عليه. 
الثاني: إثبات أحقّية أهل البيت في الخلافة والولاية والإمامة.
الثالث: إيجاد التشكيلات المنسجمة لأتباع أهل البيت عليهم السلام وأتباع التشيّع.

هذه الأعمال الثلاثة الأساس هي الّتي ينبغي أن ندرسها ونبحث فيها لنرى أيّ واحد منها قد تحقّق في حياة الإمام السجّاد عليه السلام .

إلى جانب هذه الأعمال، كانت هناك أيضاً أعمال أخرى هامشية أو ضمنية وتحرّكات قام بها الإمام وأتباعه لأجل اختراق ذلك الجوّ المرعب والقمعيّ. ففي ظلّ الإجراءات الأمنية المشدّدة الّتي كان يفرضها الحكم، نلاحظ مواقف عديدة للإمام عليه السلام أو أتباعه كان الهدف منها كسر حواجز القمع وصناعة بعض الأجواء الملائمة واللطيفة، خاصّة مع الأجهزة الحاكمة أو التابعة لها، مثل المواقف الّتي حدثت بين الإمام عليه السلام وعبد الملك عدّة مرات، أو الأمور الّتي جرت مع العلماء المنحرفين والتابعين لعبد الملك (من قبيل محمّد بن شهاب الزهريّ) كلّ ذلك لأجل خرق ذلك الجوّ المتشدّد.

إنّ الباحث عندما يستعرض الروايات، سواء الأخلاقية منها أم المواعظ أم الرسائل الّتي نقلت عن الإمام أو المواقف الّتي صدرت عنه وذلك على أساس ما بيّناه، فإنّه سوف يجد لها المعاني المناسبة، وبتعبيرٍ آخر سوف يرى أن جميع تلك التحرّكات والأقوال كانت ضمن الخطوط الثلاثة الّتي أشرنا إليها والّتي كانت تصبّ جميعاً في دائرة إقامة الحكومة الإسلامية. وبالتأكيد لم يكن الإمام يفكّر في إيجاد حكومة إسلاميّة في زمانه لأنّه كان يعلم أنّ وقتها في المستقبل، أي في الحقيقة في عصر الإمام الصادق عليه السلام .

وبهذه الأعمال الثلاثة سوف تتهيّأ أرضيّة إقامة الحكومة الإسلاميّة والنظام العلَويّ.(مجلة باسدار اسلام،8)

لقد ذكرتُ سابقاً، وأؤكّد ما ذكرتُه، أنّ الإمام السجّاد عليه السلام لم يكن يرى أنّه سيتمّ تحقيق الحكومة الإسلاميّة في زمانه (وهذا بخلاف ما عمل لأجله الإمام الصادق عليه السلام في زمانه)، فقد كان معلوماً بأنّ الأرضيّة في عصر الإمام السجّاد عليه السلام لم تكن معدّة لذلك، وكان الظلم والقمع والجهل كبيراً إلى الدرجة الّتي يصعب فيها إزالتها خلال هذه السنوات الثلاثين. وكان الإمام السجّاد عليه السلام يعمل للمستقبل. ومن خلال القرائن العديدة، نفهم أيضاً أنّ الإمام الباقر عليه السلام لم يكن يهدف إلى إقامة حكومة إسلاميّة في زمانه، أي أنّه منذ سنة 61 وحتّى 95 هـ (شهادة الإمام السجّاد عليه السلام )، ومنذ سنة 95 وحتّى 114 هـ (شهادة الإمام الباقر عليه السلام )، لم يكن في فكر أيّ منهما أنّه ستقام هذه الحكومة في زمانه، ولهذا كانا يعملان على المدى البعيد.

وسوف نستشهد على هذه الفكرة بكلمات الإمام السجّاد عليه السلام ، لأنّها أفضل المصادر وأكثرها أصالة للتعرّف إلى سيرة حياته عليه السلام بل على حياة كلّ الأئمّة عليهم السلام . غاية الأمر - وكما أشرنا سابقاً - أنّنا نفهم هذه البيانات بصورة صحيحة عندما نطلّع على حركة الأئمّة ومقصدهم من الجهاد والمواجهة والسعي والسير، وبغير هذه الصّورة قد نفهم معاني هذه الكلمات - الّتي سوف أبينّها - مغلوطة. وبعد أن اطّلعنا على بعض تلك الحوادث، والّتي استفدناها ببركة كلمات الأئمّة عليهم السلام ، سوف نعتمد على نفس المصادر وسنرى أيّة استنتاجات صحيحة نحصّلها.

قبل أن ندخل في صلب البحث ينبغي أن نذكّر بنقطة موجزة أنّه وبسبب مرحلة القمع الشديد الّتي كان يعيشها الإمام السجّاد عليه السلام ، لم يستطع أن يبيّن لنا تلك المفاهيم بصورة واضحة ولذلك كان يستفيد من أسلوب الموعظة والدعاء (خاصّة أدعية الصحيفة السجّادية الّتي سوف نتعرّض لها فيما بعد والبيانات والروايات الّتي نُقلت عن الإمام عليه السلام والّتي كانت تطغى عليها حالة الموعظة)، حيث كان الإمام ضمن بيان الموعظة والنصّيحة يبيّن ما أشرنا إليه سابقاً، وبهذا اتّبع الإمام السجّاد عليه السلام منهجاً حكيماً وشديد الحذاقة. وبذلك الأسلوب الّذي ظاهره موعظة الناس ونصحهم، أدخل الإمام عليه السلام إلى أذهانهم ما يريده، وهذا من أفضل أشكال التعاطي الأيديولوجيّ والفكريّ الصحيح.

الإمام السجّاد عليه السلام وتجلّيات المواجهة السياسية

ما سنقوم بدراسته هنا هو كلمات الإمام السجّاد عليه السلام الواردة في كتاب "تحف العقول" حيث نشاهد عدّة أنواع من الأسلوب المذكور والّتي تشير إلى طبيعة الجهات المخاطبة.

أحد تلك الأنواع هو الكلمات الموجهّة لعامّة الناس، والّتي يظهر فيها أنّ المستمع ليس من الجماعة المقرّبة والخاصّة للإمام أو من الكوادر التابعين له. وفي هذه الخطابات يستند الإمام عليه السلام دائماً إلى الآيات القرآنية، لماذا؟ لأنّ عامّة الناس لا ينظرون إلى الإمام السجّاد عليه السلام كإمام، بل يطلبون الدليل في كلماته، ولهذا كان الإمام يستدلّ إمّا بالآيات أو بالاستعارة من الآيات، حيث استخدم هذا الأسلوب في أكثر من 50 مورداً ذكر في تلك الروايات، بصورة مباشرة أو بطريق الاستعارة.

ولكن في الخطاب الموجّه إلى المؤمنين نجد الأمر مختلفاً، لأنّ هؤلاء المؤمنين يعرفون الإمام السجّاد عليه السلام وقوله مقبول عندهم، لهذا لم يكن يستند في كلامه إلى الآيات القرآنية. ولو أحصينا كلّ كلامه الموجّه إليهم لوجدنا أنّ استخدام الآيات القرآنية فيه قليل جداً.

في رواية مفصّلة من كتاب "تحف العقول" تحت عنوان: "موعظته لسائر أصحابه وشيعته وتذكيره إيّاهم كلّ يوم جمعة"6، نجد هنا أنّ دائرة المستمعين واسعة وهذا ما نستنتجه من القرائن المفصّلة الواردة فيها. ففي هذه الرواية لم يستخدم الإمام عليه السلام كلمة "أيّها المؤمنون" أو "أيّها الإخوة"، وأمثالها، حتّى نعلم أنّ خطابه موجّه إلى جماعة خاصّة، ولكنّه قال "أيّها الناس" وهذا يشير إلى عموميّة الخطاب. في حين أنه في بعض الروايات الأخرى كان الخطاب موجّهاً بصورة خاصّة إلى المؤمنين.

ثانياً؛ لا يوجد في هذه الرواية تصريحٌ بشيء معارض للجهاز الحاكم، بل انصرف كلّ الخطاب لبيان العقائد، وما ينبغي أن يعرفه الإنسان وذلك بلسان الموعظة. فالخطاب يبدأ هكذا: "أيها الناس، اتقّوا الله واعلموا أنّكم إليه راجعون...". ثمّ يتطرّق الإمام عليه السلام إلى العقائد الإسلامية ويوّجه الناس إلى ضرورة فهم الإسلام الصحيح. وهذا يدلّ على أنّهم لا يعرفون الإسلام الصحيح، يريد بذلك إيقاظهم من غفلة الجهل إلى معرفة الإسلام وتعاليمه.

كيف مثلاً يستفيد الإمام السجاد عليه السلام من أسلوبه الجذّاب، حيث يقول: "ألا وإنّ أوّل ما يسألانك عن ربّك الّذي كنت تعبده" ويمضي على هذا المنوال ناصحاً، ويخوّف من ذلك الوقت الّذي يوضع المرء في قبره ويأتي منكر ونكير لمساءلته. وبهذا يريد أن يوقظ فيهم الدافع لمعرفة الله وفهم التوحيد، "وعن نبيّك الّذي أُرسل إليك"، ثمّ الدافع لفهم النبوة، "وعن دينك الّذي كنت تدين به، وعن كتابك الّذي كنت تتلوه...".

وأثناء عرضه لهذه العقائد الأصيلة وهذه المطالب الأساس للإسلام، كالتوحيد والنبوّة والقرآن والدين، يبيّن هذه النقطة الأساس بقوله عليه السلام : "وعن إمامك الّذي كنت تتوّلاه"7، فهو هنا يطرح موضوع الإمامة. وقضيّة الإمامة عند الأئمّة تعني قضية الحكومة أيضاً، إذ لا يوجد فرق بين الولاية والإمامة على لسان الأئمّة عليهم السلام . وإن كان للوليّ والإمام معانٍ مختلفة عند بعض الناس ولكن هاتين القضيّتين - الولاية والإمامة - على لسان الأئمّة أمرٌ واحدٌ والمراد منهما واحد. وكلمة "الإمام" المقصودة هنا تعني ذلك الإنسان المتكفّل بإرشاد الناس وهدايتهم من الناحية الدينية، وأيضاً المتكفّل بإدارة أمور حياتهم من الناحية الدنيوية، أي خليفة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم الإمام هو قائد المجتمع، أي ذلك الإنسان الّذي نتعلّم منه ديننا وتكون بيده أيضاً إدارة دنيانا، بحيث تكون إطاعته في أمور الدين وأمور الدنيا واجبة علينا.

في عالم التشيّع تعرّضت هذه القضيّة (دور الإمام) إلى فهمٍ خاطئ طيلة قرون متتالية. ففي السابق كان الناس يتصوّرون أنّ الإمام يتفرّد بحكم المجتمع، وهو الّذي ينبغي أن يدير أمور الحياة بيده وبجهده الذاتي: فيحارب ويصالح ويعمل وينفّذ كلّ طلب بنفسه؛ فهو يأمر الناس وينهاهم من جهة، وفي نفس الوقت هو الّذي ينفّذ هذه الأمور وحده لإصلاح دينهم! واليوم أيضاً تعرّضت هذه القضيّة للفهم الخاطئ بحيث أصبحنا نعتبر أنّ الإمام في عصر الغيبة ليس إلاّ عالماً دينياً، وهذا بالطبع تصوّرٌ خاطئ. لفظة "الإمام" تعني المتقدّم والقائد. فالإمام الصادق عليه السلام عندما كان يخاطب الناس في منى أو عرفات بقوله: "أيّها الناس إنّ رسول الله كان الإمام"، كان يشير إلى أنّ الإمام هو الّذي يتوّلى أمور الناس الدينية والدنيوية.

في المجتمع الإسلاميّ أيّام حكم عبد الملك بن مروان وفي عصر الإمام السجّاد عليه السلام كان هذا المعنى يُفهم فهماً خاطئاً. لأنّ إمامة المجتمع، وهي إدارة شؤون حياة الناس وبسط نظام العيش الّذي يمثّل قسماً مهماً من الإمامة، قد سلبت من أهلها وأعطيت إلى من لا أهليّة لهم بها، حيث كانوا يلقّبون أنفسهم بالأئمّة ويعرفهم الناس بذلك. فالناس كانوا يُطلقون لقب الإمام على عبد الملك بن مروان، ومن قبله أبيه وقبلهما يزيد وغيره. وقد قبلوهم على أساس أنّهم قادة المجتمع والحكّام على النظام الاجتماعيّ للناس. وقد ترسّخ ذلك في أذهان الناس.

وهكذا عندما كان الإمام السجّاد عليه السلام يقول إنّك ستُسأل عن إمامك في القبر، كان يشير إلى أنّك هل انتخبت الإمام المناسب والصحيح؟ وهل أنّ ذلك الشخص الّذي كان يحكمك، ويقود المجتمع الّذي تعيش فيه هو حقّاً إمام؟ وهل هو ممّن رضي الله عنه؟ لقد كان الإمام بهذا الكلام يوقظ الناس ليجعل هذه القضيّة حسّاسة في نفوسهم.

بهذه الطريقة كان الإمام يحيي قضيّة الإمامة. ففي حين أنّ الجهاز الأمويّ الحاكم لم يكن يرضى بأن يتمّ الحديث عنها، استخدم الإمام أسلوب الموعظة.(كانت هذه من إحدى الوسائل الهادئة الّتي استخدمها الإمام في هذا المجال، وسوف نشير لاحقاً إلى أساليب أكثر تشدّداً).

بناءً على هذا، ففي البيان العام الموجّه إلى عامّة الناس نجد أنّ إمامنا، وبلغة الموعظة، يحيي المعارف الإسلاميّة، وخاصّة تلك المعارف الحسّاسة في ذهن الناس، ويسعى لأجل أن يتعرّف الناس إليها ويتذكّروها. ويمكن الالتفات في هذا النوع من الخطاب إلى نقطتين اثنتين:

الأولى: أنّ هذا الأسلوب البيانيّ للإمام لم يكن تعليمياً، بل هو من نوع التذكير. أي أنّ الإمام لم يكن يجلس ليبيّن للنّاس دقائق التوحيد، أو ليفسّر لهم مسألة النبوّة، وإنّما يذكّرهم بها. لماذا؟ لأنّ المجتمع الّذي كان يعيش فيه الإمام السجاد عليه السلام لم تكن تفصله عن مرحلة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم مسافة زمنية كبيرة حتّى ينحرف كلياً عن العقائد الإسلاميّة. بل كان هناك الكثير من الأشخاص الّذين عايشوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومرّت عليهم مرحلة الخلفاء الراشدين، وقد عاصروا أئمّتنا العظام من أمير المؤمنين عليه السلام إلى الإمام الحسن عليه السلام وإلى الإمام الحسين عليه السلام . ومن الناحية الاجتماعيّة لم يكن الوضع قد وصل إلى مرحلة يعاني فيها المجتمع الإسلاميّ من الانحراف العقائديّ والأصوليّ بالنسبة لمسألة التوحيد والنبوّة والمعاد والقرآن. نعم، كانت هذه المسائل تدريجيّاً تخرج من ذاكرتهم، وكانت الحياة المادّية تحيط بهم إلى درجة تنسيهم الفكر الإسلاميّ والعقيدة الإلهيّة. 

كانت الحياة الدنيوية والمادية تسري في المجتمع بحيث لا تُبقي في أذهان الناس أيّ توجّه للمسابقة في مضمار المعنويات والخيرات. وإذا وُجد هذا الأمر فإنّه لم يكن ليتعدّى القشور والسطوح. أمّا بالنسبة للمفهوم الّذي كان النّاس يحملونه، في زمن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والعصر المتّصل به، عن التوحيد والحساسيّة المتميّزة تجاهه، فقد كانوا يفتقدونه في عصر الإمام. وهذا ما كان يستدعي التذكير حتّى يرجع الأمر إلى سابق عهده، لا أنّ هناك أشياء محرّفة ينبغي أن تصحّح.

وهذا بخلاف المراحل اللاحقة، كمرحلة الإمام الصادق عليه السلام ، لأنّ المسألة حينها لم تكن بهذا الشكل. فقد ظهر في ذلك الوقت الكثير من المتكلّمين والمتفلسفين والمفكّرين، وتحت عناوين متعدّدة كانوا يجلسون في المساجد الكبرى، مثل مسجد المدينة وحتّى المسجد الحرام ومسجد الشام، ويدرّسون العقائد المنحرفة والباطلة. لقد برز حينها أناس مثل "ابن أبي العوجاء" يدرّسون عقائد الزنادقة والإلحاد. لهذا، بالتأمّل بأحاديث وكلمات الإمام الصادق عليه السلام نجد بيان التوحيد والنبوّة وأمثالها بصورة استدلالية8. فالحاجة إلى الاستدلال ضرورية لمواجهة استدلال الخصم، وهذا ما لا نجده في كلمات الإمام السجّاد عليه السلام ، الّتي كانت تعتمد على الحالة الشعوريّة والوجدانيّة الّتي تذكّر بالقضايا الأساس.

وباختصار، لم يكن عصر الإمام السجّاد عليه السلام يحكي عن خروج عن الفكر الإسلاميّ، حتّى عند الحكّام، إلّا في بعض الموارد الّتي يظهر فيها مثل هذا الأمر. وذلك عندما أُلقى يزيد اللعين تلك الأبيات الشعرية في حالة السكر عندما أُحضر أسرى أهل البيت عليهم السلام فقال:
لعبت هاشم بالملك فلا***خبرٌ جاء ولا وحيٌ نزل9.

ولكنّنا نستطيع أن نقول إنّ هذا الكلام كان تحت تأثير السكر. فحتّى أمثال عبد الملك أو الحجّاج لم يكونوا يجرؤون على إعلان مخالفتهم لفكرة التوحيد أو النبوّة. لقد كان عبد الملك بن مروان يقرأ القرآن إلى درجة أنّه عُرف كأحد قرّاء القرآن. ثمّ عندما وصل إليه خبر تنصيبه خليفة قبّل القرآن وقال: "هذا فراقٌ بيني وبينك"، إنّ هذا ما حدث فعلاً. والحجّاج بن يوسف الّذي سمعتم عن ظلمه (وباليقين إنّ الّذي سمعتموه هو أقلّ بكثير ممّا فعله) كان عندما يخطب في الناس يأمرهم بالتقوى. وهكذا نفهم سبب اعتماد الإمام السجّاد عليه السلام على التذكير بالأفكار الإسلامية لإخراج الناس من مستنقع الدنيا والأهواء المادّية إلى ساحة معرفة الله والدين والقرآن.

الثانية: وهي ما أشرنا إليه سابقاً، من أنّ الإمام كان يأتي على ذكر مسألة الإمامة من خلال بيانه العامّ الّذي اتّخذ أسلوب الموعظة والإرشاد، وعندما كان بعض الناس يتحدّث إليكم ويذكّركم قائلاً: أيّها الناس فكّروا بالله، وبالتوحيد والنبوّة وبقضيّة الحكومة... أما إذا جاء ذلك بلغة الوعظ وعلى لسان رجل زاهد وعابد فإنّه يمكن أن يُقبل، وبتعبير آخر لن يثير الحساسيّات. هذا نوع من بيانات الإمام السجّاد عليه السلام .(مجلة باسدار إسلام، 9).

تحذير الخواص من الدنيا والرفاهية

أمّا النّوع الثاني فهو ذلك الخطاب الموجّه إلى مجموعة خاصّة لا تعرف هويّتها. ولكن من الواضح أنّه كان موجّهاً إلى مجموعة من الّذين يخالفون النظام الحاكم. فمن يمكن أن يكون هؤلاء؟ هذه الخطابات وإن لم يُعلم منها بالتحديد من هي تلك الفئة المخاطبة، ولكن من الواضح أنّها لفئة مخالفة للنظام الحاكم، وأفرادها هم في الواقع من أتباع الإمام عليه السلام ومن المعتقدين بحكومة أهل البيت عليهم السلام .

ولحسن الحظّ أنّنا نجد في كتاب تحف العقول نموذجاً لهذا النوع من الكلمات الصادرة عن الإمام السجّاد عليه السلام (وذلك لأنّنا لا نجد في غيره من الكتب موارد أخرى من هذا النوع بالرغم من أنّ هناك الكثير في حياة الإمام السجّاد عليه السلام ، ولكن على أثر الحوادث المختلفة الّتي جرت في ذلك العصر من القمع والتنكيل والاضطهاد وقتل الأصحاب زالت تلك الآثار وبقي القليل منها).

يبدأ الخطاب التابع لهذا النّوع الثاني هكذا: "كفانا الله وإيّاكم كيد الظالمين وبغي الحاسدين وبطش الجبّارين". ويعلم من هذا البيان أنّ الإمام والجمع الحاضر مهدّدون من قبل السلطات الحاكمة، وأنّ المسألة ترتبط بمجموعة خاصّة: المؤمنين بأهل البيت عليهم السلام ، ولذلك جاء الخطاب بصيغة "يا أيّها المؤمنون"، خلافاً للنوع الأوّل حيث يستعمل "يا أيّها الناس" أو "يا ابن آدم"، وذلك لأنّ الخطاب موجّه إلى المؤمنين في الحقيقة بأهل البيت وأفكار أهل البيت عليهم السلام .

والدليل الآخر الواضح جدّاً عندما يقول عليه السلام : "أيّها المؤمنون لا يفتنّنكم الطواغيت وأتباعهم من أهل الرغبة في الدنيا، المائلون إليها المفتونون بها، المقبلون عليها"10.

فالمقصد الأصليّ من الكلام هو حفظ هؤلاء المؤمنين وبناء الكادر اللازم للمستقبل. ومن الواضح أنّه على أثر الصراع الشديد في الخفاء ما بين أتباع الأئمّة عليهم السلام وأتباع الطواغيت، فإنّ أتباع الأئمّة عانوا من الحرمان الكبير والخطر الأكبر الّذي يهدّد المجاهدين هو أن يتوجّهوا إلى الرفاهية، هذه الرفاهية الّتي لن تجرّهم إلاّ إلى ترك الجهاد.

لقد كان الإمام عليه السلام يؤكّد كثيراً على هذه النقطة، ويحذّر الناس من الرفاهيات في هذه الدنيا المتلألئة الكاذبة الخدّاعة الّتي لن تؤدّي إلّا إلى التقرّب من الطواغيت. لهذا نجد في هذا البيان، وفي العديد من كلمات الإمام السجاد عليه السلام ، وفي الروايات القصيرة الّتي نُقلت عنه، تأكيداً على هذا الأمر.

ماذا يعني التحذير من الدنيا؟ يعني حفظ الناس من الانجذاب نحو المترفين والإيمان بهم وتمييزهم بحيث تقلّ حدّة مواجهة الناس لهم. وهذا النوع من الخطابات موجّه للمؤمنين، أمّا في الخطاب المتوجّه إلى عامّة الناس، فقليلاً ما نجد مثل هذا النوع. ففي خطاب عامّة الناس، كثيراً ما يظهر: أيها الناس التفتوا إلى الله، إلى القبر والقيامة، إلى أنفسكم والغد. فما هو هدف الإمام عليه السلام من هذا النوع الثاني من الخطاب؟ المقصود هو بناء الكادر.

فهو عليه السلام يريد أن يصنع من المؤمنين كوادر ملائمة للمرحلة، ولهذا يحذّرهم من الانجذاب نحو أقطاب القدرة والرفاهية الكاذبة. ويكرّر ذكر النظام الحاكم خلافاً للنوع الأوّل من الكلمات، كما يقول مثلاً: "وإنّ الأمور الواردة عليكم في كلّ يوم وليلة من مظلمات الفتن وحوادث البدع وسنن الجور وبوائق الزمان وهيبة السلطان ووسوسة الشيطان"11.

وهنا نجد أنّ الإمام مباشرة بعد ذكر هيبة السلطان وقدرته يذكر وسوسة الشيطان، يريد بذلك أن يلفت، وبكلّ صراحة، النظرَ إلى حاكم ذلك الزمان ويضعه إلى جانب الشيطان. وفي تتمّة الكلام جملة لافتة جداً ولأنّها مهمّة جدّاً أنقلها وهي تحكي عن مطلب ذكرته سابقاً: "لتثبّط القلوب عن تنبهها وتذهلها عن موجود الهدى ومعرفة أهل الحق"12. تلك الهداية الموجودة الآن في المجتمع. فهذه الأحداث الّتي ترد على الإنسان في حياته في الليل والنهار - في عصر القمع - تمنع القلوب من تلك النيّة والتوجّه والدافع والنشاط المطلوب للجهاد. 

فالإمام السجّاد عليه السلام يعظهم بنفس الأسلوب السابق، "وإيّاكم وصحبة العاصين ومعونة الظالمين" فهو يحذّرهم من مجالسة أهل المعاصي. من هم أهل المعاصي؟ أولئك الذين جُذبوا لنظام عبد الملك الظالم. الآن، حاولوا أن تتصوّروا شخصية الإمام السجّاد وأن تكوّنوا تصوّراً عنه13 عليه السلام . هل ما زال ذلك الإمام المظلوم الصامت المريض الّذي لا شأن له بالحياة؟ كلّا، فالإمام هو الّذي كان يدعو مجموعة من المؤمنين والأصحاب ويحذّرهم، بهذه الصّورة الّتي ذكرناها من التقرّب إلى الظلَمة ونسيان المجاهدة، ويمنعهم من الانحراف عن هذا الطريق، وكان يحفزهم ويشحنهم بالنشاط، ويدفعهم من أجل أن يكونوا مؤثّرين في إيجاد الحكومة الإسلاميّة.

من جملة الأشياء الّتي أراها جليّة وشديدة الأهميّة في هذا القسم من كلمات الإمام السّجاد عليه السلام ، تلك الكلمات الّتي يذكّر فيها بتجارب أهل البيت عليهم السلام الماضية. ففي هذا القسم يشير الإمام عليه السلام إلى تلك الأيّام الّتي مرّت على الناس من قبل الحكّام الجائرين، مثل معاوية ويزيد ومروان، ووقائع مثل الحرّة وعاشوراء، وشهادة حجر بن عديّ ورشيد الهجريّ، وعشرات الحوادث المهمّة والمعروفة والّتي مرّت على أتباع أهل البيت طيلة الأزمان الماضية واستقرّت في أذهانهم. ويريد الإمام عليه السلام أن يحثّ أولئك المخاطبين من خلال ذكر تلك الحوادث الشديدة، على التحرّك والثورة. والتفتوا الآن إلى هذه الجملة: "فقد لعمري استدبرتم من الأمور الماضية في الأيّام الخالية من الفتن المتراكمة والانهماك فيها ما تستدلّون به على تجنّب الغواة"14. 

أي أنّكم تستحضرون تلك التجارب وتعلمون ماذا سيفعل بكم أهل البغي والفساد - وهم حكّام الجور - عندما يتسلّطون عليكم. ولذلك يجب عليكم أن تتجنّبوهم وتواجهوهم. وفي هذا الخطاب يطرح الإمام مسألة الإمامة بصورة صريحة، أي قضيّة الخلافة والولاية على المسلمين والحكومة على الناس وإدارة النظام الإسلاميّ. هنا يبيّن الإمام السجّاد عليه السلام قضية الإمامة بالصراحة، في حين أنّه في ذلك الزمن لم يمكن يطرح مثل هذه المطالب على العامّة. ثم يقول عليه السلام : "فقدّموا أمر الله وطاعته وطاعة من أوجب الله طاعته".

وهنا يعيّن الإمام فلسفة الإمامة عند الشيعة والإنسان الّذي يجب أن يُطاع بعد الله. ولو فكّر الناس في ذلك الوقت بهذه المسألة لعلموا بوضوح أنّه لا يجب طاعة عبد الملك. لأنّه من غير الجائز أن يوجب الله طاعة عبد الملك. ذلك الحاكم الجائر بكلّ فساده وبغيه. وبعد أن يقدّم الإمام هذه المسألة يتعرّض لردّ شبهة مقدّرة فيقول: "ولا تقدّموا الأمور الواردة عليكم من طاعة الطواغيت وفتنة زهرة الدنيا بين يدي أمر الله وطاعته وطاعة أولي الأمر منكم"15. فالإمام عليه السلام في هذا القسم من كلمته يعرض بصراحة لقضية الإمامة.

ففي هذا الخطاب والخطاب السابق يركّز الإمام عليه السلام على مسألتين أساسيتين من المسائل الثلاث الّتي أشرنا إليها سابقاً.

الأولى: إعادة تدوين وتجديد الفكر الإسلاميّ والمعتقدات الإسلامية وإحياؤها في أذهان الناس والحث على تعلّمها. 
والأخرى: البعد السياسيّ لولاية الأمر أي قضية الحكومة وقيادة النظام الإسلاميّ. 

وعندما يعرّف الإمام هاتين المسألتين للناس في ذلك الزمن فإنّه يقوم في الواقع بتعريف النظام العلويّ والنظام الإسلاميّ الإلهيّ.

نوعٌ آخر من كلمات الإمام السجاد عليه السلام وهو أهمّ من الكلمتين السابقتين. ومن خلاله يدعو الإمام بصراحة الناس إلى ضرورة إيجاد التشكيلات الإسلامية الخاصّة. وبالطبع فإنّ هذه الدعوة موجّهة إلى أولئك الّذين يتّبعون أهل البيت عليهم السلام ، وإلا لو كانت إلى غيرهم من عامّة الناس لأفشيت وأدّت إلى إيذاء الإمام عليه السلام وتعرّضه للضغوط الصعبة، وبحمد الله فإنّنا نجد نموذجاً لهذا النوع من الكلمات في "تحف العقول"16.

يبدأ الإمام بهذه العبارة: "إنّ علامة الزاهدين في الدنيا الراغبين في الآخرة، تركهم كلّ خليط وخليل ورفضهم كلّ صاحب لا يريد ما يريدون"17. وهذا تصريح بالدعوة إلى إيجاد تشكيلات شيعيّة.

فهو عليه السلام يعلّمهم بأنّ عليهم الابتعاد عن أولئك الّذين يخالفونهم في الدافع ولا يتّبعون الحكومة العلويّة وحكومة الحقّ..18

وهناك نوعٌ آخر من كلمات الإمام عليه السلام لا توجد فيه تلك المطالب الكلية الّتي أشرنا إليها، مثل رسالة الحقوق. للإمام السجاد عليه السلام رسالة مفصّلة هي بحجم رسالةٍ حقيقية بحسب اصطلاحنا، وهي رسالة كتبها الإمام لأحد أصحابه يذكر فيها حقوق الأفراد والإخوان على بعضهم بعضاً، ويذكر فيها أيضاً حقّ الله عليك، وحقّ أعضائك وجوارحك، وحقّ العين واللسان واليد والأذن... كما يذكر حقّ حاكم المجتمع الإسلاميّ وحقّك عليه، وحقّك على جيرانك، وحقّك على أسرتك. لقد ذكر كلّ هذه الأنواع من الحقوق الّتي تنظّم العلاقات بين الأفراد في النظام الإسلاميّ. فالإمام وبهدوء تامّ ودون أن يأتي على ذكر الحكومة والجهاد والنظام المستقبلي، قد ذكر في هذه الرسالة أسس علاقات النظام المقبل بحيث إنّه لو جاء يوم وتحقّق نظام الحكومة الإسلامية في عصر الإمام السجّاد نفسه - وهو بالطبع احتمالٌ بعيد - أو في العصور اللاحقة فهو يعرّف الناس إلى الإسلام الّذي ستُحقّق حكومته في المستقبل، ليلقي في أذهانهم مسبقاً طبيعة العلاقات الّتي تربط بينهم في ذلك النّظام. هذا نوعٌ آخر من كلمات الإمام السجاد الّتي تلفت الأنظار كثيراً.

ونوع آخر نجده في الصحيفة السجّادية، وهذا الأمر يتطلّب بحثاً مفصّلاً ربّما هو عمل أولئك الّذين يعملون في هذا المجال. فالصحيفة السجادية تتضمّن مجموعة من الأدعية في كافّة المجالات الّتي ينبغي أن يلتفت إليها الإنسان اليقظ والفطن. وأكثرها في الروابط والعلاقات القلبية والمعنوية للإنسان. في هذه الأدعية والمناجاة، توجد مطالب معنوية وتكاملية كثيرة لا حصر لها. والإمام عليه السلام وضمن هذه الادعية وبلسان الدعاء يحيي الدوافع نحو حياة إسلامية في أذهان الناس ويوقظها. إحدى النتائج الّتي يمكن أن تحصل من الأدعية، وقد ذكرناها مراراً، هي إحياء الدوافع السليمة والصحيحة في القلوب. فعندما ندعو: "اللهمّ اجعل عواقب أمورنا خيراً" فإنّ هذا الدعاء يحيي في قلوبكم ذكر العاقبة ويدفعنا للتفكّر في المصير. فقد يغفل الإنسان أحياناً عن عاقبته، يعيش ولا يلتفت إلى مصيره. فإذا تلا هذا الدعاء يستيقظ فجأة إلى ضرورة تحسين عاقبته. أما كيف يتمّ ذلك فهذا بحثٌ آخر. فقط أردت أن أضرب مثلاً حول الدور الصادق للدعاء. وهذا الكتاب المليء بالدوافع الشريفة للأدعية كاف لإيقاظ المجتمع وتوجيهه نحو الصلاح. وإذا تجاوزنا ذلك، وجدنا روايات قصيرة وعديدة نّقلت عن الإمام السجاد عليه السلام . منها ما ذكرته سابقاً: "أوَلا حرٌ يدع هذه اللماظة لأهلها". انظروا كم هو مهمٌّ هذا الحديث. فالزخارف الدنيوية والزبارج كلّها بقية لعاب الكلب لا يتركها إلا الحرّ. وكلّ أولئك الّذين يدورون في فلك عبد الملك إنّما يريدون تلك اللماظة. وأنتم أيها المؤمنون لا تنجذبوا إليها. ونجد الكثير مثل هذه الكلمات الثورية والملفتة في خطب الإمام السجّاد عليه السلام . وسوف نصل إليها فيما بعد إن شاء الله. لقد كان الإمام السجّاد عليه السلام شاعراً. وشعره يحتوي على معانٍ مهمّة سوف نذكرها لاحقاً إن شاء الله.(مجلة باسدار اسلام، 10)

تكتيك بداية المرحلة الثالثة لحركة الأئمّة عليهم السلام 

من المقاطع المهمّة لحياة الإمام السجاد عليه السلام هي أن نرى أنّه هل كان يتصرّف بطريقة اعتراضية عدائية تجاه جهاز الخلافة أم لا؟ لقد أشرت باختصار في الأبحاث السابقة إلى هذا الموضوع وهنا سوف أوضح أكثر.

بالقدر الّذي اطّلعت فيه على حياة الإمام السجاد عليه السلام والّذي ما زلت أذكره، أنّه لا توجد مواجهة أو تعريض صريح وقاطع ضدّ الحكم، من قبيل ما نشاهده في حياة بعض الأئمّة الآخرين، كالإمام الصادق عليه السلام في عصر بني أميّة، أو الإمام موسى بن جعفر عليه السلام .

وسببه واضح، لأنّ مثل هذا التحرّك الشديد الّذي كان في بداية حركة الأئمّة عليهم السلام والذي كان في المرحلة الثالثة من المراحل الأربع للإمامة، والّتي تبدأ في حياة الإمام السجّاد عليه السلام ، سوف يعرّض قافلة أهل البيت عليهم السلام الّتي تحمل أعباء مسؤولية الرسالة للخطر الّذي لا يؤدّي إلى تحقيق المقصد. ففي ذلك الوقت لم يكن بستان أهل البيت الّذي تعهّد الإمام السجاد عليه السلام بتربيته ورعايته وسقايته قد استحكمت غصونه وأشجاره، بحيث يقدر على تحمّل الأعاصير الشديدة. وكما أشرت في بداية هذا البحث، فقد كان عدد المحبّين والموالين لأهل البيت عليهم السلام ممّن يحيطون بالإمام السجاد عليه السلام قليلاً جدّاً، وفي ذلك العصر لم يكن من الممكن لأولئك الّذين سيتحمّلون مسؤولية التنظيمات الشيعيّة أن يواجهوا خطر العدوّ الجائر والّذي هدّدهم بالإبادة.

وإذا أردنا أن نمثّل، ينبغي أن نشبّه عصر الإمام السجاد عليه السلام هذا، بمرحلة بدء الدعوة الإسلامية في مكّة وهي المرحلة السريّة. ولعلّه يمكن تشبيه عصر الإمام الباقر عليه السلام بالمرحلة الثانية في مكّة، حين أصبحت الدعوة علنيّة. والمرحل الّتي أتت من بعدها يمكن تشبيهها بالمراحل اللاحقة للدعوة. ولهذا فإنّ المواجهة في تلك المرحلة لن تكون صحيحة.

ومما لا شكّ فيه أنّنا إذا لاحظنا المواجهات الحادّة في بعض كلمات الإمام الصادق والإمام الكاظم والإمام الرضا عليهم السلام ، فيما لو صدرت عن الإمام السجّاد عليه السلام ، فإنّ عبد الملك بن مروان الّذي كان في أوج قدرته يستطيع وبكلّ سهولة أن يطوي بساط تعاليم أهل البيت عليهم السلام ، ليبدأ العمل من جديد. وهذا ليس عملاً عقلانياً وموائماً للقطع والثبات. لكن على كلّ حال، يمكن أن نشاهد في ثنايا كلمات الإمام زين العابدين عليه السلام ، والّتي ترجع على وجه الاحتمال إلى أواخر حياته الشريفة وطيلة مدّة إمامته، إشارات أو مظاهر لتعرّضه ومواجهته لنظام الحكم19.

كانت تلك المواجهات تظهر بعدّة أشكال. وأحد أشكالها هو ما لاحظناه في تعامل الإمام السجّاد عليه السلام مع محمّد بن شهاب الزهريّ. والشكل الآخر، يظهر من خلال بيان موقف ومكانة الخلفاء الأمويّين على ضوء التعاليم والإرشادات الدينيّة العاديّة. ويوجد حديث عن الإمام الصادق عليه السلام يقول فيه: "إنّ بني أمية أطلقوا للناس تعليم الإيمان ولم يطلقوا تعليم الشرك حتّى إذا حملوهم عليه لم يعرفوه"20. فبنو أميّة كانوا يسمحون للعلماء وأهل الدين، ومن جملتهم الأئمّة عليهم السلام ، بالتحدّث حول الصلاة والحجّ والزكاة والصيام والعبادات، وكذلك حول التوحيد والنبوّة والأحكام الإلهيّة. لكنّهم لم يسمحوا بالبحث في مفهوم الشرك ومصاديقه وأمثلته في المجتمع.

 تلك التعاليم المرتبطة بالشرك لو دُرِّست للناس، لفهموا مباشرة من هم المشركون، وأنّ ما يحملهم عليه بنو أميّة ليس إلّا الشرك. ولعلموا فوراً أنّ عبد الملك والخلفاء الباقين من بني أميّة هم طواغيت يبارزون الله، وأنّ إطاعتهم تُعدّ شركاً بالله. ولهذا لم يكونوا ليسمحوا بتعلّم هذه المفاهيم.

نحن عندما نبحث في الدين الإسلاميّ حول التوحيد، فإنّ قسماً مهمّاً من هذا البحث يرتبط بمعرفة الشرك والمشرك، ما هو الصنم ومن هو الّذي يعبد الأصنام. 

وللمرحوم العلّامة المجلسيّ رحمه الله في بحار الأنوار21 نصٌّ رائع يقول فيه: "إنّ آيات الشرك ظاهرها في الأصنام الظاهرة، وباطنها في خلفاء الجور الّذين أشركوا مع أئمّة الحقّ ونصّبوا مكانهم". فأئمّة الحقّ هم خلفاء الله وهم ينطقون عن الله، ولأنّ خلفاء الجور قد نصّبوا أنفسهم مكانهم وادّعوا الإمامة، فقد أصبحوا أصناماً وطواغيت، فكلّ من يطيعهم يُعدّ مشركاً بالله. 

وللعلّامة بعد هذا شرح قيّم. فهو يبيّن أنّ الآيات القرآنية ليست مختصّة بعصر الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم ، بل هي سارية وجارية في كلّ العصور والأزمان: "فهو يجري في أقوام تركوا طاعة أئمّة الحقّ، واتّبعوا أئمّة الجور لعدولهم عن الأدلّة العقلية والنقلية واتّباعهم الأهواء، وعدولهم عن النصوص الجلية"22. مثل أنّه لا يمكن لعبد الملك أن يكون حاكماً على المسلمين وخليفة له، فالناس كانوا يرون أن الحياة الوادعة بعيداً عن التعرّض للحاكم هي المريحة لهم، لهذا سلكوا هذه الحياة واتّبعوا أئمّة الجور. لهذا كانوا مشركين.

ومن هنا نرى أنّ الأئمّة عليهم السلام إذا أرادوا أن يبيّنوا حقيقة الشرك فإنّهم بذلك يقومون بما يشبه المواجهة مع نظام الحكم. وهذا ما يظهر في كلمات الإمام السجّاد عليه السلام .

ونموذج آخر من تلك الأمثلة في المواجهة: ما نشاهده في المكاتبات والرسائل بين الإمام السجّاد عليه السلام وعبد الملك (الخليفة الأمويّ المتجّبر)، أشير إلى اثنين منهما هنا:

1- في إحدى المرّات يكتب عبد الملك رسالة إلى الإمام السجّاد عليه السلام يلومه فيها على زواجه من إحدى جواريه. وكان للإمام عليه السلام جارية أعتقها ثمّ تزوّجها. فشمت به عبد الملك. وكان عمل الإمام عليه السلام عملاً إنسانياً وإسلاميّاً صرفاً. ولكنّ دافع عبد الملك من تلك الرسالة كان التعرّض للإمام عليه السلام ، وإفهامه بأنّه مطّلع على مسائله الخاصّة موجّهاً له بذلك تهديداً ضمنياً. فأجابه الإمام عليه السلام برسالة بدأها بتوجيه أمر الزواج وأنّ العظام يفعلون مثل هذا الأمر، وأنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد قام به: "فلا لؤم على امرئ مسلم إنّما اللؤم لؤم الجاهلية"23. وهو يريد أن يذكّره بسوابق أجداده في الجاهلية (من كفرهم وعنادهم)... عندما وصلت الرسالة إلى عبد الملك، كان ابنه سليمان حاضراً، وعندما قرأها سمعه، وسمع ذمّ الإمام وأحسّ به مثل أبيه، فالتفت إليه قائلاً: يا أمير المؤمنين! أترى كيف يتفاخر عليك عليّ بن الحسين؟ يريد بذلك أن يحرّض والده على ردّ فعل شديد. ولكنّ عبد الملك كان أعقل من ولده فقال له: لا تقل شيئا يا ولدي! فهذا لسان بني هاشم الّذي يفلق الصخر. (أي أنّ استدلالهم قويّ وقاسٍ).

2- النموذج الثاني: المراسلة الأخرى الّتي تمّت بين الإمام السجّاد عليه السلام وعبد الملك، حيث علم عبد الملك أنّ سيف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم موجود عند الإمام عليه السلام . وكان هذا أمراً ملفتاً لأنّه تذكار النبيّ وباعثٌ على التفاخر. وكذلك فإنّ وجوده يُعدّ خطراً على الخليفة، لأنّه يجلب أنظار الناس إليه، فكتب إليه يطلب منه تسليم السيف، ووعده بإنجاز ما يريد أي أنّه مستعدٌّ أن يهبه ما يحتاج.

ردّ الإمام عليه السلام طلبه، فأعاد عبد الملك مرّةّ ثانية تهديده بوقف حصّة الإمام من بيت المال إن لم يرسل السيف24. فأجابه الإمام عليه السلام : "أمّا بعد فإن الله ضمن للمتقين المخرج من حيث يكرهون والرزق من حيث لا يحتسبون وقال جل ذكره﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ﴾ فانظر أيّنا أولى بهذه الآية"25. 

وهذه لهجة قاسية جدّاً تجاه الخليفة، لأنّ تلك الرسالة إذا وقعت بيد أيّ إنسان فسوف يعلم أولاً: أن الإمام عليه السلام لا يعدّ نفسه خوّاناً. ثانياً: لا يتصوّر أحد هذا الأمر بحقّ هذا الإنسان الجليل الّذي تربّى في بيت النبوّة. وهذا يعني أنّك أنت أيّها الخليفة خوّان وكفور. وإلى هذا الحدّ كان الإمام شديداً مقابل التهديد.

كان هذان نموذجين عن مواجهة الإمام لجهاز الحكم الأمويّ.

وإذا أردنا أن نضيف نموذجاً آخر ينبغي أن ننظر إلى الأشعار الّتي نُقلت عن أصحاب الإمام السجّاد عليه السلام ومحبّيه، فهي تمثّل نوعاً آخر من المواجهة. مواجهة أصحاب الإمام السجّاد عليه السلام ومحبّيه من قبيل الفرزدق ويحيى بن أم الطويل للنّظام الحاكم كان يُعدّ نوعاً من مواجهة الإمام للحكم ويمكن اعتبار شعر الفرزدق نموذجاً آخر. فقد نقل المؤرّخون والمحدّثون قصّة الفرزدق (ما ملخّصها):

عندما قدم هشام بن عبد الملك قبل فترة خلافته إلى الحجّ، وأثناء الطّواف أراد أن يتقدّم لاستلام الحجر الأسود، ولكن الحشد الهائل والازدحام الكبير منعه من الوصول، رغم محاولاته المتكرّرة مع أنّه كان ابن الخليفة ومحاطاً بالمرافقين والحراس والحواشي، ولكنّ الناس كانوا يمرّون من حوله دون اكتراث. فيئس من استلام الحجر، وقعد جانباً منتظراً انصراف الناس، وكان أصحابه جالسين حوله. وفي هذه الأثناء يأتي رجل يعلوه الوقار والهيبة، سيماه سيماء الزاهدين ووجهه وجه الملكوتيين، يسطع من بين الحجّاج كالشمس فتنحّى الناس له جانباً ليمرّ من بينهم ويصل إلى الحجر الأسود فيقبّله ثمّ يرجع للطواف مجدّداً. 

فصعب ذلك على هشام كثيراً، وهو يرى نفسه ابن الخليفة ولا أحد يعطيه أيّة قيمة، بل يبعدونه بالركل والمطاحنة، ثمّ من جانب آخر يظهر رجل يصل إلى الحجر الأسود بكلّ هدوء. فسأل غاضباً: من هذا؟ وكان حواشيه يعرفون أنّه عليّ بن الحسين عليه السلام ولكن لئلّا يغضب منهم لم يقولوا شيئاً لأنّهم يعلمون بوجود العداء المتجذّر بين بني أميّة وبني هاشم، فلم يريدوا أن يقولوا إنّ هذا كبير العائلة المعادية لكم، والناس يظهرون له كلّ هذا الحبّ والاحترام لأنّهم اعتبروا ذلك نوعاً من الإهانة لهشام.

كان الشاعر الفرزدق، من المحبيّن لأهل البيت، حاضراً هناك وقد رأى تجاهلهم وإنكارهم لعليّ بن الحسين عليه السلام فتقدّم قائلاً: أيّها الأمير، هل تسمح لي بأن أعرّفك به.

فقال هشام: قل، فانطلق لسان الفرزدق بقصيدة من أشهر القصائد الشعرية الّتي قيلت بحقّ أهل البيت، وبدأها بهذا البيت: 
هذا الّذي تعرف البطحاء وطأته***والبيت يعرفه والحلّ والحرم26

وكانت أبيات هذه القصيدة كوقع السيوف على قلب هشام فغضب منه وطرده. من جانب آخر أرسل إليه الإمام عليه السلام مالاً فلم يقبله وقال: "ما قلته لله لا أريد عليه مالاً".

وهكذا نشاهد مثل هذه المواجهات عند أصحاب الإمام. ونموذج آخر ما قام به يحيى بن أمّ الطويل. كان يحيى بن أمّ الطويل من الشباب ذوي البأس الشديد والشجاعة الفائقة وأحد المخلصين لأهل البيت، وكان يذهب دائماً إلى الكوفة ويجمع الناس ويصرخ فيهم: "أيها الناس، إنّني كافر بكم ولا أقبل بكم حتّى تؤمنوا بالله"، وهو يقصد أولئك الّذين كانوا يتبعون بني أميّة. ومثل هذه الاعتراضات المتجلّية في حياة الإمام السجّاد عليه السلام وأصحابه كان مشهوداً.(مجلة باسدار اسلام، 12).

مواجهة الإمام عليه السلام مع علماء البلاط

في تتمّة بحثنا حول القضايا المرتبطة بسيرة الإمام السجّاد عليه السلام وأساليبه وخططه لإيجاد الأرضية المساعدة للحركة الإسلامية العظيمة، الّتي يمكن أن تنتهي بإقامة الحكومة العلويّة والحكومة الإسلاميّة:

ذكرنا ما ملخّصه أنّ هذه التحرّكات كانت تتّجه إلى التبيين والتوضيح بالنسبة للبعض وإلى التشكيلات والتنظيم بالنسبة لبعضهم الآخر، وإلى الهداية والإرشاد بالنسبة لآخرين. وهكذا يُتخيّل الإمام السجّاد، من خلال هذه الصّورة الّتي قدّمناها، إنساناً صبوراً سعى خلال 30 أو 35 سنة متواصلة إلى جعل تلك الأرضية غير المساعدة بتاتاً في العالم الإسلاميّ، تتّجه نحو الظروف الّتي يمكن له عليه السلام أو لخلفائه أن يحقّقوا من خلالها المجتمع الإسلاميّ، والحكومة الإسلاميّة.

ولو اقتطعنا تلك السنوات الخمس والثلاثين لسعي الإمام السجاد عليه السلام من حياة الأئّمة، لجزمنا بعدم وصول الأمر إلى الإمام الصادق عليه السلام بتلك الحال الّتي تمكّن معها من التصرّف والتعاطي الصريح والواضح مع الحكم الأمويّ، والعبّاسيّ فيما بعد.

وعليه، فلأجل إقامة وتحقيق المجتمع الإسلاميّ، لا بدّ من الأرضية الفكريّة والذهنيّة. وهذا ما يُعتبر أهمّ من أيّ شيء آخر. وقد تطلّب إيجاد هذه الأرضيّة الفكرية والذهنية في تلك الظروف الّتي كانت موجودة في ذلك العصر من العالم الإسلاميّ، سنوات مديدة. ذلك العمل الّذي نهض به الإمام السجّاد عليه السلام متحمّلاً أعباءه الجسيمة وتكاليفه الباهظة.

إلى جانب هذا، نجد في حياة الإمام السجّاد عليه السلام بعض المساعي الأخرى الّتي تدلّ في الواقع على مدى تقدّم الإمام عليه السلام في المجال المذكور. والقسمُ الأعظم من هذه المساعي، سياسيٌّ، وأحياناً شديد القساوة، وأحد نماذجه مواجهته، وكيفية تعامله مع العلماء التابعين، والمحدّثين الكبار العاملين لصالح النظام الحاكم. ولعلّ أكثر الأبحاث المتعلّقة بحياة الأئمّة إثارةً هو قضيّة تعامل الأئمّة عليهم السلام مع حملة الفكر والثقافة في المجتمع الإسلاميّ، (أي العلماء27 والشعراء).

 فالأئمّة كانوا يتحمّلون مسؤولية هداية الناس في أفكارهم وأذهانهم، وأولئك كانوا يوجّهون الناس إلى الوضع الّذي يريده خلفاء بني أميّة وبني العبّاس، وأن يكون حاكماً على المجتمع، ويجعل الناس مطيعين ومسلمين. 

كما نعلم، فإنّ الحكّام الظالمين والجائرين كانوا يرون جذب قلوب الناس إليهم، أهمّ عامل في بقاء ملكهم وسلطانهم. إذ لم يكن الفاصل الزمنيّ بين الناس وبين صدر الإسلام كبيراً، وبالتالي كان إيمان الناس بالإسلام لا يزال قويّاً. فإذا أدرك الناس أنّ البيعة الّتي قدّموها للحكّام ليست صحيحة، وأنّ هذا الظالم لا يجوز أن يكون خليفة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، لو أدركوا ذلك، فبالتأكيد لن يرضوا أن يسلّموه قيادتهم بتاتاً، وحتّى لو قلنا إنّ هذا الأمر لا يشمل جميع الناس، فعلى الأقلّ نقول: القدر المسلّم به أنّ الكثيرين في المجتمع كانوا يتحمّلون الوضع المنافي للإسلام في الجهاز الحاكم نتيجة الإيمان القلبيّ، إذ إنّهم كانوا يظنّون أنّ هذا وضع إسلاميّ. ولإبقاء هذه الضبابيّة في أذهان الناس، كان حكّام الجور يستغلّون المحدّثين وعلماء الدين قدر الإمكان ويحركّونهم طبقاً لمصالحهم، فيطلبون منهم وضع الأحاديث واختلاقها ونسبتها إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والصحابة الكبار بما يوافق ميولهم وأهواءهم. في هذا المجال توجد موارد تقشعرّ منها الأبدان، ونحن ننقل بعضاً منها كمثال:

في زمن معاوية التقى شخص بكعب الأحبار28. ولأنّ كعباً كانت له صلات حميمة مع معاوية وزعماء الشام، سأل كعبُ ذلك الشخص: من أين أنت؟
• من أهل الشام. 
• لعلّك من ذلك الجيش الّذي يدخل منه 70 ألف جندي إلى الجنّة دون حساب. 
• من هم هؤلاء؟ 
• إنّهم أهل دمشق. 
• كلا، لست من أهل دمشق. 
• إذاً، لعلّك من ذلك الجيش الّذي ينظر الله إليه كلّ يوم مرّتين! 
• من هم هؤلاء؟ 
• أهل فلسطين! 

وربّما لو قال ذلك الشخص: إنني لست من أهل فلسطين، لأخبره كعب الأحبار أحاديث عن كلّ أهالي بعلبك وطرابلس وبقيّة مدن الشام بحيث يبينُ له أهل الشام هم الأفضل، وأنّهم أهل الجنّة. وكعب الأحبار كان يختلق هذه الأحاديث ويصفها إمّا تملّقاً لأمراء الشام، حتّى يكون نصيبه أكثر ومنزلته في قلوبهم أعلى، وإمّا بسبب العداء المتجذّر في نفسه للإسلام وحتّى يصعّب الوصول إلى أقوال النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم .

ويوجد في كتب التذكرة والرجال والحديث الكثير من هذه القصص. منها قصّة ذلك الأمير الّذي أرسل ابنه إلى المدرسة (الكتّاب) وهناك ضربه المدرّس. عندما رجع الابن باكياً إلى أبيه وأخبره، غضب الأب وقال: سأذهب وأضع حديثاً على هذه المدرسة حتّى لا يكرّروا فعلتهم هذه.

ومن هذه القصّة نعلم كم كان سهلاً اختلاقُ الأحاديث عندهم، حتّى لو كان بدافع العصبية أو الشفقة على دموع طفل. وعلى أيّ حال فقد كان لهذا الوضع أثرٌ واضح في إيجاد ذهنيّة وثقافة منحرفة وبعيدة عن الإسلام. كلّ ذلك بسبب أولئك المحدّثين والعلماء العاملين في خدمة السلاطين والأقوياء. وفي مثل هذا الوضع تُعتبر مواجهة هؤلاء عملاً في غاية الأهميّة.

يوجد هنا نموذج يبيّن كيفية مواجهة الإمام السجّاد عليه السلام لهذا الوضع، وذلك في تعامله مع محمّد بن شهاب الزهريّ: كان محمّد بن شهاب الزهريّ29 في البداية أحد تلامذة الإمام السجّاد عليه السلام المقرّبين، أي أنّه من جملة الّذين تعلّموا علومهم ونقلوا الأحاديث عن الإمام عليه السلام ، ولكن بالتدريج - بسبب التجرّؤ الّذي كان فيه - اقترب من نظام الحكم حتّى صار أحد أعوانه وتحوّل إلى واحدٍ من زمرة العلماء والمحدّثين الّذين وقف الأئمّة مقابلهم.

ولأجل أن نطّلع أكثر على وضع الزهريّ ننقل عدّة أحاديث بشأنه:

أحد هذه الأحاديث، ما جاء عنه: "كنّا نكره كتابة العلم، حتّى أكرهنا عليه السلطان فكرهنا أن نمنعه أحداً"30. ويفهم من هذا الحديث أنّه حتّى ذلك الزمن لم يكن متعارفاً بين هذه الطائفة من المحدّثين أنّ كلّ ما يعلمونه من الأحاديث ينبغي أن يكتبوه، وكذلك يتّضح أنّ محمد بن شهاب الزهريّ كان في خدمة الأمراء وأنّه كان يُحمل على كتابة الأحاديث الّتي تناسبهم.

أحدهم ويُدعى معمراً كان يقول: "كنّا نظن أنّنا قد نقلنا من الزهريّ أحاديث كثيرةً إلى أن قُتل الوليد".31 فعندها رأينا كتباً كثيرة تُحمل على ظهور الدوابّ وتُخرج من خزائن الوليد ويقال: هذا علم الزهريّ!32 أي أنّ الزهريّ وضع من الأحاديث الّتي تناسب الوليد وأهواءَه ما عجزت عن حمله الرجال. فما حال تلك الأحاديث؟ مما لا شكّ فيه أنّها لا تدين الوليد وإنّما تؤيّد أعمال الوليد وأمثاله وتصحّحها.

ويوجد حديثٌ آخر يتعلّق بفترة ارتباط الزهريّ بالنظام الحاكم. فقد روى اليعقوبيّ في تاريخه: "إنّ الزهري يحدّثكم عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال: لا تُشدّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام ومسجد المدينة والمسجد الأقصى وإنّ الصخرة الّتي وضع رسول الله قدمه عليها تقوم مقام الكعبة"33.

ويعود هذا الحديث إلى ذلك الزمن الّذي كان عبد الله بن الزبير حاكماً فيه على مكّة، والناس الّذين يريدون الحجّ بطبيعة الحال لا بدّ وأن يدخلوا مكّة - وهي تحت نفوذ ابن الزبير - وكانت تلك الأيّام فرصةً مناسبة له للتبليغ ضدّ أعدائه - وخاصّة عبد الملك بن مروان - ومن جانبٍ آخر بما أنّ عبد الملك كان يدرك خطورة هذا الأمر، ولكي يمنع الناس من الذهاب إلى مكّة رأى أنّ أفضل الطرق هو وضع أحاديث تبيّنُ أنّ شرف القدس بمنزلة شرف مكّة. ونحن نعلم - في العرف والثقافة الإسلامية - أنّه لا توجد منطقة في العالم توازي الكعبة شرفاً ومكانةً ولا يوجد حجر في الدنيا يضاهي الحجر الأسود. فكانت تلك الأحاديث المختلقة وسيلة لعبد الملك لكي يدفع الناس للذهاب إلى فلسطين لأنّ فلسطين جزء من الشام وتحت نفوذ عبد الملك. فإلى أيّ مدى كان لهذه الأحاديث تأثيرٌ في نفوس الناس وأفعالهم؟ وهل حدث في زمن ما أنّ الناس حجّوا إلى بيت المقدس بدلاً من مكّة أم لا؟ ولو حدث ذلك لكان ينبغي أن نعدّ المجرم الأصليّ أو أحد المجرمين محمد بن شهاب الزهري الّذي حرّف الأمر في أذهان الناس لأجل مآرب عبد الملك السياسية.

وعندما يصبح الزهريّ تابعاً لجهاز الخلافة، فلن يمنعه شيء من وضع الأحاديث ضدّ الإمام السجّاد عليه السلام والتنظيمات العلويّة - منها ما وجدته في كتاب "أجوبة مسائل جار الله" - تأليف المرحوم السيد عبد الحسين شرف الدين - حيث يدّعي الزهريّ في رواية أنّ أمير المؤمنين عليه السلام كان جبريّاً، وينسب إلى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال في معنى الإنسان في الآية: ﴿وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾34 أنّه أمير المؤمنين عليه السلام (والعياذ بالله).

في رواية أخرى ينقل أنّ حمزة سيّد الشهداء كان شارب خمر. وإنّما جعل هاتين الروايتين لدعم الجبهة السياسية المتسلّطة - لعبد الملك وبني أميّة - مقابل أئمّة الهدى عليهم السلام ، وبالتالي لنسف عترة النبيّ وسلالته - الّذين كانوا يواجهون الأمويين - بعنوان أنّهم مسلمون من الطراز الأوّل، ويعرّفهم على أنّهم مثل غيرهم من العوامّ والمقصّرين في تطبيق أحكام الدين!

بالنسبة للزهريّ وأمثاله، فقد وقف الإمام السجّاد عليه السلام موقفاً حازماً وقاسياً جدّاً حيث يلحظ هذا من خلال الرسالة الّتي وجّهها إليه.

وقد يتساءل بعض الناس إلى أي مدى يمكن أن تعكس "الرسالة" هذا الموقف الشديد؟ ولكن بالالتفات إلى شدّة اللهجة في مضمون هذه الرسالة الموجّهة إلى الزهريّ، وكذلك بالنسبة للجهاز الحاكم، وأنّها لا تنحصر بمحمّد بن شهاب، بل كانت تقع في أيدي الآخرين وتنتقل بالتدريج عبر الألسن والأفواه وتبقى عبر التاريخ (كما أنّنا اليوم وبعد أكثر من 1300 سنة نتناولها بالبحث)، بالالتفات إلى هذه الأمور، يمكن أن ندرك حجم الضّربة الّتي وُجّهت للقداسة الشيطانية والاصطناعية لمثل أولئك العلماء. لقد كانت الرسالة خطاباً لمحمّد بن شهاب، ولكنّها نالت من أشخاص آخرين على شاكلته. ومن المعلوم أنّ هذه الرسالة عندما تقع بأيدي المسلمين، وبالأخصّ شيعة ذلك العصر، وتنتقل عبر الأيدي فأيّ سقوط لهيبة هؤلاء ومكانتهم ستحدثه في الأعين؟! وهنا ننقل مقاطع من هذه الرسالة:
في البداية يقول عليه السلام : "كفانا الله وإيّاك من الفتن ورحمك من النار". في الجزء الثاني من هذه الجملة، نجده يخصّه بالخطاب، لماذا؟ لأنّ كلّ إنسان يتعرّض للفتن، حتّى الإمام السجّاد عليه السلام ولكن دون أن يسقط فيها. ومحمد بن شهاب يتعرّض للفتنة ولكنّه سقط. أمّا بالنسبة لنار جهنّم فإنّها لا تقترب من الإمام زين العابدين عليه السلام ، ولهذا خصّ الكلام هنا بالزهريّ. وابتداء الرسالة بمثل هذه اللهجة دليل على تعامل الإمام عليه السلام معه بطريقة تحقير ومعاداة. ثمّ يقول عليه السلام : "فقد أصبحت بحال ينبغي لمن عرفك بها أن يرحمك". دققوا، لمن الخطاب في هذه الجملة؟

إنّها موجّهة لشخص يغبطه الجميع على حاله، فهو أحد العلماء الكبار المقرّبين للنظام الحاكم، بينما نجد الإمام عليه السلام يبيّنه ضعيفاً ووضيعاً.

بعد ذلك يشير الإمام عليه السلام إلى النّعم الّتي حباه الله بها والحجج الّتي أتّمها عليه، ثمّ يقول إنّه مع وجود تلك النّعم من الله، هل تستطيع أن تقول كيف قد أدّيت شكرها؟

ويذكر جملة من آيات القرآن ويقول إنّ الله تعالى لن يرضى أبداً عن قصورك وتقصيرك، لأنّه سبحانه قد أمر العلماء بتبيين الحقائق للناس:﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ﴾35.

وبعد هذه المقدّمة يحمل عليه بطريقة قاسية جداً بقوله عليه السلام : "واعلم أنّ أدنى ما كتمت، وأخفّ ما احتملت، أن آنست وحشة الظالم، وسهّلت له طريق الغيّ بدنوِّك منه حين دنوت، وإجابتك له حين دُعيت". ويظهر هذا الكلام الّذي يطرحه الإمام بشكل واضح ارتباطه بجهاز السلطة. "إنّك أخذت ما ليس لك ممّن أعطاك". "ودنوت ممن لم يردّ على أحدٍ حقّاً ولم تردّ باطلاً حين أدناك"، (وهو الخليفة الظالم) فبأيّ عذرٍ تبرّر عدم إرجاعك الحقوق الضائعة وإزالة المظالم الكثيرة؟ "وأحببت من حادّ الله".

والجملة المؤثّرة جدّاً في هذه الفقرة عندما يقول عليه السلام : "أوليس بدعائه إيّاك، حين دعاك، جعلوك قطباً أداروا بك رحى مظالمهم، وجسراً يعبرون عليه إلى بلاياهم، وسلّماً إلى ضلالتهم داعياً إلى غيّهم سالكاً سبيلهم، يدخلون بك الشكّ على العلماء ويقتادون بك قلوب الجهّال إليهم؟". ثم يقول: "فلم يبلغ أخصّ وزرائهم ولا أقوى أعوانهم إلا دون ما بلغت من إصلاح فسادهم"36.

وفي هذه الرسالة الشديدة اللهجة والبليغة يفضح الإمام السجّاد هذا التيار الفكريّ والعلميّ التابع للسلطة والحكم والّذي يتحرّك بدعمٍ سياسيٍّ وحكوميٍّ اجتماعيّ. فأولئك الّذين قبلوا مهادنة النظام، أصبحوا مطالبين بالإجابة عن السؤال الّذي بقي في المجتمع الإسلاميّ في ذلك الزمان وسوف يبقى عبر التاريخ.

إنّني أعتبر هذه إحدى المقاطع المهمّة من حياة الإمام السجّاد عليه السلام ، وأشعر بأنّه عليه السلام لم يكتفِ بتحرّك علميّ وتربويّ محدود بين جماعة خاصّة، بل قام بحركة سياسية.(مجلة باسدار اسلام، 11)

كان هذا مختصراً لحياة الإمام السجّاد عليه السلام . وهنا بالطبع أشير إلى هذه النقطة أيضاً: فرغم أنّ مرحلة إمامة الإمام السجّاد عليه السلام الّتي امتدّت إلى أكثر من 34 سنة كانت بعيدة عن المواجهة المباشرة للنظام الحاكم، ولكن نشر بساط الإمامة الواسع وتعليم وتربية العديد من الأفراد المؤمنين والمخلصين ونشر دعوة أهل البيت عليهم السلام كان من أعظم إنجازاته. وهذا ما جعل بني أميّة يمقتون الإمام ويتعرّضون له. وكانوا من قبل قد جرّوه بالأصفاد والأغلال من المدينة إلى الشام - ولم يحدث هذا في كربلاء فقط وإنّما تكرّر في زمن آخر أيضاً - وقد تعرّضوا له في موارد عديدة، وآذاه أعوانهم حتّى وصل بهم الأمر سنة 95 للهجرة في زمن الوليد بن عبد الملك إلى تسميمه فارتفع إلى جوار ربّه شهيداً.(مجلة باسدار اسلام، 12)
 بحوث في الحياة السياسية لأهل البيت عليهم السلام, سلسلة المعارف الإسلامية , نشر: جمعية المعارف الإسلامية الثقافية

1- بصائر الدرجات، ص 200. عن الإمام الباقر عليه السلام قال: "لما حضرت علي بن الحسين الوفاة قبل ذلك أخرج سفطاً أو صندوقاً عنده فقال: يا محمد احمل هذا الصندوق، قال فحمل بين أربعة، قال فلما توفي جاء إخوته يدَّعون في الصندوق، فقالوا اعطنا نصيبنا من الصندوق، فقال: والله ما لكم فيه شيء ولو كان لكم فيه شيء ما دفعه إلي وكان في الصندوق سلاح رسول الله وكتبه صلى الله عليه وآله وسلم ".
2- بحار الأنوار، ج 45، ص 115.
3- بحار الأنوار، ج 6، ص 259.
4- بحار الأنوار، ج 75، ص 128.
5- تحف الحقول، ص 391.
6- تحف العقول، ص 249.
7- تحف العقول، ص 249.
8- مجموعة رسائل في شرح الأحاديث من الكافي، ج1، ص 565.
9-اللهوف على قتلى الطفوف، ترجمة الفهري، ص 181.
10- تحف العقول، ص 252.
11- الكافي، ج 8، ص 14.
12- م. ن، ص 16.
13- م. ن.
14- تحف العقول، ص 253.
15- تحف العقول، ص 254.
16- للأسف الشديد ينبغي أن نقول إنّه لا يوجد في جميع العناوين المتعلّقة بمثل هذه الكلمات الصادرة عن الإمام السجّاد عليه السلام - والّتي اختارها المحدّثون - أيّ نوع من الإشارة إلى ذلك المحتوى الذي أشرنا إليه. فعلى الأغلب، جعلوا ذيل العنوان هو الزهد. بالطبع إنّ الزهد الواقعيّ هو هذا، لكنّ ذلك الفهم السائد حول الزهد لا يمكن أن يُستنبط من هذه الكلمات وكان ينبغي أن يُشار إلى أنّ الإمام عليه السلام في هذه الكلمات كان بصدد الإشارة إلى القضايا السياسية(الكاتب).
17- بحار الأنوار، ج 75، ص 128.
18- برأيي يمكن أن نجد من قبيل هذا البيان في كلمات الإمام السجّاد وكذلك في كلمات سائر الأئمّة وهو في كلماتهم كثير. وقد وجدتُ في حياة الإمام الصادق صلوات الله عليه، وكذلك في حياة الإمام 

0 التعليقات:

إرسال تعليق

المشرف : الشيخ ابو علي الفاطمي @@ 2015 @@

Designed by Templateism